القاهرة-«القدس العربي»: ليس من دليل على انخفاض منسوب الأمل في القاهرة سوى ذلك الذعر الذي يقفز من كل عينين لصاحبهما علاقة بمهنة الكتابة على مدار السنوات الماضية، حتى المنتمين للسلطة يخافون أن تخونهم كلماتهم بما لا ترضى عنه قوى الحكم. وبينما تراهن تيارات المعارضة المختلفة على الأغلبية التي قتلها الغلاء وأدماها طول الانتظار في ان تقتنص أملاً عابراً يؤهلها لاستعادة صخب الميادين من جديد وحدوث المراد من عودة الحراك الجماهيري، تبدو الأغلبية أكثر وعياً بقواعد اللعبة. فالسلطة التي تراهن قوى المعارضة على تعرضها لحالة من القلق العنيف والذي يتزايد كلما تحركت عقارب الساعة واقترب موعد وصول بايدن للبيت الأبيض، باتت المعارضة أقل نضجاً من الوعي الشعبي العام ذلك الذي يدرك أفراده بأن السلطة ما زالت على الرغم من تطورات قضية الباحث الإيطالي ريجيني، أشد استحواذاً على مقاليد الأمور. فما زال في خزانتها المزيد من الحيل التي تقنع العالم من خلالها برغبتها في خلق نموذج لدولة عصرية قوامها الحكم الديمقراطي، حسب تعبير الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء الذي أشاع حالة من البهجة الزائفة مؤخراً بعد ان كشف عن أوامر صدرت بتحول مصر لدولة مدنية ديمقراطية حديثة، وكان من الطبيعي ان يكون السؤال الذي تردد على السنة الكثيرين، هل يمكن أن يخبرنا رئيس الوزراء بنوع نظام الحكم الذي يتولى دفة الأمور في البلاد طوال السنوات السبع الماضية، قبل أن يفكر في تحويله إلى مدني ديمقراطي حديث؟ وقد أسفرت تصريحات رئيس الوزراء عن مرارة في حلق الذين ما زالوا يضعون شعارات ثورة الخامس والعشرين من يناير نصب أعينهم على الرغم من ان الساحة شهدت خلال الفترة الأخيرة ما يفصح عن استعداد الدولة للتراجع خطوة للوراء أمام تيارات المعارضة المدنية إذ أفرجت عن عدد كبير من المعتقلين قبيل الإعلان عن فوز بايدن، إلا انها ما زالت تثير أجواء غير مطمئنة ليس فقط ضد قوى المعارضة بل في وجه الأغلبية عبر ثلة من القرارات التي تزيد من معاناة الناس. ومن مفارقات اللحظة التي تحياها قوى المعارضة أن تخرج أصوات تدعو للاستفادة من تأثير الممثلة الهوليوودية التي تسببت وفق ما أشار بعض المعارضين للسلطة في الإفراج عن 3 من رموز المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حيث طالبت هذه الأصوات بالسير في درب الاستعانة بالخارج من أجل الضغط على النظام وهو الاقتراح الذي يواجه برفض واسع من قبل قوى عديدة يرى أفرادها ان اللجوء للخارج يمثل خيانة لثورة الخامس والعشرين من يناير التي قامت على أكتاف الأغلبية الساحقة بدون البحث أو مجرد التفكير في ظهير خارجي.
ثابت والأرض تدور
اللافت في اللحظة التي تمر بها البلاد من حراك شبه وهمي لا وجود له سوى عبر العالم الافتراضي، ان السلطة الحاكمة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لا تقيم اعتبارا لجماعات المعارضة على الأرض وإن كانت ترصدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تستند في ذلك إلى تقارير تشرف عليها جهات نافذة تشير بوضوح لعدم جود أي تأثير للمعارضة في الشارع المشغول بمعركة الخبز والمنهك بتوفير تكاليف الحياة التي تتزايد بشكل مطرد. ولعل أبرز ما تراهن عليه قوى الحكم يتمثل في تشرذم قوى المعارضة وخفوت تأثيرها وهو الأمر الذي يعترف به المعارضون أنفسهم أولئك الذين انتابهم بعض التفاؤل أخيراً على إثر إلغاء قاضي التحقيق المنتدب من محكمة استئناف القاهرة، قرارًا سابقًا بمنع النشطاء السياسيين إسراء عبدالفتاح، وأحمد غنيم، وباسم سمير، وحسام الدين على، من السفر، مع إلغاء التحفظ على أموالهم، ضمن المتهمين في قضية “التمويل الأجنبي”. وانتهت التحقيقات في قضية التمويل الأجنبي بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية.
وأصدر قاضي التحقيق بيانا نص على: “رفع أسماء من شملتهم التحقيقات من على قوائم الممنوعين من السفر، وكذا من قوائم المنع من التصرف في أموالهم” واعتبر كثير من المراقبين الإجراء مع ما سبقه من قرار الإفراج عن مئات المعتقلين نقطة ضوء تبدو في نهاية النفق وإن كانت ضعيفة لكنها تشير بشكل أو بآخر إلى ان السلطة باتت على استعداد للإنصات لأصحاب الرأي الآخر فهل يصدق الحدس أم ترتد السلطة نحو سيرتها الأولى؟
وصمة سكارليت
هي لحظة مثيرة للاهتمام بالفعل تلك التي اضطر فيها بعض الإسلاميين الذين يقاطعون الفن السينمائي لأن يبحثوا عن الممثلة سكارليت جوهانسن على محركات البحث من هي وما حجم الثقل الذي تمتلكه كي تنجح في ان يرضخ النظام لها ويفرج عن مؤسسي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، رغم حالة العداء التاريخي للإسلاميين مع الفنون السينمائية على وجه خاص، إلا ان النجاح الذي أحرزته الممثلة جعل نفرا منهم يشعر بالغبطة لما جرى أملاً في ان يجنوا ثمار التجربة بعد ان تخلى عنهم العالم وباتوا يتامى “السماء” ليس هناك من ينظر لمعتقليهم، حتى الأشقاء اعتبروهم خطرا على الإسلام كما جرى مع هيئة الافتاء بالمملكة العربية السعودية التي خرجت ببيان ناري قبل أسابيع اتهمت فيه الإخوان المسلمين بأنهم أصحاب فكر ضال ووصمت فيه أتباعه بالزندقة وحذرت العالم من تبعاتهم. فيما يرى بعض المراقبين ان الترحيب البالغ الذي حظي به بيان الممثلة يمثل دليلا على حالة البؤس التي تحياها قوى المعارضة بكافة أطيافها.
السويركي ونجمة هوليوود
وأثار إطلاق سراح 3 من موظفي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ردود فعل متباينة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وكانت النيابة العامة قررت إخلاء سبيل جاسر عبدالرازق، المدير التنفيذي للمبادرة، وكريم عنارة الباحث بالمبادرة في مجال العدالة الجنائية، ومحمد بشير المدير الإداري للمبادرة، على ذمة القضية 855 لسنة 2020. وقد نشرت الممثلة الأمريكية سكارليت جوهانسون، في وقت سابق، تسجيل فيديو تطالب فيه بالإفراج عن أربعة من مسؤولي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. وقالت إن “الكلام في مصر اليوم خطر، أريد أن ألقي الضوء على 4 أشخاص قبض عليهم ظلماً بسبب عملهم في الدفاع عن كرامة غيرهم وهم جاسر وكريم ومحمد وزكي”. وتابعت: “هؤلاء الرجال قضوا حياتهم في محاربة الظلم، والآن وجدوا أنفسهم خلف القضبان يواجهون تهماً ملفقة قد تؤدي بهم إلى سنوات عديدة داخل السجن”. ورحب كثيرون بالإفراج عن المعتقلين، وعبر بعض المعارضين عن شعورهم بالخيبة لأن “الإفراج لم يتم بإرادة مصرية، وإنما بسبب ضغوط خارجية”. بينما رفض آخرون القول بأن الرئيس عبد الفتاح السيسي أطلق سراح المعتقلين بسبب الممثلة الأمريكية، مؤكدين ان قرار الإفراج سبق بيان الممثلة وهو ما شدد عليه الإعلامي احمد موسى المقرب من السلطة وعدد من الكتاب. وعلى درب الغرقى الباحثين عن قشة للنجاة، طلب عدد من المغردين أمهات المعتقلين، الذين لا يزالون في السجون، تسجيل فيديوهات ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي لعل الرسالة تصل للممثلة وتتفاعل مع طلباتهن وهو الإقتراح الذي ندد به كثير من المنتمين لقوى متباينة من المعارضة يرى أصحابها ان طرق أبواب الخارج يمثل خيانة للوطن ولا يمكن اللجوء إليه مهما كان تأثيره ناجعاً. ومن بين الذين يرحبون ببذل كافة الجهود لمواجهة بطش النظام وجبروته الإعلامي والناشط الحقوقي هيثم أبو خليل، الذي أطلق تغريدة مفادها: “إلي أمهات الــ 60 ألف معتقل سجلي فيديو دقيقتين وطالبي بالإفراج فوراً عن ضناكي. النظام اللي استجاب لسكارليت جوهانسون مش معقول هيتجاهل أمهات مصر”. وطالب آخرون سكارليت جوهانسون، بالحديث عن باقي المعتقلين، وعن المشاكل الأخرى التي يعاني منها الشعب المصري. وبينما هاجم موالون للرئيس المصري النجمة الأمريكية، معتبرين تعليقها “تدخلاً في شأن داخلي وانتهاكاً لسيادة حكومتهم” دعا البعض أنصار وأقارب الحاج رجب السويركي صاحب محلات التوحيد والنور باقتفاء أثر الممثلة الأمريكية لعلها تتمكن من الإفراج عنه وبينما يحمل الاقتراح الأخير رائحة الشماتة من الإسلاميين يرى فيه البعض إهانة للمصريين قاطبة.
باريس تنافق القاهرة
تسبب الرئيس الفرنسي في الكثير من الهجوم ضد بلاده وهذه المرة ليس بسبب موقفه من الرسوم المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام بل بسبب ما كان يراهن عليه البعض من دعم أوروبي للمعارضة المصرية. فقد كشف ماكرون بوضوح عن ان دعم القوى المناهضة للسلطة في القاهرة أمر خارج عن اهتمام فرنسا إذ قال: “علينا احترام سيادة كل دولة أثناء حواراتنا معها، سياسة الحوار أفضل من سياسة المقاطعة لأنّ هذا يضر قدرتنا على مكافحة الإرهاب والعمل من أجل الاستقرار الإقليمي”. وقد أحبط التصريح بعض نشطاء المعارضة الذين باتوا على يقين بأن ليس بوسعهم بمفردهم إجبار السلطة على الكف عن ملاحقتهم والإفراج عن القابعين في السجون. وحسب مناصرين للسلطة في مصر فقد عاد الرئيس السيسي من “غزوة باريس” منتصراً، فيما خلص آخرون إلى ان ماكرون كان المستفيد من زيارة الرئيس السيسي فقد حصل على ما يمثل شحنة اوكسجين سينجح من خلالها في امتصاص تأثير تداعيات المقاطعة الدولية التي وجهت ضد بلاده بسبب الرسوم المسيئة لرسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.