نيران ثورة الجياع ضد أحزاب الفساد والفشل تلسع كردستان العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: دخلت الأزمة الاقتصادية الخانقة في إقليم كردستان العراق، منعطفا خطيرا بعد انتشار التظاهرات الغاضبة من تردي الأوضاع الاقتصادية إلى مزيد من المدن الكردية، مصحوبة بإحراق مقرات الأحزاب المتحكمة بالسلطة في الإقليم، مع انتقادات محلية ودولية لسقوط المزيد من الشهداء والجرحى جراء قمع القوات الأمنية الكردية للمتظاهرين.
وفي سيناريو مكرر، غادر إقليم كردستان فترة الهدوء والاستقرار، ولحق بباقي محافظات العراق التي تشهد تظاهرات شعبية غاضبة على سياسة الأحزاب الحاكمة وفشلها في إدارة البلاد وانشغالها بمصالحها الخاصة. وكما في تظاهرات الوسط والجنوب التي شهدت سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى طوال أكثر من عام على الحراك، فإن أعداد الشهداء والجرحى في الإقليم بدأت تتوالى وتنذر بتدهور الأوضاع في الإقليم الذي يتمتع بالإدارة الذاتية.
والمتتبع لردود أفعال حكومة الإقليم إزاء التظاهرات، يلمس انها عكست تهربا من مسؤوليتها عن الأزمة الاقتصادية ونتائج سوء علاقة الإقليم بالمركز، حيث اكتفت بإلقاء الاتهامات على الآخرين، فتارة تتهم بغداد، وتارة تتهم أحزاب المعارضة، ووصلت إلى اتهام حزب العمال التركي المعارض (المتواجد شمال العراق) بتأجيج التظاهرات وحرفها عن مسارها السلمي، دون أن تعترف بان جوهر أزمة الإقليم، يتلخص في ان بغداد قطعت رواتب الإقليم بسبب قيام حكومة الإقليم بتصدير النفط من شمال العراق عبر تركيا وإيران منذ سنوات دون تسليم عائداته للخزينة الاتحادية حسب الدستور، إضافة إلى احتفاظ أربيل بعائدات المنافذ الحدودية والضرائب لنفسها. ولذا أشارت تسريبات في بغداد إلى ان القوى الشيعية هددت رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي بإقالته من رئاسة الوزراء، إذا أقدم على تسليم الإقليم أي مبالغ دون استلام بغداد عائدات بيع 250 ألف برميل يوميا من النفط المصدر من الشمال وأموال المنافذ والضرائب المتراكمة لدى أربيل.
وإذا كان السبب المباشر للتظاهرات الغاضبة في محافظة السليمانية، هو الاحتجاج على تأخر صرف رواتب الموظفين، فإنه ليس وحده المحرك للتظاهرات، بل هناك أسبابا أخرى مثل البطالة ونقص الخدمات وفساد الأحزاب الحاكمة. مع توقعات لبعض الناشطين بانتقال التظاهرات إلى أربيل رغم المخاوف من القبضة الأمنية الصارمة فيها.
ويذكر ان هذه التظاهرات ليست الأولى في إقليم كردستان ضد الفقر والفساد وحكم العائلتين (بارزاني وطالباني) حيث سبق ان اندلعت تظاهرات مماثلة في الإقليم لنفس الأسباب، في الأعوام 2012 و2017 و2018 وكانت السلطات الأمنية تقمعها بالقوة في كل مرة.
وعموما فقد قوبل استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، بانتقادات واسعة، ومنها تأكيد مفوضية حقوق الإنسان في العراق “رفضها إجراءات تكميم الأفواه ومنع التظاهر السلمي واستخدام القوة المفرطة” معبرة عن “القلق البالغ للإجراءات الحكومية والأمنية التعسفية في التعامل مع الوقفات الإحتجاجية المطالبة بالإستحقاقات الدستورية والقانونية لمواطني الإقليم” إضافة إلى “غلق القنوات الفضائية” فيما أعلنت المفوضية عن سقوط 8 شهداء ونحو 54 من الضحايا والجرحى في التظاهرات حتى التاسع من كانون الأول/ديسمبر. كما ادانت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” العنف ضد المحتجين في إقليم كردستان، داعية إلى التهدئة، ومؤكدة على ضرورة “حماية الحق في الاحتجاجات السلمية”.
وفيما أعلن 37 نائبا كرديا معارضا، من مجموع 111 نائباً في برلمان الإقليم، اعتصاما مفتوحا، احتجاجا على استخدام العنف ضد المتظاهرين، فإن عضو برلمان كردستان عن حركة التغيير علي حمة صالح، هاجم مجلس نواب الإقليم، معتبراً أن “عدم عقد جلسة البرلمان لمناقشة أوضاع الإقليم واستشهاد المواطنين واعتقال 350 شابا، يثبت تحوله لأداة بيد المفسدين”.
وعدا هذه المواقف، فاللافت بروز تصريحات منددة بقمع المتظاهرين، من سياسيين بارزين مشاركين في العملية السياسية، أمثال القيادي بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني ملا بخيتار، الذي دعا لانتخابات مبكرة بكردستان وتسليم النفط إلى بغداد دون تأخير، مؤكدا إنه “لیس لدی إقلیم كردستان أي حلول للمشاكل المالية” ومطالبا بـ”اعتبار قتلى التظاهرات شهداء”.
أما السياسي الكردي المخضرم والنائب السابق محمود عثمان، فكان أكثر وضوحا عندما كشف “ان التظاهرات في السليمانية هي تعبير عن معاناة الشعب الكردي، التي تهيمن عليه إدارتان الأولى في أربيل والثانية في السليمانية وكل له صلاحياته الخاصة”. وأكد عثمان ان “تظاهرات السليمانية ليست لأجل عدم دفع الرواتب فحسب، بل انها نتيجة لسوء إدارة الإقليم وهيمنة بعض العوائل والقيادات في الحزبين على أموال الشعب الكردي” محذرا من ان “التظاهرات ستستمر وتتوسع في حال إصرار الحزبيين على الهيمنة على مصالح الشعب الكردي”.
وقد وصف العديد من النواب الكرد ومنهم ريزان شيخ دلير وسيروان بابان وآلاء الطالباني وسروة عبد الواحد وغيرهم، ما يجري في الإقليم بانه “ثورة جياع” محملين الأحزاب الكردية مسؤولية ما يجري في كردستان ومحذرين من خطر يهدد الإقليم إذا استمرت هذه الأزمة.
وأصبح واضحا ان وهم الاستقرار والازدهار في كردستان العراق واختلافه عن باقي أجزاء العراق، قد تلاشى على يد المتظاهرين الغاضبين، ضد الإدارة الفاشلة للإقليم واهمالها مصالح وحقوق سكانه، لخدمة مصالح الأحزاب الحاكمة المدعومة من الغرب، مع القناعة بأن إجراءات حكومة الإقليم، لن تستطيع إيجاد الحلول المناسبة لأزماته المزمنة، لأنها بعيدة عن الأسباب الحقيقية للأزمة، ألا وهي استئثار الحزبين الحاكمين بموارد الإقليم. ومما لا شك فيه ان حكومة بغداد، لا يمكنها مد يد العون لحكومة أربيل، ليس لأنها غارقة في أزمات مشابهة أشد تعقيدا فحسب، بل لأن الانتخابات المقبلة على الأبواب، وهي الموسم المفضل للأحزاب في التنافس الانتخابي والمزايدات والتحشيد الطائفي والقومي، وبالتالي فالمعطيات تشير إلى استمرار التظاهرات في الإقليم إلى مدى غير محدد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية