لندن – “القدس العربي”: تضاعفت صرخات المدربين من ازدحام جدول المباريات في الآونة الأخيرة، خوفا ورعبا من العواقب الوخيمة المنتظرة، جراء المقامرة باللاعبين، بخوض مباراة كل 48 ساعة، ما أسفر في الأسابيع الأولى عن هذا الكم المرعب من انتكاسات الملاعب، خاصة الإصابات العضلية الناجمة عن التعب والإرهاق، فيما اعتبرته شبكة “بي بي سي”، نقلا عن موقع إصابات البريميرليغ، رقما قياسيا، مع توقعات بارتفاع الأعداد لمستويات غير مسبوقة، إذا لم تحدث انفراجة في المستقبل القريب، بتخفيف ضغط المباريات على اللاعبين، حفاظا على سلامة الأغلبية منهم حتى نهاية الموسم الطويل، الذي سيتلاحم مع الموسم الجديد، بسبب البطولات الكبرى المؤجلة من الصيف الماضي.
تحذيرات بلا جدوى
كان ولا يزال مدرب ريال مدريد زين الدين زيدان، في طليعة المعترضين على ما يحدث مع اللاعبين، ليس فقط هذا الموسم، لكن منذ استئناف النشاط في يونيو/حزيران الماضي بعد توقف كورونا الطويل، لتضرره الشديد من ضغط جدول المباريات، بخسارة الكثير من ركائزه الأساسية، إما بداعي إصابات الملاعب أو للتعرض لفيروس كورونا، بدأت بالبلجيكي إيدين هازارد، الذي ابتعد عن الأسابيع الأولى، وتبعته كتيبة شملت الظهيرين داني كاربخال وألفارو أودريوزولا، وبديل الطوارئ ناتشو، ومؤخرا انضم إلى العيادة كريم بنزيما وفيديريكو فالفيردي والقائد سيرخيو راموس، الذي أصيب أثناء مشاركته في الفوز التاريخي لإسبانيا بالستة على ألمانيا، فضلا عن كارثة تجدد إصابة هازاد على مستوى الفخذ، لهذا أعرب المدرب عن قلقه الشديد من توابع استنزاف اللاعبين، بالجدول المضغوط، الذي يُلزم على خوض 3 مباريات كل 7 أيام وأحيانا 6 أيام، بخلاف كابوس عطلة الفيفا، الذي زاد الطين بلة في النصف الأول، بالمساهمة في ارتفاع عدد إصابات الملاعب وكورونا. وهذا كان رأي مدرب ليفربول يورغن كلوب، الذي لم يُخف قلقه وانزعاجه من روزنامة المباريات، حتى أنه بعد الفوز على ليستر بالثلاثة، أبدى استغرابه من الإصرار على ضغط المباريات بهذه الطريقة، متوقعا زيادة في قاعدة بيانات الإصابات، تزامنا مع ظهور آخر تحديث رسمي حول أعداد المصابين في الدوري الإنكليزي، والذي كشف عن كارثة تلوح في الأفق، بارتفاع العدد إلى 133 إصابة عضلية فقط في أول تسع جولات، بزيادة 23% عن نفس الفترة الموسم الماضي.
الطريف، أن المدرب الألماني سخر من وضع الجدول وإصرار المسؤولين على ضغطه بهذه الطريقة، قائلا: “إذا استمر الوضع كما هو عليه، سيكافح فريقي لإنهاء الموسم بـ11 لاعبا”، بينما أعرب الفيلسوف بيب غوارديولا، عن إحباطه الشديد لما وصفه في سبتمبر/أيلول بـ”إهمال رفاهية اللاعبين”، معتقدا أن الأندية والاتحادات في كل البلدان، لا يهتمون باللاعبين، والأمر ذاته لمدرب مانشستر يونايتد أولي غونار سولشاير، الذي لا يتوقف عن الشكوى من ضغط المباريات. أما مدرب توتنهام جوزيه مورينيو، فيرى أن جدول مباريات فريقه عبارة عن “مزحة”، وكان مدرب برشلونة رونالد كومان، آخر المنضمين لقائمة الغاضبين، بعد الكم الهائل من الإصابات التي لحقت بلاعبيه، بداية بالموهوب الصغير أنسو فاتي، الذي تأكد غيابه حتى أواخر فصل الشتاء، بعد خضوعه لجراحة، وسار على نهجه، قائد الدفاع جيرار بيكيه، بتأكد غيابه لفترة طويلة، مثل سيرجي روبرتو، الذي خرج من حسابات المدرب لبداية العام الجديد على أقل تقدير، حيث قال: “التقويم الحالي للمباريات أمر مستحيل، انه جنون، يجب أن يفكر اليويفا والفيفا في ذلك والمجهود الصعب الذي يبذله اللاعبون”.
أسباب الظاهرة والتوقعات
يقول طبيب آرسنال ومنتخب إنكلترا السابق غاري لوين، إن عدم وجود فاصل حقيقي بين الموسم الماضي والحالي، والجدول المزدحم، هما السببان الرئيسيان وراء الارتفاع الجنوني في معدل الانتكاسات، مضيفا: “إذا لم يحصل اللاعب على الاستشفاء الكامل بعد كل مباراة، فهذا يعجل بتعرضه للتعب والإجهاد، وسترتفع إصابات العضلات، لأن عدم إراحة العضلات المتعبة مع التحامل عليها مرة أخرى، يتسبب في تمزيقها”، وهو تقريبا ما أشار إليه عالم الرياضة في جامعة جينا في ألمانيا دكتور جويل ماسون، محذرا من مخاطر لعب مباراة كل 48 ساعة، في حين أنه من الطبيعي “يحتاج اللاعب 72 ساعة للتعافي بعد كل مباراة”، ما يفسر القفزات المرعبة في معدل إصابات اللاعبين، وفقا لتصريحاته، التي ختمها برسالة محبطة للمدربين، بأنه بعد انتهاء مرحلة الإصابات العضلية، ستبدأ رحلة المعاناة مع مشاكل أوتار الركبة، نتيجة للتضحيات التي تقوم بها الأندية، بتقليل التمارين الجماعية وتدريبات اللياقة البدنية بوجه عام، لإعطاء الأولوية لكرة القدم، ما ينذر باستمرار ارتفاع الإصابات، مع بدء واحدة من أكثر فترات الموسم ازدحاما، حيث لن تكون هناك عطلة شتوية حقيقية كما جرت العادة في المواسم الماضية، لتصحيح ما حدث الموسم الماضي، الذي انتهى متأخرا بسبب جائحة كورونا، وبالتبعية تسببت في تأخر انطلاق موسم 2020-2021، والذي سيكون أقصر بخمسة أسابيع من المواسم الطبيعية، لإنقاذ بطولة الأمم الأوروبية، التي أعيد جدولتها بدءا من 11 من يونيو/حزيران المقبل.
ظاهرة الأهداف
هناك ظاهرة أخرى مرتبطة بشكل أو بآخر بارتفاع معدل إصابات اللاعبين، وهي القفزة الغريبة في معدل تسجيل الأهداف، مقارنة بالوضع قبل توقف كورونا، فيما تعرف بظاهرة “ضعف الخطوط الدفاعية للأندية”، بما فيهم بطل دوري أبطال أوروبا، بايرن ميونيخ، وهو الفريق الذي يملك على الأقل واحدا من أفضل مدافعي العالم في الوقت الراهن جوشوا كيميتش، ويظهر ذلك بوضوح، في الهشاشة الواضحة في عمق الدفاع، والتي تسببت في استقبال الشباك لـ32 هدفا الموسم الماضي، بجانب 13 هدفا في 13 مباراة منذ بداية الموسم الجديد، منهم 4 مباريات فقط خرج منها بشباك نظيفة شالكه وأرمينيا بيليفيلد على مستوى البوندسليغا، وأتلتيكو مدريد في دوري الأبطال، والمنافس المتواضع دورين في الكأس المحلية، في حين، كان معدل استقبال الأهداف لا يزيد على 20 طوال الموسم، قبل متغيرات الجائحة. وبالمثل، وصيف دوري الأبطال باريس سان جيرمان، هو الآن تأثر كثيرا برحيل قائده تياغو سيلفا، الذي بدوره أعاد الكثير من الاتزان لدفاع تشلسي مع فرانك لامبارد، ونفس الصداع يعاني منه كبار البريميرليغ، في مقدمتهم مانشستر يونايتد وغريمه في المدينة السيتي، رغم الإنفاق الهائل لكلا الفريقين على الخط الخلفي، على غرار ما فعله اليونايتد بضخ أكثر من 130 مليون جنيه إسترليني لضم أغلى مدافع في العالم هاري ماغواير والظهير الأيمن لكريستال بالاس بيساكا، كذلك غوارديولا واصل الصرف بنفس المبلغ، لشراء دياز، على أمل أن يشكل ثنائية قوية بجانب لابورت، لكن حتى الآن، ما زال خط الدفاع يسبب صداعا لبيب وسولشاير، حتى يورغن كلوب، تآكلت قوته الدفاعية بعد صدمة فيرجيل فان دايك، ما تسبب في عودة شكل ليفربول الذي كان عليه قبل وصول الصخرة الهولندية، بامتلاك خط هجوم فتاك ودفاع يسهل اختراقه، كما تظهر المؤشرات الأولية بعد السقوط المفاجئ أمام أتالانتا في دوري الأبطال.
نفس الأمر ينطبق على ريال مدريد، هو أيضا يعاني الأمرين في جُل المباريات التي يخوضها بدون قائده راموس، وهذا الأمر اعترف به المدرب الفرنسي، وتعهد بحل الثغرة في المستقبل القريب، كذلك خصمه اللدود برشلونة، يعيش مأساة حقيقية على مستوى الدفاع، ليس فقط بسبب إصابة بيكيه وروبرتو، بل لحاجة الفريق لدماء جديدة وقلب دفاع من الطراز العالمي منذ فترة، يبقى فقط الاستثناء الوحيد في أوروبا، أتلتيكو مدريد، الذي لم تتأثر صلابته الدفاعية طوال حقبة التشولو سيميوني، رغم قيامه بعملية الإحلال والتبديل 3 مرات، منذ يومه الأول في يناير/كانون الثاني 2011 وحتى هذه اللحظة، وبدرجة أقل، تشلسي في عهد أنطونيو كونتي، أو بالأحرى في موسمه الأول، عندما عذب الإنكليز بطريقته المفضلة 3-4-3 وأحيانا 3-5-2، وهي الطريقة التي حاول استنساخها العديد من مدربي البريميرليغ، منهم سولشاير ولامبارد وبرندان رودجرز وميكيل آرتيتا وديفيد مويز وقبلهم مدرب المنتخب غاريث ساوثغيت، ومع ذلك، لم ينجح أحد في محاكاة نسخة دفاع البلوز مع مدربه الإيطالي السابق، والأمر اللافت كما أشرنا أعلاه، استمرار زيادة معدلات تسجيل الأهداف، بتخطي حاجز الهدفين في كل مباراة، والأعجب، حدوث نتائج كنا نسمع عنها في عصور ما قبل الحداثة.
أسباب الظاهرة
من أكثر الأسباب التي أدت إلى ارتفاع معدل أهداف تسجيل الأهداف، غياب العنصر الجماهيري، الذي كان يشكل ضغطا كبيرا على اللاعبين، ويُجبرهم على التركيز بنسبة أحيانا 100%، لتفادي ارتكاب الأخطاء، أما الآن، فلا يوجد رقيب على اللاعبين، حيث يلعبون بأريحية وبدون ضغوط، أشبه بالمباريات الودية، وهذا يفسر كثرة الأخطاء التي تُرتكب في المباراة، بينما قبل كورونا، كانت مثل هذه الأخطاء موسمية، باستثناء حارس تشلسي كيبا، الذي كان يتفنن بإهدار مجهود زملائه بهفواته العجيبة، وإلا ما قالوا قديما: “الجمهور اللاعب رقم 12″، والبعض يرى أنه رقم 1، كونه المحرك والداعم الرئيسي للاعبين، لحفيزهم وشحن معنوياتهم، للعب بروح قتالية حتى الدقيقة الأخيرة، بجانب ذلك، ندرة المواهب الخام في مركز قلب الدفاع، مع تقدم رموز العقد الماضي في السن، والحديث عن راموس وبيكيه ودييغو غودين وجورجيو كيليني وماتس هوميلز والبقية، وأسباب أخرى، تتعلق بالتطور الملموس في مستوى الأندية الصغيرة والمتوسطة، خاصة على مستوى الهجوم، بحكم الوفرة الهائلة على مستوى المبدعين في الوسط والهجوم، مع التطور الكبير في أفكار وخطط المدربين الهجومية، والتي تأتي عادة على حساب المدافعين والنواحي الدفاعية برمتها. ويرتبط بهذه الظاهرة، ارتفاع معدل الإصابات، التي تُجبر المدربين على تغيير خططهم لما يتناسب مع العناصر المتاحة، وأحيانا الاعتماد على لاعبين في مراكز غير مراكزهم الأصلية، في ظل صعوبة خوض مباراتين أو أكثر بنفس التشكيل، ما يؤثر بشكل سلبي على تماسك وانسجام اللاعبين داخل المستطيل الأخضر، وبالتالي تصبح فرص الأخطاء وتسجيل الأهداف أكثر، عكس اللعب بتشكل أساسي ومتناغم، تكون فرص ارتكاب الأخطاء محدودة للغاية، لهذا، لن تكون مفاجأة، إذا تغيرت المعادلة في الميركاتو الشتوي والصيفي القادمين، بتحول الصراع بين الأندية على المدافعين أكثر من المهاجمين ولاعبي الوسط، لحاجة الريال والبايرن وبرشلونة ويونايتد وباريس وغيرها لمدافعين متميزين، لحل لغز هشاشة الدفاع.