هل تدفعها للتراجع أم التصعيد؟  تركيا تواجه عقوبات أوروبية وأمريكية في يوم واحد

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: أعلن الاتحاد الأوروبي التوافق على فرض عقوبات على تركيا بعد أشهر طويلة من التلويح والتهديد بسبب عمليات التنقيب التركية شرقي البحر المتوسط، وبالتزامن مع ذلك مرر مجلس النواب الأمريكي ميزانية وزارة الدفاع التي تتضمن فرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها منظومة 400  s الدفاعية الروسية.
وبعيداً عن تفاصيل العقوبات الأوروبية والأمريكية والتقديرات المختلفة حول ما إن كانت عقوبات مؤثرة وقاسية أم أنها مجرد عقوبات مخففة أو “شكلية” فإن التوافق الأوروبي الأخير على فرض عقوبات وتمرير الكونغرس واحتمال توقيع الرئيس على لائحة العقوبات الأمريكية يعني أن العلاقات التركية مع أوروبا وأمريكا دخلت مرحلة جديدة حساسة تفتح الباب واسعاً أمام احتمالات التراجع أو التصعيد غير محسوب العواقب لكافة الأطراف.
وعقب أشهر طويلة من التهديد والتلويح، توافقت دول الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات جديدة على تركيا، لكن هذه العقوبات بقيت محدودة جداً ولم تلب طموحات المحور المتشدد الذي طالب بعقوبات “قاسية” على أنقرة، وهو ما يشير إلى أن ما جرى هو ليس توافقا على ضرورة “معاقبة تركيا” بقدر ما هي محاولة لمنع الانقسامات والخلافات داخل الاتحاد الأوروبي ولإرضاء الأطراف الضاغطة باتجاه العقوبات ومنع الصدام مع تركيا في نفس الوقت.
وبينما تقود فرنسا واليونان وقبرص الجنوبية والنمسا المحور المتشدد الذي يطالب بفرض عقوبات “قاسية” على تركيا تشمل فرض حظر على تصدير الأسلحة وعقوبات على قطاعي البنوك والطاقة إلى جانب اتفاقية التجارة الحرة، يعارض المحور الآخر الذي يضم ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ودولا أخرى كبلغاريا والمجر ومالطا، سياسة العقوبات على تركيا ويضغط باتجاه الحوار ومنع التصعيد.
وفي ظل وجود محورين أحدهما متشدد نحو عقوبات “قاسية” وآخر يرفض سياسة العقوبات، ولمنع حصول انقسام داخل الاتحاد، جرى التوافق على فرض عقوبات وصفتها بعض الأوساط بـ”الشكلية” في هذه المرحلة، وتشمل عقوبات “فردية” على أشخاص مرتبطين بعمليات التنقيب المتواصلة شرق المتوسط من قبيل تجميد أموالهم -غير الموجودة أصلاً في البنوك الأوروبية- ومنع سفرهم وحزمة أخرى من العقوبات “غير المؤثرة”.
وفي ظل فهم تركيا لهذه المعادلة وبدلاً من اتباع السياسة المعتادة في مهاجمة الاتحاد الأوروبي ودوله، فضل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اللعب على هذا الوتر متجاهلاً الحديث عن عقوبات ورد تركي وركز على القول إن “مواقف الدول الأوروبية العقلانية أحبطت مخططاً لفرض عقوبات مشددة ضد تركيا في قمة بروكسل” لافتاً إلى أن القمة “لم تلب مطالب بعض الدول لأنها لم تكن محقة”.
وعلى نفس المنوال، نُسج بيان الخارجية التركية رداً على قرارات القمة الأوروبية، حيث جاء فيه: “نرفض الموقف المتحيز وغير القانوني والذي لم يتم تبنيه من قبل غالبية دول الاتحاد الأوروبي، وتم ادراجه في نتائج قمة الاتحاد الأوروبي بسبب ضغوط التضامن (بين دول الاتحاد) وحق النقض، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا قبرص، وشرق الأبيض المتوسط، ​​وبحر إيجة والقضايا الإقليمية”.
هذا الخطاب، يظهر رغبة تركيا في تجنب التصعيد ومساعدة المحور المعادي للعقوبات في فرض أجندته داخل أطر الاتحاد باعتبار أن أي تصعيد سوف يساعد المحور الفرنسي اليوناني في فرض أجندته والمطالبة بعقوبات أشد في القمة المقبلة المقررة في آذار/مارس المقبل والتي ستكون وقتها عقوبات أشد ومؤثرة. وبالتالي فإن أنقرة ترغب حتى ذلك الوقت في حدوث اختراق في المباحثات السياسية وفتح قنوات اتصال جديدة ربما تساهم في استئناف المباحثات الاستكشافية مع اليونان برعاية ألمانية وعودة اليونان لآلية فض الاشتباك في إطار الناتو، لخلق أجواء إيجابية وخفض التصعيد بشكل عام، لتجنب مزيد من العقوبات وإفراغ العقوبات الحالية من مضمونها.

العقوبات الأمريكية

وبالتزامن مع العقوبات الأوروبية، صادق مجلس النواب الأمريكي، بأغلبية ساحقة على مسودة الميزانية الدفاعية بقيمة 740 مليار دولار، على الرغم من معارضة الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب. وصوت 335 نائبا لصالح المسودة مقابل 78 صوتا ضدها، ما يشير إلى أن المجلس سيتمكن من تجاوز فيتو الرئيس ترامب في حال قرر استخدامه.
وتضمنت مسودة القانون مطالبة بفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها صواريخ  400  s الروسية وذلك وفق قانون معاقبة الدول المتعاونة مع خصوم الولايات المتحدة الأمريكية المعروفة بـ”كاتسا” بسبب شرائها من روسيا صواريخ 400  s على أن يبدأ فرض العقوبات عليها بعد 30 يوماً من المصادقة على الميزانية، وهو ما يشير إلى أن هذه العقوبات التي أجلها ترامب مراراً لم تأت بإرادة كاملة منه في الأيام الأخيرة من ولايته وإنما بسبب استحقاق تمرير ميزانية الدفاع وقدرة المجلس على تمرير العقوبات حتى لو استخدم الرئيس الفيتو ضدها.
لكن الرئيس تبقى لديه صلاحية اختيار عقوبات ما بين الخفيفة والمتوسطة والمشددة وهو ما سيكشف عن التوجه الحقيقي للرئيس الأمريكي، حيث تطالب المسودة الرئيس بتطبيق 5 بنود على الأقل من أصل 12 بنداً يتضمنها قانون “كاتسا” كما تطالب المسودة بالبدء في البحث عن شركات بديلة عن الشركات التركية المساهمة في تقديم أجزاء من المقاتلة الأمريكية “إف 35” بعد إخراج تركيا من برنامج التصنيع.
وحدّدت المسودة شروطاً لرفع العقوبات، وهي: “بعد فرض العقوبات لعام، يقدم الرئيس إلى لجان الكونغرس المعنية تقريراً يتضمن التأكد من عدم وجود أي أسلحة روسية على التراب التركي، والتأكد من عدم تشغيل المنظومة من قبل أي شركة روسية أو ما يمثل الدولة الروسية، والتأكد من عدم تفعيل المنظومة الصاروخية وتعهد تركيا بعدم الحصول عبرها أو عبر أي شركة وسيطة تشتري باسمها هذه المنظومة”.
اردوغان وفي أول تعقيب له اعتبر أن استخدام العقوبات ضد بلاده إساءة لشريك هام في حلف شمال الأطلسي “ناتو” مضيفاً: “سنرى التوجهات الجديدة في الولايات المتحدة بشكل أفضل عقب تسليم السلطة وسنتريث قبل تقييم الأمور” في مؤشر واضح على نية أنقرة التريث وعدم رفع مستوى الخطاب أو اتخاذ خطوات مضادة من قبيل الإعلان عن عقوبات مضادة أو تفعيل المنظومة الروسية وذلك إلى حين تولي الإدارة الأمريكية الجديدة مهامها، حيث تؤمن أنقرة في قدرتها على فتح قنوات اتصال إيجابية مع الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن.
وفي هذا الإطار، أكد اردوغان أن بايدن شخص يعرفه عن قرب ولديه علاقات قوية معه مذكراً بزيارته له في منزله بالعاصمة أنقرة، فيما قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن إن بلاده تؤمن بإن علاقات بلاده مع أمريكا في عهد بايدن ستكون جيدة للغاية، وهو تقدير يدفع أنقرة للتروي وتجنب الصدام مع إدارة بايدن قبيل قدومها على أمل تجنب المزيد من التصعيد والعقوبات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية