أورسون ويلز كموضوع هوليوودي في فيلم «مانك»

حجم الخط
0

أورسون ويلز لا ينتهي، السينمائي الأمريكي صاحب أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، «المواطن كين» (1941)، وصاحب غيرها هي كذلك من الكلاسيكيات، «السيدة من شانغهاي» و «لمسة شر» و«أوثيلو» وغيرها. ويلز لا ينتهي كذات سينمائية، وكموضوع سينمائي. كذات إذ أُنتج فيلمه «الجانب الأخر من الريح» وخرج عبر «نتفليكس» إلى المشاهدين، قبل عامين، فيلم لم يكمله ويلز قبل رحيله عام 1985. وكموضوع إذ خرج فيلم «مانك» لديفيد فينشر قبل أيام عبر المنصة ذاتها، متناولاً «قصة» كتابة السيناريو لـ»المواطن كين»، الفيلم الذي نال جائزة أوسكار واحدة كانت للسيناريو، تناصفها كل من ويلز والسيناريست هيرمان مانكفيتز، الذي يروي فيلمُ فينشر «قصّة» كتابته للسيناريو.
وُضعت «قصّة» بين قوسين متشكّكَين للمضمون الذي أتى عليه الفيلم، أو للحكاية كما أرادها، كأنّه استعادة لويلز من هوليوود التي عادته هي واستديوهاتها، في مراحل من حياته المهنية، ما اضطره إلى المغادرة إلى أوروبا. تجربته في ذلك مشابهة لتجربة تشارلي تشابلن، وكلاهما – وليست هذه صدفة – من أهم صنّاع الأفلام الأمريكيين (وفي العالم) منذ عرف العالم السينما، وكلاهما كافح ليبقى مستقلاً عن الاستديوهات، وكلاهما «نُفيَ» من عموم هوليوود.
لا يبدو هذا الفيلم خروجاً عن سياسة هوليوود تجاه ويلز، وإن بدا ابن عصره، أي أنّه لن يستطيع تخطي المكانة التي يحظى بها ويلز اليوم، أمريكياً وعالمياً، ولا حقيقة أن فيلمه «المواطن كين»، يبقى على رأس (أو في المراتب الأولى) لأي لائحة جادة لأفضل الأفلام في تاريخ السينما.
لكنه «مانك»، انطلق من هذه الحقيقة، بانياً حكايته بدون أن تتخطى عظمة فيلم ويلز، بل تحوم في ظلها، طارحة سؤال: لمن تعود هذه العظمة؟ وفي ذلك بحث في التفصيل المتعلق بكتابة السيناريو المشترك بين ويلز ومانكفيتز. إشارة بسيطة إلى الإجابة تكون في تواضع الأفلام الأخرى، التي كتبها مانكفيتز مقارنة بمكانة أفلام ويلز الأخرى، كتابةً وصناعةً. أفلام كهذه ترتكز، في قسم كبير من قيمتها، على بعدها التوثيقي، التاريخي، وحين نلمس خللاً في ذلك تبطل، كما هو الحال هنا بغض النظر عن صحّة عموم أحداثه، فهنالك الطريقة والأسلوب، وهما ما يمكن لهما أن يقلبا (ويقلّبا) الأحداث كما يحلو لكاتب/صانع الفيلم. فيلمنا هذا، كان واضحاً في انحيازاته، وفي ذلك ما هو متوقَّع إذ ينحاز الفيلم إلى بطله، والبطل هنا هو مانكفيتز، أو مانك.

انحاز الفيلم إذن إلى بطله وهذا طبيعي، لكن سياق الانحياز كان أولاً في خلاف بين البطل مانكفيتز وويلز الذي كلّفه بكتابة نص الفيلم، والذي رفض بشكل عنيف (في الفيلم) طلب مانكفيتز الاستدراكي، بأن يحفظ الحقوق الأدبية للسيناريو. نحن هنا أمام خلاف إشكالي بين الكاتب والمخرج، الأول مغمور لم نعرف له عملاً عظيماً آخر، والثاني صار لاحقاً أحد أهم سينمائيي العالم. وكان، سياق الانحياز، ثانياً، في موقف استديوهات هوليوود الدائم تجاه ويلز، الذي بأفلامه، أثبت أن أفلاماً أمريكية عظيمة يمكن أن، أو هي التي تخرج عن وصاية هذه الاستديوهات. أفلام كهذه ترتكز على التوثيقي، لكن «مانك»، وقد غلبه انحيازه في هذا الجانب، لم ينقذه نقده السياسي والأخلاقي لتلك الاستديوهات، ولم يعوّضه، الانحيازَ، في جانبه التشويقي، الحكائي، وإن كان الفيلم سينماتوغرافياً أنُجز بجمالية معقولة.
المخرج فينشر هو صاحب أفلام جميلة أخرى، منها «Gone Girl» و«The Social Network» و«Fight Club» وغيرها، لكنّها تقوم على عناصر تتوزع عليها، بين التشويق والحبكة الروائية والقصة الحقيقية. هنا، في «مانك»، لم نجد أياً من هذه، فالقصة وإن كانت مبنية على أحداث حقيقية تتناول كتابة سيناريو أحد أعظم الأفلام في التاريخ، أتت رتيبة بلا أخذ ورد، لم ينقذها الفلاشباك الذي تقاسم مدة الفيلم مع الزمن الراهن وهو عملية كتابة السيناريو. أتت، القصة، خالية من العناصر الجاذبة في أفلام فينشر السابقة.
قد نظن أن مشكلة الفيلم تكمن في توقّعنا عملاً بنقاط امتياز عدة تجعله جديراً بنقل «قصة» كتابة سيناريو «المواطن كين» (إن كان ثمّة قصة). لكن لا، فلننسَ اسم ويلز في الفيلم. لنفترض أنه نقل قصة متخيَّلة، يبقى «مانك»، الجيد بصرياً، متواضعاً حكائياً.

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية