باريس ـ «القاهرة ـ «القدس العربي» ـ وكالات: ؤ رغم الغضب إزاء سجل القاهرة في مجال حقوق الإنسان، رحبت فرنسا، أمس الإثنين، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعرض للخيالة في باريس.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي مع السيسي بعد أن عقد الزعيمان محادثات في قصر الإليزيه، إنه تحدث بصراحة مع السيسي عن حقوق الإنسان بما في ذلك الحالات الفردية.
وأوضح في الوقت نفسه، أن مبيعات الأسلحة الفرنسية لمصر في المستقبل لن تكون مشروطة بتحسين حقوق الإنسان هناك، وعزا ذلك إلى أنه لا يرغب في إضعاف قدرة القاهرة على مكافحة الإرهاب في المنطقة.
وبين عامي 2013 و2017 كانت فرنسا هي المورد الرئيسي للسلاح إلى مصر. لكن تلك العقود لم تتجدد بما يشمل صفقات للحصول على مزيد من مقاتلات رافال وسفن حربية كانت في مراحل متقدمة. ويقول دبلوماسيون إن توقف الأمر متعلق بالأمور المادية على قدر ما هو متعلق برد فعل فرنسا على المخاوف المحيطة بملف حقوق الإنسان.
وتتقدم فرنسا حاليا على الولايات المتحدة في مبيعات الأسلحة لمصر، حيث باعتها ما قيمته 1.4 مليار يورو في عام 2017 حسب صحيفة «لوموند» الفرنسية.
وأعرب ماكرون عن رغبته في التركيز على الحوار مع مصر حول موضوع حقوق الإنسان بدلا من المقاطعة.
سياسة الحوار
وقال «اختلافات في الرأي» نتحدث عنها صراحة، وأضاف: «لن أجعل تعاوننا الدفاعي أو الاقتصادي مرهونا بهذه الاختلافات في الرأي، لأنني أولا أؤمن بسيادة الدول واحترام مصالحنا المشروعة والمتبادلة».
وأضاف أنه يفترض ثانيا أن اتباع سياسة الحوار سيكون أكثر فعالية من سياسة المقاطعة، موضحا أن المقاطعة من شأنها إضعاف فعالية القاهرة في مكافحة الإرهاب. وأكد أنه يؤمن بالحوار المفتوح حول حقوق الإنسان وقضايا أخرى، وقال: «وهذا الحوار المفتوح ممكن أيضا، لأن هناك شراكة استراتيجية بين فرنسا ومصر».
وذكر ماكرون أنه تطرق إلى قضية حقوق الإنسان «بثقة وبكل انفتاح» وقال: «المجتمع المدني الديناميكي والنشط والتكاملي يظل أفضل حصن ضد التطرف». ورحب الرئيس الفرنسي بالإفراج عن ثلاثة نشطاء حقوقيين معروفين في مصر، معتبرا ذلك «علامة على الانفتاح» مضيفا أنه خلال المناقشة المشتركة أتيحت الفرصة لمناقشة حالات أخرى.
وانتقدت حكومة ماكرون مصر في نوفمبر/ تشرين الثاني بسبب اعتقالها أعضاء في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعد لقائهم مع دبلوماسيين كبار في القاهرة وقوبل ذلك بتوبيخ شديد.
وقال السيسي في المؤتمر: «لقد شملت محادثاتنا حواراً معمقاً حول موضوعات حقوق الإنسان والعنصرية والإسلاموفوبيا، وذلك في ضوء ما تشهده القارة الأوروبية ومنطقة الشرق الأوسط من تحديات متصاعدة واضطرابات ونزاعات مسلحة، بما يضع على عاتقنا مسؤولية كبيرة للموازنة بين حفظ الأمن والاستقرار الداخلي من جهة وبين الحفاظ على قيم حقوق الإنسان بمفهومها الشامل من جهة ثانية».
وزاد: «استعرضت في هذا الصدد الجهود المصرية الرامية لمزيد من تعزيز حقوق الإنسان لكافة المواطنين دون تمييز عبر ترسيخ مفهوم المواطنة وتجديد الخطاب الديني وتطبيق حكم القانون على الجميع دون استثناء، بالإضافة إلى تحديث البنية التشريعية، خاصةً إقرار اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي لتسهيل عمل منظمات المجتمع المدني وتعزيز قدراتها التنظيمية والمالية، فضلاً عن إطلاق أول استراتيجية وطنية شاملة لحقوق الإنسان التي يجري إعدادها بمشاركة أطياف المجتمع المدني».
كما أعلن ماكرون عن خطط لمواصلة تعزيز التعاون في مجالي الاقتصاد والدفاع.
وبين أنه على الرغم من إحراز تقدم في تحقيق الاستقرار في ليبيا لكن التهديد من أطراف خارجية لا يزال قائما.
وقُرعت الطبول وعزفت الأبواق بينما رافق الحرس الجمهوري الفرنسي السيسي في وسط العاصمة مرورا بنهر السين وعبر جسر بون ديزانفاليد. واستقبله ماكرون في قصر الإليزيه واضعا كمامة على وجهه.
«خطابات الكراهية»
وشكر ماكرون، السيسي الذي يرئس «بلدا عربيا وإسلاميا مهما جدا» على زيارته لباريس بعد «حملة الكراهية» ضد فرنسا في العالم الاسلامي.
وأكد أن فرنسا ومصر «متحدتان» لبناء «حيز لا مكان فيه لأحكام الموت وخطابات الكراهية عندما يتم ببساطة التعبير عن الحريات».
وكانت فرنسا عرضة في الفترة الأخيرة لدعوات للمقاطعة وتظاهرات في العالم الإسلامي بعدما دافع ماكرون عن حرية نشر رسوم كاريكاتيرية بعد قتل مدرس فرنسي بقطع الرأس في تشرين الأول/أكتوبر لعرضه رسوما، اعتبرت في العالم الإسلامي مسيئة للنبي محمد، خلال حصة حول حرية التعبير.
ورداً على سؤال صحافي مصري حول المسألة، دافع ماكرون عن الحريات ومن ضمنها حق انتقاد الديانات، فيما شدد السيسي على الطابع «المقدس» للدين، الذي رأى أنه «يسمو على القيم الإنسانية». وذكّر الرئيس المصري بأن مصر أدانت قتل الأستاذ الفرنسي سامويل باتي بقطع الرأس على يد لاجئ شيشاني، مشدداً على أن بلاده تقف «بمنتهى الحزم والشدة ضد أي عمل إرهابي وتدينه».
ماكرون أعرب عن رغبته في التركيز على الحوار مع القاهرة بدلا من المقاطعة
وقال السيسي إن «من حق الإنسان أن يعتنق ما يعتنق ويرفض ما يرفضه» لكنه رأى أنه «يجب ألا يكون التعبير عن الرأي سبباً بجرح مشاعر مئات الملايين». ورد ماكرون بالتأكيد أن في فرنسا «لا نعتبر أن هناك ما يسمو على الإنسان وعلى احترام كرامة الشخص» مشيراً إلى أن «هذا إرث فلسفة التنوير».
لكنه أقرّ بأنه يمكن أن يكون هناك «نقاش بشأن اللياقة» وحول «ما يمكن أن يصدم الآخر في العلاقات بين الكائنات الإنسانية».
وشدد في الوقت نفسه على أن «لا ديانة لها الحق بإعلان الحرب عندما تتعرض للتهكم» مذكراً بالفصل بين السياسة والدين في فرنسا.
ورأى أن «هذا النقاش الذي نجريه هنا مهم جداً» مشيراً إلى أن رؤية الدول الغربية تقوم على أن ما هو ديني «لا يحل محل ما هو سياسي. هذه قاعدة ومبدأ ديمقراطي، وإلا فنكون تحولنا إلى حكم ديني».
وكان السيسي قد وصل إلى باريس أول أمس الأحد في زيارة رسمية تستغرق ثلاثة أيام. وبالإضافة إلى الاجتماع مع ماكرون، من المقرر أن يجري السيسي عددا من المحادثات السياسية الأخرى.
«استقرار المنطقة»
وقبيل الزيارة أصدرت 17 منظمة حقوقية فرنسية ودولية بيانا يتهم الرئيس الفرنسي بغض الطرف عما تصفه بانتهاكات حكومة السيسي المتزايدة للحريات. ونفت القاهرة مرارا هذه الاتهامات.
ويرفض المسؤولون الفرنسيون الانتقاد الموجه لماكرون ويقولون إن باريس تتبع سياسة عدم انتقاد الدول علنا بشأن حقوق الإنسان، لكنها تستعيض عن ذلك بالتعبير عن مخاوفها في لقاءات خاصة.
وقال مسؤول رئاسي فرنسي للصحافيين إن باريس رأت «إشارة إيجابية» بعد الإفراج عن مسؤولي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قبل ساعات من وصول السيسي إلى فرنسا. وبين «أنها شراكة لصالح استقرار المنطقة».
«الانحياز للقمع»
وأوضح عمرو مجدي الباحث في «هيومن رايتس ووتش»: «يشوه ذلك صورة فرنسا بالمنظور الديمقراطي في مصر والمنطقة خاصة عندما يتصدى ماكرون للعنف والتشدد في فرنسا، ثم يدلي بتصريحات مطولة عن القيم، لكنه عندما يتعرض لاختبار في مصر والمنطقة يتحيز لمن يمارسون القمع وليس للقيم التي يقول إنه يدافع عنها».
أمس دعت 20 منظمة حقوقية غير حكومية في فرنسا إلى تنظيم احتجاجات واسعة الثلاثاء أمام مقر البرلمان الفرنسي، احتجاجا على ما أسمتها «الشراكة الاستراتيجية» بين باريس والقاهرة.
وذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية، أنّ الاحتجاجات «ستعقد عند أمام مقر البرلمان في العاصمة باريس، رفضا للشراكة الاستراتيجية بين فرنسا ومصر بذريعة مكافحة الإرهاب».
وأضافت أنّ نظام السيسي «يسيء استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب من أجل القضاء على العمل المشروع في مجال حقوق الإنسان وقمع المعارضة السلمية».
شراكة تؤجج القمع
إلى ذلك، استنكرت «الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان» زيارة السيسي إلى فرنسا، باعتباره المسؤول عن «القمع في مصر والذي لم تشهده على مدار تاريخها الحديث». جاء ذلك في مقابلة للمسؤول في المنظمة (مقرها باريس) أنطوان مادلين مع موقع شبكة «فرانس إنفو» الإذاعية.
وقال مادلين: «مصر خلال عهد عبد الفتاح السيسي، تعيش فترة قمع لم تشهدها خلال تاريخها الحديث ولم ترَ مثلها على الإطلاق. يتم القبض على معظم المحامين ونشطاء حقوق الإنسان والصحافيين والنقابيين لمجرد ممارسة حقوقهم ووظيفتهم الرئيسية».
ورأى أن مد البساط لاستقبال الرئيس المصري في فرنسا لا يتماشى مع «استهزائه (السيسي) بكل القيم التي من المفترض أن تدافع عنها الجمهورية الفرنسية».
وأضاف: «طلبنا من السلطات الفرنسية التنديد بهذه الاعتقالات، لكن السلطات المصرية تستمر في قمعها. لذا نطالب السلطات الفرنسية بإعادة النظر في هذه الشراكة الخطيرة لأنها تنطوي على تأجيج القمع الذي يشكل خطورة على أمن البلاد». وأشار مسؤول الفدرالية الدولية إلى وجود أكثر من 60 ألف شخص في السجون المصرية بتهمة ارتكاب جرائم رأي، بينهم صحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومحامون وأشخاص يعملون ببساطة على خلق مجتمع أكثر انفتاحا في مصر.
وأردف قائلا: «الرئيس عبد الفتاح السيسي يدعمه مجلس عسكري لا هدف له إلا السيطرة على شعبهم من خلال إرساء نظام قمعي يغذيه التعذيب على نطاق واسع في السجون».