هبوط حاد للاستثمارات النفطية والمالية والعقارية في مصر بسبب كورونا

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

كشفت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري أن الاقتصاد تعرض لضغوط قاسية خلال الفترة من كانون الثاني/يناير إلى نهاية حزيران/يونيو الماضي، بسبب امتداد التداعيات الاقتصادية لأزمة كورونا إلى كل قطاعات الاقتصاد تقريبا باستثناء تحويلات المصريين العاملين في الخارج، التي حققت معدلا للنمو يقرب من ثلاثة أمثال معدل النمو للاقتصاد القومي ككل. وقد سجل ميزان المدفوعات لتلك الفترة عجزا بقيمة 9 مليارات دولار مقارنة بفائض بلغ 1.7 مليار دولار في الفترة المقابلة من العام الماضي. وكان وراء تدهور ميزان المدفوعات تراجع فائض الميزان الخدمي بنسبة 50 في المئة، نتيجة الهبوط في إيرادات السياحة والسفر بنسبة سنوية بلغت 54.9 في المئة لتقتصر على 2.6 مليار دولار مقابل 5.8 مليار في الفترة المقابلة من العام الماضي. ونظرا لأن ميزانية السنة المالية 2020 انتهت في 30 حزيران/يونيو الماضي، بينما ما تزال تداعيات أزمة كورونا الاقتصادية مستمرة حتى الآن، فإن آثارها السلبية على الأداء الاقتصادي ستستمر في السنة المالية 2020/ 2021.

ويقدر البنك الدولي أن معدل النمو في السنة المالية الحالية سيصل إلى 2.3 في المئة فقط، وهو ما يعادل نصف التقدير الذي تتبناه وزارة المالية. وطبقا لتقرير البنك الأخير في تشرين الأول/أكتوبر الماضي فإن تداعيات جائحة كورونا أدت إلى فقد حوالي 2.7 مليون فرصة عمل في الربع الأخير من السنة المالية، في كل القطاعات من مبيعات التجزئة والجملة والنقل والتشييد والسياحة إلى الصناعات التحويلية. وتركزت معظم الخسائر في أوساط العمالة غير المنظمة. ونتيجة لذلك فإن معدل البطالة ارتفع إلى 9.6 في المئة في الربع الأخير من السنة المالية، من 7.7 في المئة في الربع الثالث. وقدمت الحكومة إعانات اجتماعية بقيمة 500 جنيه شهريا لمدة 3 أشهر يتم تمويلها بواسطة فرض رسوم تأمينات اجتماعية على رخص البناء لصالح العمالة غير المنظمة يدفعها المقاولون وأصحاب التراخيص، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الزيادات على الرسوم للخدمات الحكومية وذلك لتعزيز إيرادات الميزانية.

ولم تقتصر التداعيات الاقتصادية لأزمة كورونا على قطاعات الخدمات، وإنما امتدت إلى الإستثمار الأجنبي المباشر الذي هبط بنسبة 38.4 في المئة ليقتصر على 2.5 مليار دولار مقابل 4.1 مليار دولار في النصف الثاني من السنة المالية السابقة. ونتيجة لحدوث موجة عالمية للتخارج من أسواق المال للدول النامية، فإن مصر تعرضت لموجة نزوح للاستثمارات في محافظ الأوراق المالية لغير المقيمين، أسفرت عن صافي تدفق للخارج بقيمة 7.6 مليار دولار مقابل صافي تدفق للداخل بقيمة 10.1 مليار دولار في العام الماضي. وذكر بيان البنك المركزي أن أشد التداعيات الاقتصادية وقعت خلال الربع الأول من العام الحالي، وهي فترة بداية ظهور وانتشار فيروس كورونا على مستوى العالم.

وبالرغم من كل هذه الضغوط فإن البنك المركزي قال في بيانه عن ميزان المدفوعات للسنة المالية الأخيرة (المنتهية في حزيران/يونيو 2020) إن الاقتصاد المصري استطاع استيعاب أثر الصدمة العالمية الناشئة عن أزمة كورونا، وحقق على مدى السنة المالية ككل استقرارا نسبيا في الحساب الجاري للمعاملات الخارجية، كما حافظ الحساب الرأسمالي والمالي استقرارا ملموسا، بالرغم من تراجع دخل السياحة والاستثمارات الأجنبية وزيادة العجز في ميزان الحساب البترولي.

تراجع صادرات النفط والغاز

هبطت قيمة الصادرات من النفط والغاز والمنتجات البترولية خلال السنة المالية ككل بحوالي 3.1 مليار دولار لتسجل 8.5 مليار مقابل 11.5 مليار في السنة المالية 2018/2019. كذلك انخفضت قيمة الواردات البترولية بقيمة 2.6 مليار دولار إلى 8.9 مليار دولار مقابل 11.5 مليار، وذلك بسبب تراجع الكميات المستوردة بنسبة 38 في المئة، وانخفاض الأسعار العالمية للنفط والوقود، إضافة إلى توقف مصر عن استيراد الغاز الطبيعي اعتبارا من الربع الثاني من العام الماضي.

ونظرا لأن قطاع النفط والغاز يمثل أهم مجالات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، فإن الهبوط الحاد للأسعار خلال الربع الثاني من العام الحالي أثر سلبا على قدرة الشركات الدولية على ضخ استثمارات جديدة في مشروعاتها القائمة في مصر، بل إن بعض الشركات اتجهت إلى بيع جزء من استثماراتها لحاجتها للسيولة في مناطق أخرى من العالم. وطبقا لبيان البنك المركزي المصري فإن صافي الاستثمارات في قطاع البترول والغاز انخفض خلال السنة المالية الأخيرة بنسبة 68.2 في المئة ليقتصر على مجرد 1.1 مليار دولار. ولم تقتصر الصعوبات التي عانت منها الصناعة النفطية على مجرد الانخفاض الحاد في الاستثمارات، بل إن الشركات حولت إلى خارج مصر 4.3 مليار دولار، تمثل قيمة التكاليف المستردة للبحث والتنقيب ونصيب هذه الشركات في أرباح الإنتاج. هذا يعني أن الشركات العاملة في مصر حولت لنفسها أكثر من 50 في المئة من قيمة صادرات البلاد من النفط والغاز والمشتقات  التي بلغت كما أشرنا 8.5 مليار دولار. وفي الوقت نفسه فقد تراجعت أيضا الاستثمارات في القطاعات غير النفطية.

وسجلت الاستثمارات في محفظة الأوراق المالية تحولا من تدفقات صافية إلى الداخل بقيمة 4.2 مليار دولار في عام 2018/2019 إلى تدفقات صافية للخارج بقيمة 7.3 مليار دولار على مدى السنة المالية الأخيرة ككل.

زيادة فوائد الدين الخارجي

 

ارتفعت مدفوعات الفوائد المستحقة على الدين الخارجي لمصر بنسبة 15 في المئة تقريبا وهو ما يعادل خمسة أمثال معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي تقريبا، لتصل إلى 2.9 مليار دولار بزيادة 373.6 مليون دولار عن السنة المالية السابقة. وفي الوقت نفسه فإن العجز في ميزان دخل الإستثمار ارتفع إلى 11.4 مليار دولار بزيادة 344.4 مليون دولار، نتيجة لارتفاع المدفوعات للخارج عن قيمة العوائد، التي بلغت 12.3 مليار دولار. وكان من أهم بنود الزيادة ارتفاع الأرباح المدفوعة للمستثمرين الأجانب عن استثماراتهم في محفظة الأوراق المالية بقيمة 547.4 مليون دولار لتصل إلى 1.8 مليار دولار. ومع ذلك فإن تراجع أرباح شركات البترول الأجنبية أسهم في تخفيف حدة زيادة العوائد المدفوعة المستثمرين الأجانب.

وإضافة إلى الهبوط الحاد في الاستثمارات البترولية، فقد انخفضت أيضا قيمة التحويلات المالية من الخارج لشراء عقارات في مصر بواسطة غير المقيمين، الأجانب أو العاملين في الخارج، بنسبة 19.3 في المئة لتبلغ في السنة المالية الأخيرة 666.2 مليون دولار مقارنة بـ 825.8 مليون دولار في العام الماضي. وقد ترك ذلك أثرا ثقيلا على سوق الاستثمار العقاري، ولجأ عدد من الشركات العقارية إلى البنوك لتمويل مشروعاتها.

ارتفاع صادرات الذهب

أدت الزيادة في الأسعار العالمية للذهب إلى زيادة قيمة صادرات مصر من المعدن النفيس، الأمر الذي ساعد على زيادة قيمة الصادرات السلعية بنحو مليار دولار فقط إلى 17.9 مليار دولار. كذلك أدى تراجع قيمة الواردات السلعية غير البترولية بقيمة مليار دولار خلال السنة المالية، إلى انخفاض العجز في الميزان التجاري بنحو مليار دولار ليبلغ حوالي 54 مليار دولار مقابل 55 في العام الماضي.

تحويلات العاملين في الخارج

 

مرة أخرى أثبت المصريون العاملون في الخارج أنهم عماد اقتصاد مصر، وأهم محركات النمو. وقد كانت تحويلاتهم من أهم النقاط المضيئة في بيان ميزان المدفوعات الأخير، وذلك على العكس من معظم القطاعات الأخرى، بما في ذلك إيرادات قناة السويس والسياحة والاستثمار الأجنبي والصادرات البترولية وغير البترولية، باستثناء الذهب الذي زادت قيمة صادراته بسبب ارتفاع الأسعار العالمية.

وطبقا لبيان البنك المركزي عن ميزان المدفوعات للسنة المالية المنتهية في 30 حزيران/يونيو 2020 ارتفعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج إلى 27.7 مليار دولار بنسبة زيادة 10.4 في المئة أي بنسبة نمو  تزيد عن ثلاثة أمثال معدل النمو الاقتصادي، مقارنة بقيمة 25.1 مليار دولار في السنة المالية السابقة.

ولمقارنة تحويلات المصريين العاملين في الخارج بمصادر الدخل الأخرى خلال السنة المالية الأخيرة يتبين لنا أن التحويلات تعادل:

– أكثر من ثلاثة أمثال قيمة كل صادرات النفط والغاز والمنتجات البترولية.

– أكثر من 1.5 قيمة كل الصادرات السلعية غير البترولية مثل الذهب والملابس الجاهزة والسلع الزراعية والصناعية.

– ما يقرب من 5 أمثال قيمة رسوم المرور في قناة السويس.

– ما يقرب من 4 أمثال قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر، بما في ذلك استثمارات شركات البترول والغاز الدولية وهي أكبر مستثمر أجنبى في مصر.

هذا الدور الذي تلعبه تحويلات العاملين يؤكد أهمية الاستثمار في الثروة البشرية باعتباره محرك النمو في مصر، وبإهماله ، خصوصا في مجالات التعليم والصحة ، فإن مصر تفقد جزءا كبيرا من قدرتها على النمو والمنافسة.

كذلك فإن تخطيط التعليم في مصر يجب أن ينطلق من نظرة إقليمية، وليس فقط لأغراض تلبية احتياجات السوق المحلية. المنطقة العربية في حاجة إلى علماء ومهندسين وأطباء ومعلمين على درجة عالية من الكفاءة لتلبية احتياجات التنمية الإقليمية، وفي ذلك فإن مصر تستطيع أن تقدم الكثير، وألا تكتفي بتقديم العمالة الرخيصة غير الماهرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية