تغوص المسألة الليبية يوما بعد يوم في رمال التدويل، مع غياب القرار الليبي المستقل، جراء الصراعات الشخصية والمناطقية، بين النخب السياسية. وبالرغم من كثافة المشاركة في الاجتماعات التشاورية الموزعة بين تونس وطنجة والقاهرة وجنيف، طغى منطق المحاصصة على مخرجاتها، مع انكشاف ولاء كثيرين إلى قوى دولية واقليمية، تُوجه قرارهم وتُعرقل تقدم المسارات.
ويقول الباحث المتخصص في الشأن الليبي الدكتور عبد المجيد الجمل إن التدويل بدأ مع التدخل العسكري الفرنسي والبريطاني إلى جانب المنتفضين ضد نظام العقيد معمر القذافي في2011. وأبصر هذا التدخل العديد من التفاعلات، إذ تمثلت مرحلته الأولى بإطلاق حملة إعلامية قوية ضد نظام القذافي، بقيادة الكاتب اليميني المتطرف برنار هنري ليفي. ويؤكد الدكتور الجمل أن تقريرا للخارجية البريطانية تم نشره يوم 14 أيلول/سبتمبر 2016 أظهر بشكل واضح، أن فرنسا ساهمت، بدور فاعل، في فترة حكم نيكولا ساركوزي (2007-2012) في التعجيل بإصدار القرار ألأممي رقم 1973 بذريعة “حماية المدنيين”. لكن اتضح في ما بعد أن هذه المسألة لم تكن سوى ذريعة تم تضخيمها، لتبرير التدخل العسكري، من أجل خدمة مصالح فرنسا الاستراتيجية في شمال أفريقيا، ولإنقاذ ساركوزي من تهمة تلقي أموال من القذافي لإدارة حملته للانتخابات الرئاسية. أما المرحلة الثانية من مسار التدويل فتمثلت في إصدار الأمم المتحدة أربعة قرارات ضد ليبيا، من أبرزها القرار رقم 1973 الصادر في 17 آذار/مارس 2011. واعتبر الدكتور الجمل أن ذلك القرار هو أخطر قرار دولي خلال فترة الانتفاضة، التي انطلقت من بنغازي في 17 شباط/فبراير 2011. وشكل صدور ذلك القرار تحولا في طبيعة الأزمة الليبية، إذ لم يعد نظام القذافي يواجه انتفاضة داخلية، بل تدخلا عسكريا خارجيا ضد الدولة الليبية.
من هذه الزاوية التاريخية تبدو دعوة وزير الخارجية الفرنسي، جان ايف لودريان، إلى “ضرورة وضع حد للتدخل الأجنبي في ليبيا وتقديم الدعم لتنفيذ وقف إطلاق النار ولجهود الأمم المتحدة” كلاما مثيرا للضحك، خاصة أنه هو مهندس التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل والصحراء منذ كان وزيرا للدفاع في عهد الرئيس السابق فرانسوا أولاند.
ومع تعثر أجندة الاجتماعات بين الفرقاء الليبيين في غدامس، تحركت فرنسا في اتجاه العواصم المعنية بالملف الليبي لتستعيد دورها السابق، الذي خطفته منها أمريكا في الأشهر الأخيرة. وفي السياق استضافت الرئيس الفرنسي في باريس الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبحثا في تنسيق الجهود، خاصة في ظل الاخفاقات المتكررة لحليفهما الجنرال حفتر. وفي الفترة نفسها زار لودريان الدوحة لتذويب الجليد مع قطر، التي تسلك مسارا مختلفا يدعم حكومة الوفاق ولا يعترف بانقلاب حفتر على المؤسسات المنبثقة من اتفاق الصخيرات (2015).
لم يتضح ماذا كان يريد لودريان من القطريين بالتحديد، لكن تحذيره من أن الحوار السياسي “مهددٌ من قوى إقليمية” في إشارة إلى تركيا، كان تعبيرا عن محاولة لدق إسفين بين أنقرة والدوحة. والظاهر أن باريس تراجعت عن موقفها الرافض لإجراء انتخابات عامة في 2021، وباتت تشترط وقفا دائما لإطلاق النار ووضع حد للتدخل الأجنبي “من أجل انتقال موثوق إلى الانتخابات العامة” على ما قالت الخارجية الفرنسية في بيان لها.
استعدادات فنية
على الأرض بدأت الاستعدادات لإجراء الانتخابات تأخذ منحى عمليا، بعدما خصصت حكومة الوفاق موازنة للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وكان رئيس المفوضية عماد السائح شرح للمشاركين في اجتماعات تونس التشاورية أن جهاز المفوضية على استعداد من الناحية الفنية للاضطلاع بالمهمة المطلوبة منه، إلا أنه يحتاج إلى الاعتمادات المالية اللازمة. وتزامنت هذه الخطوة مع تحقيق تقدم في المسار الاقتصادي، تمثلت بالاتفاق على عقد اجتماع قريبا لمجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، بعد تجاذبات عنيفة بين حاكم المصرف صديق الكبير ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله. ومن المتوقع أن يتناول الاجتماع توحيد سعر الصرف بين جناحي المصرف المركزي في طرابلس وبنغازي، في سياق تمهيد الطريق لتنفيذ أحد مخرجات “ملتقى الحوار السياسي الليبي” في تونس.
غير أن صراعا جديدا يرقى إلى اختبار للقوة، ثار أخيرا بين الكبير ووزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا، على خلفية توجيه الثاني بمنع الكبير من السفر في مهمة رسمية. واتهم مصدر في وزارة الداخلية تحدث إلى بوابة “الوسط” الليبية، صديق الكبير بابتزاز الحكومة والوزارة عن طريق تجميد كل أرصدة الداخلية وتعليق اعتماداتها لدى جميع المصارف، بحجة إمساك رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، صنع الله عن تحويل إيرادات بيع النفط إلى حسابات المصرف المركزي. وفي نظام اقتصادي ريعي كالنظام الليبي، تُعتبر مثل تلك الخطوة خنقا للحكومة وللوزارات المعنية، خصوصا أن الليبيين يعانون منذ فترة بعيدة من شح السيولة في المصارف التجارية، ما يجعلهم يقفون في طوابير بانتظار دورهم، ليحصلوا في الأخير على مبالغ زهيدة لا تعكس أرصتهم الحقيقية لدى المصارف.
وأظهرت تقارير اقتصادية أن الليبيين باتوا يعتمدون على السوق الموازية للحصول على بعض الدنانير، مقابل مقايضة خاسرة بصكوكهم، بعدما اشتدت أزمة السيولة في المصارف، مما يشكل آخر الخيارات البديلة التي يلجؤون إليها في وقت لا يقبل نحو نصف التجار في معاملاتهم مع الزبائن إلا الأموال نقدا.
وأشارت التقارير إلى أن أزمة السيولة في ليبيا تشكل مصدر قلق متزايد للمواطن، إذ لا تستطيع أرباب الأسر سحب مبالغ كافية لتلبية الاحتياجات، إذ أن 3.7 في المئة فقط من العملاء قادرون على شراء المواد اللازمة لتلبية احتياجاتهم الأساسية باستخدام مبالغ النقد المسحوبة من البنوك خلال الثلاثين يوما الماضية.
عقبات على المحور السياسي
لا يقل الوضع تعقيدا على المحور السياسي، بعدما تفجر خلاف قديم جديد حول مدى شرعية عقد جلسة برلمانية رسمية، لا يحضرها رئيس البرلمان عقيلة صالح. ومن شأن هذا الخلاف أن يحول من دون الوصول إلى توافق على عقد جلسة لاختيار شاغلي المناصب التنفيذية الجديدة، والتي يُشترط إجازتها من مجلس النواب، لكي تصبح نافذة. إلى ذلك الخلاف على اعتماد التسميات، سُجل أيضا تبادل اتهامات بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، بين أنصار حكومة الوفاق والمؤيدين للجنرال حفتر.
وتفجرت الخلافات الراهنة عندما تمت برمجة جلسة برلمانية موحدة بمدينة غدامس جنوب غرب طرابلس، لانتخاب رئاسة جديدة للمجلس، عملا بما جاء في مشاورات طنجة المغربية، التي عملت على توحيد المجلس، بعد سنوات من الانقسام. غير أن المجتمعين الـ127 اتفقوا خلال الاجتماع على إرجاء الجلسة إلى 21 و22 كانون الأول/ديسمبر الجاري، لتمكين أكبرعدد من النواب من الحضور. والجدير بالذكر ههنا أن مثل هذا الاتفاق بين 127 نائبا هو الأول من نوعه منذ سنوات.
وإلى جانب الخلاف على مسألة الرئاسة، اعتبر عدد من النواب أن عقد اجتماع للمجلس خارج مدينتي بنغازي (المقر الرسمي للبرلمان) وطبرق (المقر الوقتي) غير شرعي. كما طالب آخرون بأن تصدر الدعوة إلى الجلسة من رئيس البرلمان. بيد أن هناك أصواتا اقترحت أن تخصص الجلسة الأولى لتعديل اللائحة الداخلية، ما يمنح صلاحيات لنائب الرئيس، من بينها عقد جلسة رسمية برئاسته، وبعدها تنطلق الجلسات الأخرى، خاصة أن إحدى المواد تشير صراحة إلى عقد جلسة في حالة عجز الرئاسة عن تنظيمها أو تعمُد الإضرار بمصلحة البرلمان. وبناء على هذا الجدل تطورت الأمور إلى طرح أسماء لرئاسة البرلمان. وذهب النائب أبوبكر بعيرة إلى حد المطالبة بتفعيل بند سحب الثقة من الرئيس الحالي للبرلمان. ورأى بعيرة أنه كان على رئيس البرلمان ونائبيه الانضمام إلى النواب المجتمعين في غدامس، وأن الدعوة لاجتماعات موازية في بنغازي “تؤدي إلى مزيد من تعميق الأزمة”.
ودافع عضو مجلس النواب خليفة الدغاري،على موقف مماثل، مؤكدا في تصريحات صحفية أنه “ليس أمام رئاسة مجلس النواب سوى الانصياع وحفظ ماء وجهها وتقديم استقالتها بعد الفشل الذريع في لم شمل ممثلي الشعب واستحواذ رئيسه (عقيلة صالح) على سلطات وصلاحيات المجلس وإصداره العديد من القوانين من دون عرضها في اجتماعات المجلس، وهي أسباب كافية تؤكد العرقلة المتعمدة وتجاوز رئيس البرلمان لاختصاصاته” بحسب ما قال.
مرحلة حرجة
واعتبر الدغاري أن أعضاء مجلس النواب ناقشوا خلال لقاءاتهم في طنجة وغدامس “كل ما من شأنه العودة الكاملة للمجلس إلى المشهد السياسي، لممارسة دوره خلال هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد، وكل الضمانات لعقد جلسة صحيحة بجدول أعمال واضح البنود وبحضور 127 نائبا من خلال البيان الذي صدر في مدينة غدامس” مُشددا على “ضرورة انصياع الرئاسة لصوت نواب الشعب بعد أن رفضت هيئة الرئاسة مناقشة البند الخاص بعقد جلسة تجمع شتات المجلس”.
ومن شأن المناكفات والصراعات المستحكمة بين الشرق والغرب إضعاف الموقف الليبي وفتح معابر للتداخلات الخارجية التي تسعى لمعاودة ترتيب الأوضاع في ليبيا بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. غير أن المهم أن تشكيلة السلطة التنفيذية الجديدة التي يتوقع أن يتم التوافق عليها قبل 21 الجاري، لن تحظى بالشرعية ما لم يُجزها البرلمان، ولذلك أعطيت للجميع فسحة بأكثر من عشرة أيام، على أمل تجاوز كل هذه العقبات وإيجاد توافق حول تشكيل سلطات تنفيذية جديدة.