بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان: مصر تحتفل على طريقتها الخاصة

حجم الخط
0

القاهرة-«القدس العربي»: لم تشهد مصر مطلقًا في تاريخها الحديث، تعرُض مثل هذا العدد الهائل من المحامين والحقوقيين والنقابيين، للاعتقال بسبب ممارستهم حقوقهم الأساسية والمشروعة، سواء الحق في التعبير عن الرأي، أو للمشاركة في اجتماع معين، أو بسبب تظاهر سلمي، أو حتى ممارسة مهنة المحاماة أو الصحافة. فأدوات النظام الوحيدة المستخدمة مع المصريين هي إما الإعدامات الجماعية، أو الاخفاء القسري والتعذيب، إضافة إلى نظام العدالة المصري الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه “محاكاة ساخرة للعدالة”.
ويأتي العاشر من كانون الأول/ديسمبر موافقاً لليوم العالمي لحقوق الإنسان، ليصبح مناسبة لتسليط الضوء من قِبل المنظمات الحقوقية على قضايا حقوق الإنسان، خاصة في الدول ذات السُمعة السيئة في هذا المجال، خاصة الحالة المصرية، ذات السمعة الأسوأ، والتي أصبحت محل انتقاد متصاعد منذ انقلاب النظام الحاكم. وربما جاءت قضية القبض على ثلاثة من موظفي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ــ تم إخلاء سبيلهم مؤخراً على ذمة القضية ــ لتصبح آخر إنجازات النظام!
ورغم التنديد بهذه الانتهاكات المتزايدة ــ ولا ننسى قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني ــ إلا أن النظام لا يمل من تكرار تصريحاته الملفقة بهذا الشأن، حتى أنه شارك في احتفال العاشر من كانون الأول/ديسمبر بمظاهر عدة، منها، احتفالية الشرطة المصرية بقطاع السجون، والتي تم بثها على قناة وزارة الداخلية المصرية على يوتيوب، حيث يقوم الضباط بتوزيع الورود على أهالي المساجين، والألعاب على أطفالهم، بل وتقديم بعض المساعدات لأسرهم، كما أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً، أكدت من خلاله احترام النظام المصري وتفاعله مع المصطلح الأكثر حساسية حقوق الإنسان.

خطاب التخويف

يعمل النظام المصري حتى يبرر وجوده أساليبه القمعية من خلال اختلاق عدو وهمي وسياسة التخويف المزمنة، فيوظف الخطاب السياسي والإعلامي للدولة لبناء أكاذيب حول هذا العدو. ويقوم هذا الخطاب على الخلط المتعمد بين المعارضة السلمية للحكم، من خلفية سياسية أو حقوقية أو إعلامية، وبين نوايا هدم الدولة والتحالف مع الإرهاب وقوى خارجية معادية. هذه الدعاية في صناعة العدو ترتبط بسياسة تخويف المصريين من سيناريوهات هدم الدولة أو انتصار الإرهاب، أو سيادة الفوضى، كل ذلك يتم استخدامه كغطاء سياسي لتبرير التوسع في سياسات القمع للتصفية الكاملة لأي صوت معارض أو مساحة مستقلة في الحياة العامة والسياسية، والمضي في الإجراءات الوقائية التي تحول دون ظهور أي خصم محتمل أو حراك سياسي وشعبي جديد.

المبادرة المصرية لحقوق الإنسان

ونأتي إلى آخر إنجازات النظام المصري ــ وليست الأخيرة ــ وذلك بعد إلقاء القبض على ثلاثة من قيادات “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” ووجهت لهم جميعا تهما من أبرزها “الانضمام إلى جماعة إرهابية وإذاعة بيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام والإضرار بالمصلحة العامة واستخدام حساب على الإنترنت في نشر أخبار كاذبة”. وهي التهم المعهودة ذاتها، لكل مَن يخالف النظام، أو يعمل على خلاف من إرادته. وقد جاء ذلك كرد انتقامي، على زيارة قام بها 13 سفيراً ودبلوماسياً غربياً معتمداً لدى القاهرة، إلى مقر المنظمة لبحث حالة حقوق الإنسان في البلاد، وهو ما أكدته المفوضية السامية لحقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة.

نحو مستقبل أفضل

وجاء رد فعل الرئيس المصري على مواجهته ونظامه بجرائم لا تنتهي، ذلك خلال مؤتمره الصحافي الأخير مع الرئيس الفرنسي في باريس ــ والذي أصبح بدوره يمينياً أكثر من اليمين ــ نافياً ما يحدث قائلاً “هناك أكثر من 55 ألف منظمة مجتمع مدني تعمل في مصر، ولا يليق تقديم الدولة المصرية بكل ما تفعله من أجل شعبها واستقرار المنطقة على أنها نظام مستبد”. كما أشار سيادته إلى أنه مُطالب بحماية دولة من تنظيم متطرف أنشئ منذ أكثر من 90 سنة، واستطاع خلال هذه المدة من إنشاء قواعد في العالم كله وليس مصر فقط، لافتا إلى ضرورة النظر إلى أوضاع العديد من الدول التي تعاني ويلات الإرهاب مثل ليبيا وسوريا والعراق واليمن وأفغانستان وباكستان ولبنان. وختم كلمته الحكيمة قائلاً “نحن أمة تجاهد من أجل بناء مستقبل لشعبها في ظل ظروف في منتهى القسوة فى منطقة شديدة الاضطراب”.

احتفالات وإنجازات

لم يفوّت النظام المصري الفرصة، وقام بدوه بالاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان، متحدثاً في ما يبدو عن إنسان آخر لا يعيش على أرض مصر. ونبدأ بكلمة وزير الخارجية المصري، ورئيس اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، الذي أكد قائلاً “إن الجهود الوطنية المبذولة للارتقاء بحقوق الإنسان تتأسس بناءً على توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالاهتمام بكافة حقوق الإنسان، سواء الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو المدنية والسياسية، كجزء أساسي من خطة التنمية الشاملة للدولة، من واقع قناعة ذاتية بأهمية حقوق الإنسان باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات الدولة المدنية الحديثة”.

قصر نظر

بدوره أشار رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى نقطة في غاية الأهمية، ربما بسببها لا نستطيع تقدير التقدم الملموس، فيقول “إن مصر استطاعت تحقيق خطوات ملموسة في كافة القطاعات مما ساهم في تحسين وضع حقوق الإنسان، فحقوق الإنسان ليست هي الحقوق السياسية فحسب، لكنها تشمل أيضا الحق في الصحة والتعليم والعمل والعلاج وغيرها من الحقوق التي شهدت تحسنا كبيرا”. النبرة نفسها أو النسخة نفسها يقرأ منها الكثير من المسؤولين المصريين، فيجب التوسع في مفهوم حقوق الإنسان، ولا داعي لقصر النظر في حصرها سياسياً، ومن جانبها أضافت رئيس المركز المصري للدراسات الديمقراطية الحرة أن هناك استراتيجية شاملة لمصر في ملف حقوق الإنسان، والتي لا تقتصر على مبدأ معين، لكنها تجمع بين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
أما رئيس المنظمة المتحدة الوطنية لحقوق الإنسان ــ وما هي إلا اسماء سميتموها ــ فيرى أن مصر قطعت شوطاً كبيراً في شتى النواحي المتعلقة بحقوق الإنسان، في مقدمتها تعزيز حقوق المرأة وتمكينها بجميع المجالات، فحرصت الدولة على تنفيذ التوصيات الخاصة بمواجهة العنف ضد المرأة، من خلال سن التشريعات وإصدار القوانين وترسيخ مبدأ المساواة.

وهتاخد واحد هدية

و”مش كده وبس، عندنا عروض أكتر” فأحد أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان يقولها مدوية “إن الدولة المصرية تحقق نجاحات كبيرة في ملف حقوق الإنسان، ويتمثل هذا النجاح في قرب القضاء على فيروس سي، وعلاج أكثر من مليون ونصف مواطن إضافة إلى إنشاء 10 مدن جديدة، ومد أربعة آلاف كيلومتر طرق وكباري، وتحديث السكة الحديد، وإنشاء خطوط مترو جديدة، ومئات المشروعات العملاقة، التي تحقق للإنسان جودة الحياة” ويختتم السيد العضو عروضه الإعلانية مسترشداً بالسيد الرئيس ووجهة نظره، قائلاً “إننا مازلنا نرى فئة معينة تدعمها بعض جهات خارجية ترى حقوق الإنسان من منظور آخر، وتعتمد النموذج الأمريكي أو الأوروبي ليطبق في منطقتنا، وهذا مستحيل فأننا لا نحمل نفس الثقافة ولا درجة وانتشار التعليم، ولا المعتقدات ولا حتى العادات والتقاليد”.
وفي الأخير نستنتج أن والعياذ بالله “حقوق الإنسان” كما يعرفها الغرب، لا هي من عاداتنا ولا من تقاليدنا، يعني حاجة عيب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية