الدوحة ـ”القدس العربي”: أثارت زيارة جاريد كوشنر كبير مستشاري وصهر الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب اهتماماً دولياً واسعاً، خصوصاً في الشارع الأمريكي. وسُربت مصادر مقربة من البيت الأبيض معلومات عن تحقيق اختراق في مسار الأزمة الخليجية، يتجه نحو مصالحة قطرية سعودية، قد تتوسع لدول الحصار الأخرى.
سر الاهتمام بالزيارة التي وصفتها مصادر “الوداع والأخيرة” لكوشنر، ارتبط أساساً بالتحركات التي يقوم بها فريق ترامب الذي يسعى إلى سحب بعض الأوراق من غريمه الرئيس المنتخب جو بايدن، والسعي لتحقيق مكاسب يسجلها في رصيده قبيل مراسيم التسليم.
تتعلق الترتيبات التي حاول البيت الأبيض في الأسابيع الأخيرة من إدارة الرئيس الجمهوري تحقيقها أساساً، بملف إيران النووي، ومسار التطبيع الذي رعاه لتحقيق تقارب بين سلطات الاحتلال وعدد من الدول العربية.
المراقبون والمتابعون لتطورات الأزمة الخليجية لم يعولوا كثيراً على زيارة صهر ترامب الأخيرة للرياض والدوحة، خصوصاً وأن بصماته كانت واضحة وجلية في المواقف التي اتخذتها دول الحصار منذ 2017. وكانت الأنظار مسلطة أكثر نحو الكويت التي بذلت جهوداً طيلة سنوات لتجاوز المأزق الأخطر الذي يهدد البيت الخليجي.
وكانت لكوشنر مساهمة في اتخاذ السعودية والإمارات والبحرين ومصر، قرار محاصرة قطر، ومضي تلك العواصم في مسار الأزمة والتعنت في مواقفها.
وأكد وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون المعلومة، وشدد على أن هذا القرار(الحصار) نوقش في عشاء خاص حضره كوشنر، وكذلك ستيف بانون (مستشار سابق لترامب) وقادة من السعودية والإمارات، وذلك دون حضور تيلرسون الذي كان معارضاً بقوة للخطوة.
وطيلة فترة بقائه في منصبه، كان تيلرسون الصوت النادر في فريق ترامب، الذي دعا علناً إلى التعقل، وتجاوز هذا المطب، ونزع فتيل الأزمة، وهو ما ساهم في إبعاده عن المركب.
ترامب نفسه لم يَظهر في البداية متحمساً لوقف النزاع، وسحب فتيله، بل إن تدوينته التي نشرها بعد إعلان الحصار، اعتبرت يومها تأييدا لموقف أبو ظبي والرياض. وقال فيها “إن قادة الشرق الأوسط يشيرون إلى قطر باعتبارها ممولاً للإيديولوجيا المتطرفة” وهللت لها الدول الأربع وباركتها.
استنتجت لاحقاً إدارة البيت الأبيض المأزق الحاصل، ومطب مسايرة توجهات الإمارات والسعودية، وأرادت العودة إلى نقطة البداية. وأكدت مختلف المؤسسات الأمريكية زيف تلك الادعاءات، وكانت تدرك أن الدوحة هي الحليف الوثيق والموثوق لواشنطن.
وقدم ترامب لاحقاً إشارات متعددة على رغبة إدارته في وقف الأزمة الخليجية. وكانت “فوكس نيوز” نقلت الصيف الماضي أن الرئيس المنهزم، كلّف مسؤولين كبار في إدارته بالإشراف على لقاءات بين الأطراف المتخاصمة قبل الانتخابات الأمريكية، لكن الجهود توقفت بعد فيتو إماراتي.
إشارات إيجابية من قطر
أكدت قطر في مناسبات عدة أنها مع أي مصالحة بين الأشقاء، بالرغم من الآثار السلبية التي تكبدتها بسبب الحصار الذي فُرض عليها من جاراتها.
وطيلة سنوات الأزمة المستمرة، شدد المسؤولون على أعلى مستوى، أنهم منفتحون لأي تفاهمات، لكنهم بالمقابل أكدوا أن ذلك يكون مبنياً على أرضية صلبة، ولا يكون مشروطاً.
وعبرت الدوحة أنها لن تقبل بأي مصالحة تتجاوز سيادتها، وهي إشارة إلى الشروط التي وضعتها دول الحصار، وأعلنها وزراء خارجية الرياض وأبو ظبي والمنامة والقاهرة في اجتماعهم بعد الحصار مباشرة.
وكشفت مصادر في الدوحة أن قطر ترحب بأي حوار غير مشروط يحل المشكلة التي افتعلتها الرياض وأبو ظبي. وشددت المصادر على عبارة “غير مشروط” للتأكيد على سلامة موقفها منذ فُرض عليها حصار شامل منتصف 2017 من قبل أشقائها.
طي صفحة الماضي
وتؤكد مصادر تواصلت مع “القدس العربي” أن قطر تمضي قدماً منذ بداية الأزمة في توسيع علاقاتها الاستراتيجية مع حلفاء إقليميين ودوليين، ولا تعول كثيراً على العودة إلى الوراء.
وجدد المسؤولون القطريون في عدد من المناسبات التأكيد على انفتاحهم على مسعى للمصالحة والحوار، طالما لم يكن مشروطاً، أو مبنياً على تقديم تنازلات. وتشدد الدوحة في خطاباتها أنها لا تقبل بأي مسار يتجاوز سيادتها، وهي إشارة إلى الشروط الـ13 التي أعلنها وزراء خارجية دول الحصار من القاهرة، وتأكيدهم أنهم لن يلغوا الحصار ما لم تستجب قطر.
وتنفي قطر كل المزاعم التي رددها مسؤولو الرياض وأبو ظبي والمنامة والقاهرة، وتقول أنها اتهامات غير مسنودة.
وتشدد المصادر القطرية على ضرورة تجاوز الماضي، لكن من دون التنازل عن سيادتها، وهو ما عبر عنه الدكتور حمد عبد العزيز الكواري وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية على صفحته الموثقة في موقع “تويتر”: “يتحدثون عن حل الأزمة الخليجية، هذه أزمة فبركوها، لمحاصرة بلادنا، فوضعوا شروطاً سريالية، وأدخلوا المنطقة في متاهة، وتحالفوا مع الشيطان”. وأضاف: “قطر صمدت بكرامة، وهي لا تستجدي الحل على حساب سيادتها ومواقفها المشرفة، نريد الحل ولكن حل الأزمة ليس هدفاً في حد ذاته”.
الوساطة الكويتية والعمانية
تشير عدد من المصادر إلى أن قطر أكدت لمبعوث ترامب أنها مستعدة لأي حوار، لكنها في المقابل شددت على أن أي تتويج للمسار لابد أن يُعزى لمن بذل جهده طيلة الأزمة لحلها، وليس من أشعل فتيلها.
ويشير ذلك إلى تثمين الجهود التي بذلتها الكويت بمتابعة مباشرة من أميرها الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، ومن بعده سلفه في الحكم. وكذلك الدور العماني الذي قاده السلطان الراحل قابوس بن سعيد وخليفته هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد.
وهو ما عبر عنه الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الذي ثمن البيان الذي أصدره وزير الخارجية الكويتي.
واعتبرت قطر على لسان وزير خارجيتها “الخطوة مهمة، نحو حل الأزمة الخليجية”. حيث شدد على جهود الكويت ودور الوساطة الذي تقوم به منذ بداية الأزمة، مؤكداً أن الأولوية كانت وستظل مصلحة وأمن شعوب الخليج والمنطقة.
هل تفسد أبو ظبي الطبخة؟
اتجهت الأنظار مباشرة بعد البيان الكويتي الذي كان تتويجاً للمبادرات السابقة، نحو إشارات أبو ظبي، وحاكمها الفعلي الشيخ محمد بن زايد، والتأكد هل سيفسد الطبخة مثل المرات السابقة، أم لديه نية حقيقية للمضي في مسار المصالحة؟
وكانت الإمارات عطلت قبل أشهر، اتفاقًا خليجيًا بوساطة أمريكية لإنهاء الأزمة الخليجية مع قطر.
حيث أن واشنطن كثفت الصائفة الماضية جهود وساطتها، واتخذت المناقشات طابعًا إيجابيًّا، وأعربت السعودية عن استعدادها لقبول عناصر الحل الذي عرضته الحكومة الأمريكية.
لكن بعد سلسلة من المناقشات رفيعة المستوى بين كبار القادة من قطر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، كان يبدو أن هناك اتفاقًا لإنهاء الحصار قد تم التوصل إليه خلال أيام. لكن فجأة تلاشى كل شيء بعدما غيرت الإمارات نهجها في اللحظة الأخيرة، وطلبت من السعودية أن ترفض المقترح الذي تقدمت به الولايات المتحدة.
التأجيل الناجم عن تصرفات الإمارات منع إدارة ترامب قبيل الانتخابات الرئاسية من تحقيق انتصار سياسي خارجي حاسم وصعب في الشرق الأوسط، في سبيل تعزيز مواقع الولايات المتحدة ضد إيران.
ويجمع مراقبون على أن دولة الإمارات شكلت حجر الزاوية في إشعال فتيل الأزمة الخليجية وتصعيدها على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، وسعت لإفشال جهود التوصل إلى حل لها. وإلى وقت قريب كانت الإمارات تعمل بكل قوة على تخريب جهود حل الأزمة الخليجية.
الفرصة الأخيرة
يجمع المتابعون للشأن الخليجي، أن التحركات الأخيرة التي تقودها إدارة ترمب بالتنسيق مع الكويت وسلطنة عمان، ستكون الفرصة الأخيرة لواشنطن لوضع حد للأزمة، قبيل تسليم المشعل للرئيس الفائز جو بايدن. ويترقب الجميع ما يصدر من أبو ظبي والرياض، ومن بعدهما ستنحو المنامة والقاهرة الوجهة نفسها.
وتوصف الخطوة أنها الأخيرة في زمن عهدة الرئيس المنهزم دونالد ترامب، في انتظار توجهات الرئيس الفائز جو بايدن.