نظام السيسي يتجاهل الانتقادات الدولية حول انتهاكات حقوق الإنسان في مصر

حجم الخط
0

القاهرة-«القدس العربي»: ارتفعت وتيرة الضغوط والانتقادات الدولية لملف حقوق الإنسان في مصر خلال الأسابيع الماضية، عقب اعتقال أجهزة الأمن المصرية لثلاثة من قيادات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إحدى المنظمات الحقوقية المستقلة.
وجاءت الانتقادات الدولية التي ضمت نوابا في الكونغرس الأمريكي ومنظمات دولية وفنانين أمريكيين، بالتزامن مع فوز جون بايدن المرشح الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية بما يمهد لطبيعة علاقات مختلفة بين البلدين خاصة فيما يخص ملف حقوق الإنسان، على عكس العلاقات بين البلدين في فترة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب.
ولأول مرة تستجيب السلطات المصرية للانتقادات الدولية وتخلي سبيل قيادات المبادرة بعد أيام من اعتقالهم، وكانت حملة الاعتقالات جاءت على ردا على اجتماع عقدته المبادرة مع 13 سفيرا أوروبيا أوائل شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي لمناقشة ملف حقوق الإنسان المصري، إلا أن استجابة السلطات المصرية تعد خارج سياق ردود النظام الذي واصل تجاهله لكل الانتقادات المحلية والدولية لاعتقال آلاف المواطنين.
وفي الوقت الذي تقول منظمات حقوقية إن عدد سجناء الرأي في مصر يتعدى الـ 60 ألف معتقل، نفى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال زيارته إلى فرنسا وجود هذا العدد في السجون قائلا: لا أعرف من أين جئتم بهذا الرقم.
وعلى الرغم من توقع مراقبين أن يشهد ملف حقوق الإنسان في مصر انفراجة بعد فوز بادين، إلا أن المؤشرات تقول غير ذلك، حيث استمرت حملات الاعتقال التي تستهدف صحافيين وحقوقيين ونشطاء سياسيين، فيما اتهمت المعارضة السلطات المصرية بممارسة عمليات تزوير واسعة في انتخابات مجلس النواب التي عقدت الشهر الجاري، فيما تركت المجال لحزب مستقبل وطن المقرب من الأجهزة الأمنية لاستخدام المال السياسي في شراء أصوات الناخبين للإطاحة بمرشحي تكتل “25- 30” المعارض، الذي خسر 7 من بين 9 مرشحين منتمين للتكتل في الانتخابات. وجاء مجلس النواب الجديد أقرب للمجلس الخالي من المعارضة، حيث يضم أقل نسبة معارضين منذ نشأته عام 1981.
كما تمثل انتخابات مجلس النواب الجديد، آخر انتخابات تشهدها مصر في ظل إشراف قضائي، وكانت تعديلات دستورية، أقرها نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عام 2018 لتسمح للسيسي بالبقاء في السلطة حتى عام 2030.

اتهامات متكررة

وبحسب منظمات حقوقية، واصل نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، استهداف الحقوقيين والصحافيين وأصحاب الرأي الآخر. وأن السلطات المصرية استخدمت أنماط للتضييق عليهم وانتهاك حقوقهم، وقمع حريتهم، منها اعتقال وتدوير أو التضييق عليهم من خلال استهداف أفراد الأسرة.
فمؤخرا، ظهر نمط جديد من التدوير للتضييق على المتهمين في قضايا سياسية بجانب تجاوز فترة الحبس الاحتياطي، وهو ضم المتهمين على ذمة قضية جديدة والتحقيق معهم على ذمة قضية أخرى أثناء إتمام إجراءات إخلاء سبيلهم، أو خلال فترة حبسهم، الأمر الذي يبث روح التشاؤم وفقدان الأمل في الخروج.
اتهامات متكررة ومعتادة يتم توجيهها للمتهمين على ذمة هذه القضايا، وباقي القضايا الأخرى دون الكشف عن اسم الجماعة أو عن طبيعة الأخبار الكاذبة أو مضمونها، إضافة إلى أن غالبية المتهمين في القضايا يتعرضون للاختفاء القسري لفترات متفاوتة، قبل ظهورهم في النيابة كمتهمين على ذمة القضية، بجانب تعرض البعض للتدوير.
كل هذه الانتهاكات تستخدمها السلطة لقمع المتهمين في القضايا السياسية، إضافة إلى حبسهم احتياطيا والتجديد المستمر ليتجاوزوا فترة الحبس ثم إعادة تدويرهم مثلما حدث مع الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب مصر القوية الذي يقضي أكثر من عامين في الحبس الاحتياطي وتم تدويره.
أيضا محمد القصاص القيادي في حزب مصر القوية الذي قضى عامين في الحبس الاحتياطي، وحصل على إخلاء سبيل ثم تم ضمه على ذمة قضية جديدة، والدكتور حازم حسني أستاذ العلوم السياسية الذي ظل قيد الحبس وسط دوامة التجديد حتى إخلاء سبيله ثم إعادة تدويره على ذمة قضية أخرى، والصحافي معتز ودنان الذي قضى عامين ثم تم تدويره، وبجانب هؤلاء يوجد آخرون يواجهون مثل هذه الصعوبات والانتهاكات.
أيضا من ضمن الأساليب التي باتت السلطة تستخدمها لقمع المعارضين، استهداف أحد أفراد الأسرة مثلما حدث مع الكاتب الصحافي خالد البلشي رئيس تحرير موقع “درب” الذي تم اعتقال شقيقه كنوع من التضييق عليه ولإسكات صوته.
الانتهاكات التي يشهدها ملف حقوق الإنسان، دفعت مركز “الشهاب لحقوق الإنسان” إلى دعوة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إلى تسيير لجان تقصي حقائق لرصد الانتهاكات الحقوقية في البلاد.
وطالب البيان الذي جاء بالتزامن مع الاحتفال العالمي بيوم حقوق الإنسان، الموافق 10 كانون الأول/ديسمبر من كل عام، المجتمع الدولي والأمم المتحدة بتسيير لجان تقصي حقائق بخصوص الانتهاكات التي تحدث في مصر على أن يصدر عنها تقرير أممي يقدم على أثره من قام بهذه الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وطالب مركز الشهاب، النظام المصري، باحترام وتطبيق الاتفاقات والنصوص القانونية الدولية والمحلية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وجعل هذه الحقوق ذات أهمية قصوى، وكذلك الحقوق المدنية والسياسية، بما يضمن غياب التميز من أي نوع والتصدي لغياب المساواة داخل المجتمع.
وزاد: “يجب على النظام المصري العمل بشكل دؤوب وجدي على إنهاء ظاهرة أطفال الشوارع والتسرب من التعليم ووقف العنف والاعتداء البدني والنفسي على الأطفال والمرأة وتقديم الرعاية الطبية والصحية للأطفال والمرأة وفق برامج محددة ورعاية خاصة لهذا الأمر تضمن تشجيع المشاركة الفاعلة لهذه الفئات”.
وتابع: “يجب على السلطات المصرية متمثلة في النائب العام ووزارة الداخلية ومصلحة السجون فورا مراجعة حالات الأطفال والنساء في السجون وأماكن الاحتجاز والمحبوسين على ذمة قضايا ومن حصل على أحكام في قضايا، والعمل على إطلاق سراحهم وخاصة المتهمين في قضايا ذات طابع سياسي” وفق البيان، الذي دعا القاهرة أيضاً إلى “العودة لرشدها وتطبيق القانون ومراعاة البعد الإنساني والإفراج فورا عن المرضى الذين يحتاجون رعاية خاصة غير متوفرة داخل مستشفيات السجون وتواجدهم يشكل خطرا على حياتهم داخل السجون أو مستشفياتها مع تسهيل كل الإجراءات بشكل عاجل وفوري لتقديم الرعاية اللازمة طبيا وبشكل سريع لأي سجين أو محبوس تعرض أو يتعرض لمرض ما من أجل المحافظة على حياتهم وفتح الزيارات طبقا للقانون والامتناع عن العقاب بالحبس الانفرادي لفترات طويلة”.
ووفق البيان “يجب على النيابة العامة المصرية فتح تحقيقات في آلاف البلاغات التي وردت إليها حول الانتهاكات بالقتل والإهمال وسوء الرعاية والتعذيب والاختفاء القسري والقبض التعسفي والتعدي والتي حدثت لمواطنين مصريين خلال الفترة الماضية ومحاسبة المخطئ”.
وطالب “المجتمع الدولي والأمم المتحدة بتسيير لجان تقصي حقائق من قبل الأمم المتحدة بخصوص الانتهاكات التي حدثت في مصر من قتل وتعذيب وتعد وإهمال ومصادرة أملاك وإعدامات وتهجير قسري وغيره من الانتهاكات يصدر عنها تقرير أممي يقدم على أثره من قام بهذه الانتهاكات إلى محاكمات في المحكمة الجنائية الدولية”.

تجديد سجن المئات

وواصلت الهيئات القضائية المصرية تجديد سجن المئات خلال الأيام الماضية على ذمة قضايا سياسية. وأصدرت الدائرة الثالثة جنايات إرهاب، قبل أيام، تجديد حبس 738 متهما محبوسين احتياطيًا، على ذمة 59 قضية على خلفية سياسية، واستمرت جلسة التجديد لمدة 11 ساعة متواصلة بدأت في الساعة العاشرة صباحًا وانتهت في الساعة الحادية عشرة مساءً بحضور ما يقارب المئة وخمسين محامياً.
وحسب بيان لـ”الجبهة المصرية للحقوق والحريات” فإنه “نظرت الدائرة التجديدات من دون تأكدها من حضور جميع المتهمين، نظرًا لكثرة عددهم، ولعدم اتساع قفص الاتهام لهذا العدد الكبير، كما لم يتمكن الدفاع من إبداء كل طلباته أو تمكين جميع المحامين من التحدث. وفي النهاية صدر قرار الدائرة بحبس جميع المتهمين 45 يوما احتياطيًا وعددهم 738 متهما، وإخلاء سبيل متهم واحد فقط على ذمة القضية 828 لسنة 2018 بتدابير احترازية”.
جاءت هذه الجلسة بعد توقف جلسات تجديد الحبس في محكمة الجنايات لمدة أسبوعين كاملين، بسبب التعذرات الأمنية بانتخابات الإعادة لمجلس النواب في القاهرة والجيزة، ما أدى إلى صعوبة إحضار المتهمين من محبسهم، حيث كانت آخر جلسة بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2020.
وأبرز المتهمين الذين تم عرضهم في هذه الجلسة هم: المحامية الحقوقية هدى عبد المنعم، والمحبوسة من 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 على ذمة القضية 1552 لسنة 2018 والبالغة من العمر 62 عامًا، حيث حضرت في حالة صحية سيئة، ومستندة على عصا ثلاثية، وتحدثت أمام القاضي عن تعرضها لأزمة صحية داخل محبسها نقلت على إثرها إلى مستشفى السجن الذي أمر بإحالتها لمستشفى المنيل الجامعي للاشتباه في الزائدة الدودية، وأجريت لها فحوصات وأشعة، ولكن جاء التشخيص الطبي بتوقف الكلى اليسرى تمامًا، وارتجاع الكلى اليمنى وتم إعطاؤها مسكنات وبعض الأدوية وأعيدت لمحبسها، علما بأن هدى محتجزة في ظروف سيئة للغاية، في عنبر الدواعي في سجن القناطر للنساء، وممنوعة من الزيارة منذ تاريخ القبض عليها، مما أدى لتدهور حالتها الصحية.
من بين المتهمين الذين تم عرضهم أيضًا، عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب “مصر القوية” والبالغ من العمر 69 عامًا والمحبوس على ذمة القضية 440 لسنة 2018 منذ منتصف شباط/فبراير 2018 وتحدث أمام القاضي عن اصابته بآلام في البروستاتا واحتياجه لعمل مسح ذري خشية إصابته بورم فيها، كما أشار لتعنت إدارة السجن معه وعدم تلقيه الرعاية الطبية المناسبة لحالته، ووصف أيضًا ظروف احتجازه المتردية من كونه محبوسا في عنبر كامل منفرد ولا يسمح له بالخروج من الغرفة إلا نصف ساعة يتمشى فيها في ممر العنبر.
وطالب من القاضي مساواته في المعاملة بأحد رموز النظام السابق صفوت الشريف، الصادر ضده حكم بالسجن ثلاث سنوات من محكمة النقض لاتهامه باختلاس مئة مليون جنيه، وعند إيداعه السجن تم فتح المستشفى له ثلاثة أيام وبعدها نُقل إلى مستشفى السلام الدولي، مؤكدًا بأن ما يحدث معه هو تصفية حسابية وتعمد قتله ببطء.
وأكد المحامون للجبهة المصرية، أن مناوشات حدثت بين رئيس الدائرة والدفاع بسبب عدم التأكد من حضور عدد كبير من المتهمين، الأمر الذي أدى إلى رفع الجلسة مرات عدة وتوقف التجديد، وفي آخر مرة عاد القاضي بعد رفع الجلسة، وأخبر الدفاع بأنه تحدث إلى النائب العام بشأن القضايا التي تجاوزت مدة الحبس الاحتياطي المنصوص عليها قانونًا، وحصل على وعد منه ببحث هذه القضايا والتصرف فيها بشكل قانوني، وذلك بدلا من تطبيقه هو نفسه للقانون وإصدار قرار مستقل بإخلاء سبيل المتهمين الذين تجاوزوا مدة الحبس الاحتياطي، ما يضع تساؤلات حول كون قراراته مرهونة بإرادة النائب العام ونيابة أمن الدولة العليا ليصدر القرار في هذه الجلسة بتجديد حبس 738متهما من أصل 739 مع إخلاء سبيل متهم واحد فقط بالتدابير الاحترازية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية