القاهرة ـ ‘القدس العربي’: أصدرت دار العين كتابا جديدا للصحافي والكاتب فاروق القاضي. يتناول الكتاب التطور التاريخي لمفهوم العلمانية وأبعاده ويبدأ كتابه بقولة تاريخية لميرابو يقول فيها: ‘لم آت للتبشير بالتسامح. الحرية الدينية، غير المحدودة هي في نظري أكثر قداسة مــــن كلمة تسامح التي تبدو لي نوعا من الطغيان ذاته’. يتناول الكاتب الوضع المصري منذ دولة محمد علي مرورا بفترة ازدهار الليبرالية المصرية حتى منتصف القرن العشرين. ويقول القاضي في مقدمته:
وسط ظلام الليل الدامس تهفو النفوس لضوء النهار الساطع، في وهدة الانحطاط ترنو القلوب لزمان المجد الضائع، لهذا ليس بمستغرب أن أجد نفسي، في باكورة القرن الحادي والعشرين، أعود بذاكرتي إلى فجر القرن التاسع عشر، عصر محمد علي، عصر نهضتنا الحديثة، في ظل دولة مدنية نشرت التعليم المدني إلى جوار التعليم الديني الذي كان منفردا بالساحة. وأكاد أقول دولة علمانية، مع أن محمد علي باشا كان والي مصر باسم خليفة المسلمين في الآستانة. فالتاريخ خير شاهد على سعي مصر الدائم للخلاص من هذه الخلافة، لا لمصر وحدها بل للأمة العربية كلها. ذهب طوسون بن محمد علي لتحرير الجزيرة العربية (أكتوبر 1811)، وتوجه إبراهيم باشا لتحرير بلاد الشام حتى أوقع الهزيمة النهائية بالجيوش العثمانية على بعد خمسين فرسخا من الآستانة (فبراير 1833). وفي إبريل مايو من نفس العام تم توقيع ‘اتفاقية كوتاهيه’ التي تخلى فيها السلطان لمحمد علي عن إقليم ‘أدنة’ وسورية، مع تثبيته على مصر وجزيرة كريت والحجاز، مقابل جلاء الجيش المصري عن الأناضول. استنشق الشعب العربي في سورية نسيم الحرية، إذ أشاد كرد علي بك، رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق، بتقدم الحكم المصري وعدالته ‘ومعاملته الرعايا بالمساواة والعدل. لا تفاوت في طبقاتهم ومذاهبهم….’ أما الأديب السوري سليمان بك أبو عز الدين فقد قال في كتابه ‘إبراهيم باشا في سورية’: ‘من التغييرات الاجتماعية التي نشأت عن حكم محمد علي في سورية إطلاق الحرية الدينية’. لسنا هنا في مجال التعرض لموقف إنجلترا الاستعمارية العجوز ومخاوفها من خطر الدولة المصرية الفتية، خاصة بعد معركة نصيبين (يونيو 1839) وتسليم فوزي باشا، قائد الأسطول التركي، بوارجه وفرقاطاته لمصر فالمهم هو قيام لورد بالمرستون بتحريك روسيا وبروسيا مع تركيا ضد مصر، مما أدى لعقد معاهدة لندن (يوليو 1840) التي ألزمت محمد علي بالانسحاب إلى حدود مصر الحالية، على أن يكون له حكمها هو والأكبر من أفراد أسرة محمد علي من بعده.
بقي محمد علي في مصر وبقي حكم مصر مدنيا. أشرف على نشر التعليم المدني في مصر أساتذة كانوا في بادئ الأمر قساوسة وأجانب. فتحت المدارس أبوابها للمسيحيين وللمسلمين على قدم المساواة، كما حوت كشوف البعثات للدراسات العليا في الخارج، أسماء تنتمي لجميع الطوائف، بما فيها الأرمن.
ويعود المؤلف إلى نصوص دستور 1923 قائلا:
هذا وجاء في المادة الأولى من دستور 1923، إثر ثورة 1919 التي تعانق فيها الصليب مع الهلال، أن مصر دولة مستقلة، ذات سيادة، حكومتها ملكية وشكلها نيابي. ونصّت مادته الثالثة على أن المصريين لدى القانون سواء، لا تمييز بينهم بسبب الأصل أو اللغة أو الدين. لهم حق تولي المناصب، مع ضمان حرية الرأي وحرية العقيدة. ونصت المادة 12 على أن حرية العقيدة مطلقة. ولم يرد أي ذكر لدين الدولة إلا من قبيل الأحكام العامة في الباب السادس، المادة 149، التي نصت على أن ‘الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية’. رغم هذا وطيلة 29 عاما، حتى قيام ثورة 1952، ظلت هذه العبارة لا تحمل غير دلالات بروتوكولية متعلقة بإعلان شهر الصوم، وصلاة رئيس الدولة الجمعة الأخيرة (اليتيمة) من رمضان في مسجد عمرو بن العاص، أو دلالات احتفالية تعطل فيها دواوين الحكومة والمدارس في العيدين وما شابه ذلك من مناسبات دينية. الوزارة الوحيدة ذات الصبغة الدينية كانت وزارة الأوقاف التي قامت لمواجهة مشاكل اجتماعية واقتصادية ناجمة عن كثرة المستفيدين من الأوقاف الأهلية، الذين كانت أعدادهم تتضاعف بمضي الزمن، ولتنظيم إدارة الأوقاف الخيرية. هذا وكان وزراء الأوقاف، بل ووكلاؤها أيضا، مدنيين في أغلب الأحيان. كان أحمد باشا مظلوم هو أول وزير لها في حكومة سعد زغلول الأولى (28 يناير 1924)، ووكيل الوزارة حسن نشأت باشا، حتى الشؤون المتعلقة بالمعاهد الدينية والرؤساء الدينيين كانت من اختصاص الملك حسب المادة 153 من الدستور. وكان لكل عقيدة مجلسها الملي الذي ينظم شؤون رعاياها الخاصة، أما عن الثقافة الإجتماعية للمصريين فيقول فاروق القاضي:
تجسدت ثقافة المصريين السياسية الاجتماعية، في تلك الفترة، في ليبرالية حزب الوفد الديمقراطية، حزب الأغلبية بلا منازع. حتى أُقرّب هذه الحالة للأجيال الحديثة أذكرهم بشعار آبائهم وأجدادهم ‘الوفد دين الحق في الوطنية’، هو أمر تبدََّى بصورة رمزية في قيادته التي تولاها، لسنين عديدة، الزعيم ‘المعبود’ مصطفى النحاس والمجاهد ‘المحسود’ مكرم عبيد. خاض هذا الحزب، معارك النضال لاستكمال استقلال البلاد والحفاظ على سيادتها، رافضا المشاركة في أي أحلاف استعمارية، (9) محاربا بضراوة للحفاظ على دستور الأمة وحقوق الشعب مصدر السلطات ضد أطماع الملكية وأذناب السراي من أحزاب الأقلية وبعض المستقلين، مما أدى إلى أن حزب الأغلبية الساحقة بلا منازع لم يتمكن من الحكم طيلة 29 عاما تقريبا غير قرابة ست سنوات. (10) شارك المصريون، كل المصريين، في النضال من أجل استقلال مصر وسيادة شعبها الذي هو مصدر السلطات، سلاحهم الأعظم ثقافة المواطنة التي يحس كل فرد من خلالها أن له في هذا الوطن ما للآخرين، إن سادوا ساد معهم، وإن غبنوا غبن معهم. مواطنة ساوت بين دافعي ضريبة الدم وضريبة المال مهما اختلفت الأعراق، أو اللغات، أو الديانات، فلا فضل لمسلم على مسيحي إلا بالوطنية، ولكم تنافسوا فيها بكل شرف. حتى عندما خرج مكرم عبيد من الوفد وأسس حزب الكتلة الوفدية بوصفه ‘الوفد مطهرا، والحكم منزها ومحررا، والوطن مصغرا’، لم يخرج معه الأقباط، بل بقوا في حزبهم، حزب الوفد الذي بنوه بدمائهم في ثورة 1919 وضد إسماعيل صدقي في الثلاثينات. وبقوا على العهد حتى آخر انتخابات قبل الثورة (1950)، عندما انتصر مرشح الوفد عبد اللطيف بك محمود (باشا فيما بعد) على جورج مكرم عبيد في دائرة شبرا 2 ذات الغالبية المسيحية.
دساتير ثورة يوليو تؤكد الحق في المواطنة أما عن دساتير ثورة يوليو فيقول القاضي: لئن ساد دستور واحد طيلة 29 عاما تقريبا (باستثناء فترة دستور سنة 1930 القصيرة) فقد توالت على مصر عدة دساتير منذ يوليو 1952 حتى وفاة قائد النهضة الثانية الزعيم جمال عبد الناصر في 1970. نص دستور الفترة الانتقالية (فبراير 1953) على أن المصريين سواء أمام القانون، وأن حرية العقيدة مطلقة. وفي دستور إعلان الجمهورية (يناير 1956)، وكان من 196 مادة، نصت مادته الأولى على أن مصر دولة عربية مستقلة ذات سيادة، هي جمهورية ديمقراطية، والشعب المصري جزء من الأمة العربية. وقد أكد هذا الدستور على المساواة بين كل المواطنين. منح المرأة، لأول مرة، حق الانتخاب وعضوية مجلس الأمة. وفي فبراير 1958 أعلن في القاهرة دستور الجمهورية العربية المتحدة ‘المؤقت’، ثم تلاه التفصيلي في مارس في دمشق والذي نص على أن الدولة العربية المتحدة جمهورية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة، وشعبها جزء من الأمة العربية.(11) ثلاثة دساتير لم تتعرض لدين الدولة الرسمي. لم يكن هذا عدم تقدير لأهمية الدين، فديباجة هذه الدساتير تتحدث عن الأسرة أساس المجتمع ‘قوامها الدين والأخلاق الوطنية’. وإذا تعرضت للاشتراكية كانت تبرز أن ‘الإسلام كان أول دولة اشتراكية… جميع الأديان تنص على العدالة… تنص على الزكاة… وكانت الزكاة والتكافل هما الأساس الأول للاشتراكية.'(12) وجود مادة في الدستور عن دين الدولة لا يعني أنها دولة دينية بقدر ما يعني وضع عقيدة غالبية الشعب في الاعتبار، مما قد يؤدي إلى تمييز مؤسساتها بين المواطنين حسب انتماءاتهم الدينية. إلا أن صدور القانون 462 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملية وإحالة اختصاصها – دعاوى الأحوال الشخصية والوقف- إلى المحاكم الوطنية، أي توحيد القضاء، إنما استهدف خضوع كل المواطنين على اختلاف منابتهم ودياناتهم لقوانين البلاد المرعية ولجهة قضائية واحدة، بصرف النظر عن نوع المسائل التي تتناولها خصوماتهم. وكانت مصر قد ألغت الامتيازات الأجنبية (مايو 1937)، وقامت بإلغاء المحاكم المختلطة (أكتوبر 1949)، حسب اتفاقية مونترو، لكنها أبقت على نظام تعدد جهات القضاء الموروث عن الماضي، ليس فقط بين الديانات بل وبين الطوائف أيضا، الذي أدى إلى الفوضى والإضرار بالمتقاضين، مما اقتضى ضرورة إلغاء هذا النظام، ‘وهو إصلاح حاسم لم يكن محتملا أن تُقدم عليه حكومة غير حكومة الثورة’. وحتى لا يتوقف القارئ كثيرا أمام هذه الإجراءات فإنها لم تمنع من إنشاء إذاعة للقرآن، مجلس أعلى للشؤون الإسلامية، مؤتمر إسلامي، و11 ألف مسجد حسب إحصاء وزارة الأوقاف، الخ، حتى لا يعتبر أحد أن مصير الإيمان مرتبط بمادة تتضمن خطأ دستوريا يميز بين المواطنين الذين يعلن الدستور نفسه أنهم أمامه سواسية، وبخاصة عندما تثبت الممارسة العملية والواقع خلاف هذا.
كان هذا هو حالنا حتى الربع الأخير من القرن الماضي: كتلة وطنية واحدة، مؤمنة مع تنوع العقائد، ليست في حاجة لمبدأ دستوري يزعزع غيابه إيمانها، لأن العقائد التي صمدت لآلاف السنين راسخة في قلوب المؤمنين، إنما تعبر عن علاقة حميمة وبخاصة مع عالم الغيب، ارتاحت إليها النفس، هي أقدس وأجل من مجرد مادة في الدستور، علاقة لا شأن لأحد بها ولا يحق لأي قوة التدخل للتأكد من سلامتها، علاقة رضعوها مع حليب الأمهات، ونموا عليها وسط حنان الأسرة، وأدركوا صدقها من نظام هذا الكون الذي أبدعه خالق، ويسيّره قوي ليس في قوته ولا قدرته شيء.. ‘ليس كمثله شيء’، علاقة هي قبل كل شيء وبعد كل شيء حق من الحقوق الأصيلة للإنسان.