نشرت «القدس العربي» في السادس والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني مقالًا للكاتب حمزة قناوي بعنوان «نموذج «النسوية» بين التنميط والتعميم والتعامل الفئوي.. إلى ســــارة الشمري: «ماذا لو هدأتِ قليلا»؟» يَرُد فيه على مقال الكاتبة سارة الشمري «ردا على إبراهيم نصر الله: ماذا لو»، الذي ردت فيه على مقال الكاتب إبراهيم نصر الله «وماذا لو كانت امرأة بطلة «موسم الهجرة إلى الشمال»؟»، وهذه محاولتي في الرد على ما جاء به مقال الكاتب حمزة قناوي.
للمصري حسن عبد الموجود مجموعة قصصية بعنوان «حروب فاتنة»، استعدتُ عنوانها حال قراءتي للمقال الأخير: هذه حقا حربٌ فاتنة، أخاذة، تضخ الأدرينالين في مجرى الدم، كما لا يمكن لسعادة عابرة أن تفعل. حالما قرأت هذه الجملة التي كتبها قناوي «تحاول النساء من المناديات بقضية «النسوية» تعويض التمييز ضد المرأة، بالتمييز ضد الرجل»، شعرتُ بأن «هستيريا النساء» تلبستني دونما إرادة مني. دبت الحماسة فيّ، ثم تساءلتُ ما الذي يمكن أن أضيفه لتستمر جذوة هذه الحرب الفاتنة بالاشتعال. لكن الحيرة لم تبتلعني، فقد فتحتَ أيها العزيز حمزة (هل تسمح لي بأن أدعوك هكذا باسمك؟) ذراعيك لي مرحبًا وقلتَ «أقبِل، فالطريق من هنا». وبينما أقتربُ على مَهَلٍ شَط بي الخيال حتى تخيلتُ وجهك بعد قراءة هذا المقال، حدقتُ فيه، وفجأة سمعتك ترنم: «لَئِن ساءَني أَن نِلتني بِمَسَاءِةٍ … لَقَد سَرني أَنى خَطَرتُ ببالِك».
لأصدُقكَ القول، تَنازَعَني سؤال في البداية، هل أفعل ما حاولتَ أنتَ فعله: «عند تناول المقال الذي قدمته الكاتبة سارة مبارك الشمري… تتجلى لنا عدةُ ملاحظات، أولها ملاحظة جوهرية تحتاج أن نبينها حتى لا نمضي في اللغة التهكمية ذاتها التي استخدمتها الشمري في موضوعٍ أدبي ثقافي»، أي محاولة الرد على أفكارك واحدة واحدة، أم أنتقي ما شئتُ، إذ يعلم كلانا أن الحرب لا تدور رحاها في دار أبي سفيان؟
لقد قررتَ أيها العزيز حمزة أن الكاتبة وقعت في خطأ جوهري، حيث اعتَبرتْ نفسها ممثلةً لكل النساء: «أول هذه الأخطاء وأكثرها وضوحا، أن الكاتبة تردُ على المقال بوصفها ممثلةً لكل النساء»، ثم في موقعٍ لاحقٍ أكدت بثقة: «وقعت الكاتبة في خلطٍ بيّن، ويبدو أنها لم تقرأ المقال لنهايته»، لكنني أحسبُ أنها قرأت ما كتب نصرالله، بل قرأته جيدًا جدا، وكي أكون منصفًا سأقول إنك أيضًا قرأتَ ما كَتَبَتْ. السؤال هنا: ما الفارق بين قراءتها وقراءتك؟ في الفقه، تقول القاعدة المعروفة على نطاقٍ واسعٍ «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». لن أعود إلى مقالها لأشير إلى كل البينات المنثورة على طوله، لكنك مصر على الإنكار، وليس أمامنا سوى مطالبتك بالحِلفان: هل بإمكانك القسم بأنها لم تتجاوز مقدمة مقال نصرالله كما «سجلت» في حُكمِك: «فقد استفزتها المقدمة، لترد عليها بهذا الشكل المنفعل»، أم بتنا في عصرٍ تُلقى فيه الجوازم قبل أن يُنوى الفعل المضارع حتى؟ والله إن المتنبي نفسه لَيَعْجَبُ من ذلك.
دعنا قليلًا من هذا، وأجبني: هل تحب خالد بن الوليد؟ أرجو ذلك، إذ نوشك على أخذ جولة خالد – بن- وليدية إلى التراث العربي. لكن قبل ذلك، هل تسمح أن أشير إلى أنك تناقض نفسكَ كثيرًا؟ فمثلًا طالبتَ الكاتبة بالهدوء في نهاية مقالك، وفي بدايته لم تكن على قدر الهدوء الذي طالبتَ به غيرَك: «إن المفترض أن المقال الذي يتبنى رداً على من يطرح قضايا فكرية وثقافية، يجب أن يكون مشتملا على قواعدَ منطقيةٍ للحوار، لا السخرية، فاختلاف وجهات النظر لا يعني التندر». ليس من النزاهة أن أطالبك بالاتساق على طول الخط، لكن تذكر فقط أن «هربَ» خالد بن الوليد في معركة مؤتة ما زال على ألسنة الناس حتى اليوم، بوصفه أحد أعظم الخطط الحربية، أو إذا شئنا استخدام مصطلحات النقد العربية: ما فعله خالد بن الوليد كان تجسيدًا عمليا لـ»حسن التخلص»، ذلك الحسن الغائب عن مقالك، لذا سأُلقي عليك ما نُسب لأبي نواس، أفضل من أحسن التخلص دفاعًا عن حياته: «يا أمير المؤمنين أتقتلني على ما لا تعلم؟».
لو لم تكن قد قرأت الجملتين مجددًا فاقرأ هذا التساؤل معهما: «فهل كل المطلوب مجرد تغيير نظرة الرجال للسيدات السيئات؟». سأقول لكَ ما لم تقله سارة الشمري: علينا، نحن الرجال، أن نتوقف عن النظر.
قد تخوننا الذاكرة كثيرًا (كما أشار إبراهيم نصرالله نفسه)، وقد تخوننا قلة معرفتنا أكثر، حد أن نعتقد حقا أن جملة مثل «فاختلاف وجهات النظر لا يعني التندر» جملة صحيحة وبدهية. لا عزيزي، هذه جملة نقولها في جلسة عائلية، الوِد فيها أكبر من أن تُفسده آراؤنا تجاه أمرٍ ما، لكننا لا نكتبُ هنا بوصفنا أصدقاء اختلفنا على مواقفنا من قضايا المرأة. لقد احتلت السخرية جزءًا كبيرًا من التراث العربي، ليس ذلك وحسب، بل كانت، كما التراجيديا عند الإغريق، أداة تطهير للنفس فـ»ذكر المغفلين يحث المتيقظ على اتقاء أسباب الغفلة»، كما قال ابن الجوزي، أو كانت، وهذا أهم وأبلغ على التواء المعنى، وسيلة للشفاعة كما جاء في «رسالة الغفران»، إذ دخل الحطيئة الجنة ببيتين لا أكثر: «أبت شفتاي اليوم إلا تكلما … بهُجرٍ، فما أدري لمن أنا قائله/ أرى لي وجهًا شوه الله خلقَه … فقُبح من وجهٍ، وقُبح حامِلُه». هل لي أن ألفت انتباهك إلى أن أبا العلاء كان رحيمًا، فلم يغالِ في استحضار أبياتٍ أكثر «تندرًا» كما في هجائه لأمه، أم إن هذا القدر يكفي؟
تقول: «وأنا يا سارة ممن قرأ قدراً معقولاً من هذه الدراسات النسوية»، لكن عزيزي مقالك لا يدل على ذلك، بل لا يحيل في عقلي سوى على مقولة الجاحظ في «رسالة التربيع والتدوير»: «وكان ادعاؤُه لأصناف العلم على قَدْر جهله بها». لا تغضب أرجوك، فالحقيقة أنك لم تقرأ في حياتِك أي دراسة نسوية، ولا أي كلمة (ولا بأس في هذا، البأس في ادعاء العكس)، بل كنتَ مدفوعًا برغبة لا كابح لجماحها بالدفاع عن إبراهيم نصرالله، حدا سمحتَ لنفسِك معه، في الوقت ذاته الذي تُقلل فيه من شأن قضايا المرأة، بدافع الانتصار لإنسانية متخيلة لا مكان لها في الواقع سوى في عقلِ من آلمه مقالٌ شديد الوضوح والمقصد، بأن تقول: «ويجب ألا يتم التعاطف معها من قبل النسويات بصورةٍ مطلقةٍ»، و»لعلي لا أبالغ إن قلت إن الكثيرات من حاملات هم النسوية مشكلتهن الحقيقية (علمياً وموضوعياً) أنهن لا يعرفن ما الذي يردنه بالضبط للمرأة في المجتمعات التي يعشن فيها». أرجوك عُد واقرأ الجملتين الأخيرتين، وقُل لي ماذا ترى؟ لأنني حقا أخجل أن أشير إلى فداحة ليت الشمس سودت بيض عذرها ولممها، لكن حتامَ يا عزيزي.
لو لم تكن قد قرأت الجملتين مجددًا فاقرأ هذا التساؤل معهما: «فهل كل المطلوب مجرد تغيير نظرة الرجال للسيدات السيئات؟». سأقول لكَ ما لم تقله سارة الشمري: علينا، نحن الرجال، أن نتوقف عن النظر. صدقني فأنا لا أمزح هنا، علينا بكل ما امتلكنا من شجاعة ألا ننظر ولا نتكلم ولا نكتب، لا أقل من هذا. أعرفُ أنك شاعرٌ وأكاديمي، وأعرف أن إبراهيم نصرالله يُعتبر من أهم الروائيين العرب، لكن ما صنعته بكم الكتابة أنها جعلتكم أكثر حساسية ونزقًا، وإحساسًا بأهلية تخولكما (تخولك أنت تحديدًا) للعب دور الحكيم، الذي يعرف أي القضايا على النساء أن يهتممن بها، بدعوى «الموضوعية والانتصار للقضية في ذاتها، وليس انحيازاً للكاتب»؛ أود فقط لو أفهم أي موضوعية وأي قضية في ذاتها هذه الذي نتحدث عنها.
ثم عزيزي، وأرجو ألا أصدمك، مقالك يتحدث عن عالمٍ متخيل، غريب وبارد وموحش، عالم مثالي ليس باستطاعة مخيلة أكثر نُسَخِ أفلاطون كآبة أن تتفتق عنه. لقد كررتَ كلمة «جوهر» بتعدد اشتقاقاتها تسع مرات، وتحدثتَ عن الظلم الاجتماعي بـ«صورته الكلية»، وعن «العدالة الاجتماعية» مرتين، ثم تطرقتَ «للسلوك الإنساني النبيل والرفيع في الحياة»، وعرجتَ إلى «الطريق السليم»، ومررتَ بـ«اهتزاز القيم»، وأشفعتَها بالسلام على «القضايا الحقيقية». أود لو أذكر المزيد، لكن «أما والله يا جوهـرْ … لقد فُقت على الجوهرْ».
أرغب باقتراح فرضية لا تبعُدُ كثيرًا عما ذهبتَ إليه في مقالك، إلا أنني سأبالغ قليلًا في محاولة لفهم نقطة الخلاف كما أراها بين المقالات الثلاثة، ورابعهم هذا. لو افترضنا أن النسويات العربيات المدافعات عن قضايا المرأة، بمن فيهن سارة الشمري شر مطلق، فهل علينا إحراقُهُن؟ تتحدث جوديث بتلر في كتابها «الذات تصف نفسها» (ترجمة فلاح رحيم) عن الحكم الأخلاقي فتقول: «إن نظرتَ مثلًا في سؤال سيمون دي بوفوار «هل ينبغي إحراق ساد Sade؟» وجدت الأمور أكثر تعقيدًا. قد يكون الحال أننا لا نكون قادرين على التأمل الأخلاقي في إنسانية الآخر، حتى عندما يكون ذلك الآخر قد سعى إلى محق البشرية، إلا بتعليق الحكم عليه».
لو افترضنا أن النسويات العربيات المدافعات عن قضايا المرأة، بمن فيهن سارة الشمري شر مطلق، فهل علينا إحراقُهُن؟
إن العالم الإنساني الذي تسعى وراءه، خارج نطاق رؤيتك. ليس ثمة سوى هذا العالم، وهو عالم مليء بالساقطات والمدمنات، التي تود إقصاءهن عن الأدب، كي لا يُتنازَلَ «عن القيمة الفنية الأدبية في بنائية العمل». أنتَ تؤسس لعالم مليء بالقيم والأخلاق والإنسانية، لكنه عالم ليس فيه سوى الرجال. لم تحرق النسويات فحسب عزيزي حمزة، أنتَ أحرقتَ النساء قاطبة، بل حتى أحرقتَ رجالًا كما تولستوي، الذي كتب «آنا كارينينا»، ومن قبله غوستاف فلوبير وشخصيته الأشهر «مدام بوفاري»، والمصيبة الأعظم أنك لا تدري ما اقترفت يداك. استحضرتُ هذين المثالين، كي لا أجنح كثيرًا وأستعرض أمثلة لـ«شخصياتٍ نسائيةٍ سيئةٍ من المنظور الاجتماعي» حقا، بل سيئات جدًا، كما أديل في رواية عنوانها يحمل اسم الشخصية ذاتها للمغربية ليلى سليماني. هل ستتحمل لو أخبرتُك أن أديل مدمنة على الجنس، تهربُ إليه من رتابة حياتها وزواجها وعملها؟ هل ستتحمل لو أرفقتُ مقاطع من الرواية هنا؟ هل أديل أقل قيمة من «ريحانة» إبراهيم نصر الله، ريحانة الـ»جميلة كما لو أنها لم تطأ ترابا، كما لو أنها ليست من تراب، أنفها المستدق، وجهها المشدود الذي يزداد جمالا بانخفاضين ما بين فكيها وخديها، عنقها الطويل، المسافة العظيمة ما بين كتفيها وأذنيها، شفتاها الممتلئتان اللتان تنتهيان بنقطتين غامضتين شهيتين، أسنانها البيضاء القوية وجبينها الصافي كالماء»؟ (ص106، زمن الخيول البيضاء).
ليس المُراد الاستعراض هنا، بل تأكيد ما جاءت به سارة الشمري في مقالها، والذي لا أفهم كيف له أن يكون بهذه الصعوبة: سواء أكتبتَ «شخصيات (نسائية) رائعة بكل معنى الكلمة» في رواية، أم كتبت شخصيات نسائية «سيئة من المنظور الاجتماعي» في رواية أخرى، فالأمر سيان، الخلاف أن تفرضا صورة واحدة براقة للمرأة، في الوقتِ ذاته الذي تتساءل أنت فيه: «وهل يعقل أنه عندما يطرح أي أديب أو كاتب نموذجاً سيئاً لفئةٍ اجتماعيةٍ ما، أن يتم التعامل مع هذا النموذج على إنه إساءة وإهانة لجميع عناصر هذه الفئة؟ ألا يوجد في كل الفئات الجيد والرديء؟». عزيزي حمزة، أليس حريا بك أن تسأل نفسك هذا السؤال؟ أو لا تسأله أصلًا، فقد فعل ذلك نصرالله، وناقض نفسه قبلك، وكما تعرف المؤمن لا يُلدغ من… لكن لا بأس، فنحن كما قُلتَ «جميعاً بشر، عرضة لأن نقع في الخطأ والزلل»!
أخيرًا وليس آخرًا، كما علمونا أن نقول في الإذاعة المدرسية، أود لو أمكنني الاستمرار أكثر، فالكثير لم يُقل بعد، لكنني الآن أود الاعتذار منكَ حقا أيها العزيز حمزة. أقسم لك أنني لستُ بهذه الوقاحة، لكن نفسي أعجبتني فأراد الله عز وجل أن يعرفني من ضعفي ما كان عني مستورًا، تمامًا كما فعل مع عبد الله بن سوار قاضي البصرة حين ابتلاه بذبابة أخرجته عن وقاره (راجع الجاحظ، كتاب الحيوان، ج3).
أما آخرًا: حين قرأتُ ما طالب به إبراهيم نصر الله ضمنًا بقراءة مقاله بهدوء حين قال: «أعرف أن مقالا كهذا يحتاج إلى قراءة هادئة، هادئة جدا»، وما طالبتَ أنتَ به سارة الشمري: «وماذا لو هدأت قليلاً يا سارة؟»، قفز إلى ذهني سؤالٌ: الهدوء، الهدوء، الهدوء، ماذا وراء هذه المطالبة العُصابية به؟ كبتٌ هستيري؟ لن أعيد عليكما نظريات فرويد، لأني لا أريد لأحد منا أن يتعالج.
حربٌ هادئة، أي حربٍ هذه تكون؟ ناهيكما عن كونها فاتنة أصلًا!
٭ كاتب أردني