ترامب في متاهته الأخيرة: زرع الفوضى وإضعاف الديمقراطية والحلم الواهن بالعودة إلى البيت الأبيض

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

من الباكر الحديث عن نهاية حقبة دونالد ترامب لأنه لا يزال يسيطر على الحزب الجمهوري وأكثر شخصية فيه تحظى بشعبية وسيواصل لعب دور في سياسة الحزب خلال الأعوام المقبلة، ومن ضمن ذلك ما رشح من معلومات أنه يريد تنظيم حفلة موازية لحفلة تنصيب الرئيس المنتخب جوزيف بايدن في 20 كانون الثاني/يناير ويعلن عن ترشيح نفسه للحملة الانتخابية في 2024 وهو أمر وصفته ابنة أخية ماري ال ترامب بمقابلة مع مجلة “فانيتي فير”(2/12/2020) بالمضحك. ودعت إلى محاكمته وأولاده على ما أحدثوه من ضرر على النفسية الأمريكية. فترامب لم يعترف بعد بهزيمته ويواصل حملاته القانونية لتغيير نتيجة الانتخاب مع أنه يعرف أن مصيره قد انتهى خاصة بعدما سمح بالعملية الانتقالية ومنح الرئيس المنتخب وطاقمه الفرصة للحصول على الدعم الفدرالي لنقل السلطة إلى إدارة ديمقراطية. ويعرف ترامب أن أيامه في السلطة باتت معدودة ولكنه يحاول إحداث أكبر ضرر لعرقلة مهمة الإدارة المقبلة لفتح صفحة جديدة مع الشعب الأمريكي الذي أثار النعرات العنصرية الكامنة لدى أقلية منه ضد أمريكا متحولة ومتنوعة من جهة وتصحيح مسار العلاقة مع العالم وإعادة بناء التحالفات التي عملت أمريكا على بنائها بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ونشأ منها النظام الدولي.

تقويض الديمقراطية

 وفي داخل أمريكا لا يكف المعلقون الحديث عن الأضرار التي أحدثها ترامب على النظام الديمقراطي وتشكيكه بنزاهة العملية الانتخابية وتهديده المسؤولين المحليين الذين يديرون العملية الانتخابية بطريقة توافقية، حيث بدأ بعضهم بتلقي التهديدات بالموت لأنه سمح بـ “سرقة الانتخابات”. ورغم رفض القضاة الجمهوريون الإذعان لمطالب ورغبات ترامب بتغيير نتيجة الانتخابات وفضلوا اتباع القانون إلا أن محاولاته كشفت عن ضعف المؤسسات الديمقراطية التي سمحت للرئيس بممارسة سلطة أوسع من الرئيس المنتخب. وبدا هذا في قائمة العفو التي أصدرها عن رجاله خاصة مايكل فلين، مستشاره الأول للأمن القومي، رغم اعتراف هذا بجرمه وتواصله مع الروس. وتفكيره كما أوردت صحيفة “نيويورك تايمز” بالعفو عن نفسه وأبنائه والمقربين منه. ويرى فريد زكريا في “واشنطن بوست” (3/12/2020) أن هجمات ترامب المتكررة على الديمقراطية وبطرق عدة كشفت عن الحاجة لتقويتها بحيث تصمد أمام أي سياسي يشبه ترامب أو هو نفسه بعد أربعة أعوام. وبحسب ألكسندر كيرشنر وكلوديا لوبيز كوريرا بمقال نشرته صحيفة “الغارديان” (4/12/2020) فمناورات ترامب بمرحلة ما بعد الانتخابات هزت ثقة وإيمان الأمريكيين بالديمقراطية. ومن هنا يجب منعه ودستوريا من الترشح مرة ثانية للانتخابات لأن من يحاولون تقويض الديمقراطية وأظهروا نزعات مستبدة يجب نزع الأهلية عنهم لتولي المركز مرة ثانية، أسوة في فرنسا التي تمنع المواطن الفرنسي الذي يحاول التقليل من العملية الانتخابية من حق استخدام السلطة لعدة سنوات.

البحث عن المال

والسؤال المطروح وبعيدا عن خطط ترامب في الرئاسة مرتبط بما سيفعله بعد خروجه من البيت الأبيض، وبات هذا الخروج محتوما؟ وقد ناقش المعلقون الأمريكيون هذا الأمر كثيرا وضرورة منح بايدن الأولوية لمواجهة تداعيات فيروس كورونا الذي كان سبب هزيمة ترامب والرغبة بعودة الحياة إلى طبيعتها، والمهم في الأمر أن ترامب وأولاده بعد فقدانهم السلطة لن يصبحوا مهمين وسيفقدون الحماية من المصارف الكبرى التي سترفض ضمان ترامب كما في الماضي. وسيواجهون ملاحقات قضائية ستظهر ملامحها لاحقا، وبتصرفات ترامب الفظيعة في مرحلة ما بعد الانتخابات فقد جعل من محاسبته أمرا ضروريا، وكيف ستتم محاسبته أو جره للمحاكم يترك لوقته، لكن الرئيس في لحظاته الأخيرة يحاول أن يعمل ما لم يعمله رئيس من قبل وهو عقد صفقات بالملايين مع الحكومات والشركات الأجنبية لدعم تجارته الخاصة. وبحسب موقع “بوليتكو” (1/12/2020) فإن شركة ترامب للعقارات تخطط استئناف مشاريعها، ربما في مجال الفنادق الراقية في وقت تعاني فيه من تشوه للماركة في داخل الولايات المتحدة وحاجتها لدفع مئات الملايين من الدولارات للمقرضين. وقال المسؤولون في الشركة إنهم سينظرون إلى مشاريع في الهند ويعيدون النظر في المشاريع التي بدأوا فيها بالصين وتركيا والبرازيل وكولومبيا قبل دخول ترامب البيت الأبيض. وتعرضت الترتيبات للانتقاد باعتبارها محاولة للحصول على مقابل جراء السياسات التي قام بها ترامب أثناء فترة حكمه ودعم فيها حكومات أجنبية. وتعرض عدد من الرؤساء السابقين لانتقادات مماثلة من خلال الخطابات العالية الأجر والعقود المالية الضخمة لكتابة كتب وجمع الملايين من التبرعات الأجنبية لبناء مكتبات تذكارية باسمهم. وكان بيل كلينتون عرضة للنقد لجمعه ملايين الدولارات لجمعية العائلة الدولية. لكن عودة ترامب إلى مجال الصفقات التجارية في الخارج يطرح أسئلة أخلاقية لم تواجه أي رئيس سابق. فشركته أو منظمة ترامب هي مؤسسة واسعة وتضم 500 شركة أخرى بما فيها فنادق ومنتجعات ونوادي غولف حول العالم. ولأنها ليست جمعية خيرية أو شركة مساهمة محدودة فماليتها غير معروفة. وأكثر من هذا فهو مضطر لأن يبحث عن تمويل في الخارج لأن قلة من الشركات المالية الأمريكية مستعدة لإقراضه. وكان قرار ترامب الحفاظ على علاقته مع شركته رغم تنازله عن الإدارة اليومية لأولاده مدعاة للحديث عن تضارب للمصالح. واستطاع ترامب التهرب من أية محاسبة للكونغرس له بشكل وصف بأنه إساءة استخدام السلطة ثم رفض الكشف عن سجله الضريبي.

كوشنر والعلاقات الشخصية

وهذا يقودنا إلى علاقة ترامب بالشرق الأوسط وجولة صهره ومستشاره جاريد كوشنر في المنطقة فيما أطلق عليها محاولة أخيرة لحل الأزمة الخليجية-الخليجية، لكن صحيفة “واشنطن بوست” (3.12/2020) تساءلت عن المنافع الشخصية التي سيجنيها كوشنر من آخر رحلة رسمية له إلى المنطقة. وقالت إن كوشنر لن يكون قادرا على حل الأزمة الخليجية في رحلة عاجلة، مضيفا إلى سجل إنجازات ترامب في المنطقة انتصارا جديدا. ولكنه سيحافظ على علاقاته مع قادة دول الخليج، خاصة ولي العهد السعودي الذي كانت علاقته معه محلا للتدقيق والنظر. وفي الوقت الذي ساعد فيه كوشنر على تأمين اتفاقيات تطبيع بين دول عربية وإسرائيلية هذا الخريف إلا أنه فشل في تحقيق اتفاقية بين إسرائيل والفلسطينيين. وقال أرون ديفيد ميللر من وقفية كارنيغي  إن كوشنر كان واضحا في حديثه معه في الفترة ما بين 2017 و 2018 أنه وترامب يريدان “تطوير علاقات شخصية واستراتيجية مع السعوديين والإماراتيين”. وقال ميللر الذي عمل في الخارجية الأمريكية سابقا “أضمن لك أنها ليست الرحلة الأخيرة التي يقوم بها إلى السعودية”. وقال “هذه علاقات مهمة جدا لو كنت مهتما بالمال وأن تظل مهما للعلاقات العربية-الإسرائيلية وأعتقد أنه مهتم”. وقال المحلل السابق في “سي آي إيه” والزميل في معهد بروكينغز بروس ريدل “أجد من الصعوبة التصديق أن هذه الرحلة هي عن قطر فقط” و “أشك أن هناك أسبابا أخرى، فعلاقة عائلة ترامب ومحمد بن سلمان ستظل حتى بعد 21 كانون الثاني/يناير ويتطلعون لتقويتها”. وقبل انضمامه للإدارة كان لكوشنر حصة في شركة عائلته العقارية. وقال مصدر “العلاقة التي بنوها مع أشخاص مثل محمد بن سلمان؟ لا تقلل منهماـ وسيواصلون ما بنوه ويسافرون ويصبحون جزءا من هذا المشروع الدولي”. وفي تقرير لمجلة “بوليتكو” يقول “لن ترضي تجارة عقارات العائلة رغبة كوشنر”. واحتفظ كوشنر بأسهم وملكية جزئية من شركة العقارات التي تملكها العائلة بالإضافة إلى الموارد التي كانت تدرها أعماله عليه وهو يعمل مع الرئيس. وفي الوقت الذي كان يقوم فيه كوشنر بلقاءات مع دول مثل السعودية والصين كانت العائلة تبحث عن فرص استثمارات في مجال العقارات. وفي 2017 كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن شقيقة جاريد، نيكول ماير عرضت مشروعا بقيمة 150 مليون دولار لتمويل مركز تطوير سكني في نيوجيرسي على 100 مستثمر صيني اجتمعوا في فندق ريتز-كارلتون في بيجين. وهو ما فتح الباب أمام انتقاد وتهم بتضارب مصالح، فهو وإن تخلى عن الإدارة اليومية لأعماله إلا أن الترتيبات أثارت انتقاد خبراء النزاهة الحكومية.

مزاج جديد أمام السعوديين

وبالنسبة للسعوديين فتغير الحرس في واشنطن سيضعهم أمام حقيقة جديدة وإمكانية إعادة ترتيب العلاقة مع واشنطن وتحولها لمنبوذة كما قال بايدن، عندما كتب في ذكرى مقتل جمال خاشقجي الثانية. كما وسيعيد بايدن ملف العلاقة مع إيران. ففي مقابلة مع توماس فريدمان من “نيويورك تايمز” أكد بايدن التزامه بالعودة إلى الإتفاقية النووية ووقف العقوبات التي فرضها ترامب على إيران. وقال ريدل إن السعوديين الذين رحبوا بإلغاء ترامب الاتفاقية النووية سيواجهون “برودة حقيقية بين الولايات المتحدة ومحمد بن سلمان وستكون شبه مجمدة” بعد مغادرة ترامب المكتب. ويضيف “نستطيع الحصول على نفط بسعر 45 دولارا للبرميل، ومن يحتاج السعودية؟ خاصة رئيس التغيرات المناخية، سيحتاجهم أقل”. وهناك إشارات أن محمد بن سلمان يتطلع لمرحلة ما بعد ترامب حيث تردد في التطبيع مع إسرائيل بعد لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحضور مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي. و”تراجع محمد بن سلمان عن الصفقة حسب مستشارين سعوديين ومسؤولين أمريكيين بسبب نتائج الانتخابات الأمريكية” حسبما أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال”. وعلى العموم تركت إدارة ترامب بصماتها على الشرق الأوسط، فالرئيس جاء بشعار من يريد إنهاء الحروب اللانهائية سيترك منطقة على حافة الحرب، بل وطلب الشهر الماضي من مستشاريه منحه خيارات ضد إيران وبرنامجها النووي. وهناك من يرى أن ترامب هو من أعطى الضوء الأخضر لقتل عالم الذرة الإيراني محسن فخري زاده في 27 تشرين الثاني/نوفمبر. وكشف موقع “ديلي بيست” )1/12/2020) أن ترامب فوض وزير خارجيته مايك بومبيو باستخدام كل ما لديه من وسائل للضغط على إيران طالما تجنب إشعال حرب عالمية ثالثة. وعبر لمساعديه كما قالت صحيفة “واشنطن بوست” (3/12/2020) عن استعداده لضرب إيران حالة قتلت أمريكيين في العراق. وقرر تخفيض طاقم العاملين في السفارة الأمريكية وتخفيض عدد القوات العاملة في العراق إلى 2.500 بحلول 15 كانون الثاني/يناير. ونفس الأمر فعله في أفغانستان والصومال التي أعلن عن سحب القوات منها. ومن المتوقع تشديد الضغط على حلفاء إيران في اليمن، وتصنيف الحركة الحوثية كجماعة إرهابية أجنبية، رغم مناشدة الأمم المتحدة وجماعات الإغاثة الإنسانية لوزير الخارجية بومبيو وتحذيره من مفاقمة الكارثة الإنسانية، خاصة أن الكثافة السكانية العالية موجودة بالمناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. قيل الكثير خلال السنوات الماضية عن حب ترامب للديكتاتوريين الذين أطلق لهم العنان، حمى محمد بن سلمان في جريمة قتل خاشقجي وتغاضى عن دور الإمارات العربية المتحدة في حروب المنطقة الأهلية وترك ديكتاتوره “المفضل” عبد الفتاح السيسي يقمع الحريات ويسجن دعاة حقوق الإنسان. ودعم الاستيطان الإسرائيلي وصادق على احتلالها للقدس الشرقية والجولان. والمهم أن سجله الآن سيكون أمام التاريخ والمحللين وبالتأكيد فلن يكون معه رحيما، حيث ظل يمارس لعبة الغولف المفضلة له ومئات الألوف من الأمريكيين يصابون بفيروس كورونا ويموتون منه. والداهية هي أن ترامب يجمع الأموال الآن باسم “سرقة الانتخابات” للجولة المقبلة التي تقول “فايننشال تايمز” (5/12/2020) أنها ستكون تحضيرا لعام 2024 بطريقة ستقطع الطريق على الموالين له لترشيح أنفسهم مثل نيكي هيلي، السفيرة السابقة في الأمم المتحدة وبومبيو، وزير الخارجية الحالي. وقالت إن حملته جمعت 207 مليون دولار منذ انتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر. في وقت واصل فيه استغلال المظالم ونشر نظريات مؤامرة عن دور الرئيس الفنزويلي الميت هوغو تشافيز في تزوير الانتخابات الأمريكية. وقالت إن “خزينة الحرب” هذه ستساعده على تضخيم صوته على منصات التواصل الاجتماعي لنشر التضليل والحملات الزائفة، وتعطيه في الوقت نفسه صوتا مؤثرا في ترشيحات الحزب الجمهوري. وسيظل ترامب يعترف حتى النهاية بأنه لم يهزم، فهذه صفة النرجسي، وسيظل محاميه رودي جولياني الذي باع تاريخه كعمدة نيويورك يدافع عنه ويحاول تقديم أدلة عن تزوير في الانتخابات. وسواء نجح ترامب في العودة للحلبة السياسية بعد أربعة أعوام رهن بالتغيرات السياسية، واستمرار الانقسام الأمريكي الذي استغله وحرك ناره، وقدرته على المواصلة، فالعمر له أحكام، ومثلما استهزأ بجوزيف بايدن لأن عمره 78 عاما ووصفه بالكسول والغافي سيواجه نفس النقد. وفي السياسة كما قال رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون “أسبوع هو وقت طويل في السياسة” فما بالك بسنوات. وقلة خسروا السلطة وعادوا إليها، وعادة ما يعودون على ظهر الدبابة، وقد يكون ترامب فكر بعمل كهذا، لكنه يظل “كلبا ينبح ولا يعض”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية