يواجه اللبنانيون، أسوأ انهيار مالي في تاريخهم المعاصر، ويتعرضون لأسوء أزمة اقتصادية ، رغم الحروب الأهلية والتوترات الأمنية والانهيارات الاجتماعية التي شهدتها البلاد منذ العام 1975.
ومع انهيار العملة الوطنية وارتفاع الأسعار، سقط الكثير من اللبنانيين في براثن الفقر وصاروا أكثر اعتمادا على المدعوم من الأغذية والأدوية والوقود والاتصالات .
ورغم أنها ليست المرة الأولى التي يتعرض لها لبنان للانهيار المالي والاقتصادي، إلا أنه لم يصل إلى هذا الحجم من الخطورة، وكان في كل مرة يجد الدول العربية والأجنبية والبنك الدولي إلى جانبه تقدم له المساعدات والقروض والهبات والودائع دعما للعملة الوطنية وانقاذا للاقتصاد اللبناني.
إلا أن الدول المانحة والداعمة كما جرت العادة خلال العقود الماضية، أوضحت أنها لن تقدم مساعدات مالية جديدة للبنان، ما لم تبدأ القيادات والقوى اللبنانية المسيطرة بإصلاحات جادة لوقف الفساد ومعالجة مشكلات الكسب غير المشروع وتحسين الحوكمة والدخول في مفاوضات جادة مع صندوق النقد الدولي.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة التي يشهدها لبنان، يبدو أن الشارع على موعد مع أزمة جديدة، تطال هذه المرة السلع الغذائية والمواد الأساسية التي ما زالت الدولة تدعمها وتضبط أسعارها من الفلتان.
ويتجه مصرف لبنان بشكل جدي إلى رفع الدعم عن السلع الأساسية (القمح والمشتقات النفطية والأدوية) التي يستوردها من الخارج على أساس سعر الصرف الرسمي بسبب انخفاض احتياطي المصرف بالعملات الأجنبية.
“القدس العربي” تابعت آراء ناشطين وخبراء اقتصاد حول مخاطر رفع دعم مصرف لبنان المركزي عن المواد الاستهلاكية والغذائية والأدوية والمحروقات.
وأوضح الخبير الاقتصادي د. جوزيف عبود، أنّ الاحتياطي الإلزامي الّذي يجب أنّ يتوفّر في المصرف المركزي هو 17.5 مليار دولار، فيما يقدر مجموع الاحتياطي الموجود لدى المركزي بـ20 مليار دولار تقريباً، ما يعني أنّ المبلغ القابل للاستخدام راهناً لدى المصرف المركزي يتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار، ويحتاج دعم المواد الأساسية المذكورة حوالي 600 إلى 800 مليون دولار شهرياً، وبالتالي لن يكون قادراً على دعم السلع حتى نهاية العام الحالي.
ويؤكد د. عبود لـ”القدس العربي” على أن الوضع في لبنان، سيتجه إلى المزيد من الخطوة والانهيار الاجتماعي في حال أوقفت الدولة اللبنانية الدعم على المواد الأساسية والاستهلاكية، محذرا من أن ذلك يرفع من نسبة الفقر، وحتما يودي إلى انفجار اجتماعي تعمه الفوضى والتوترات الأمنية.
وطالب الحكومة اللبنانية والقوى المسيطرة الإسراع في البحث عن حلول سريعة ومثمرة، توقف الانهيار وإيجاد الطرق التي يمكن من خلالها دعم الليرة اللبنانية.
ويتفق جميع الخبراء على أنّ أسعار السلع الاستهلاكية التي ارتفعت ارتفاعاً جنونياً في الأشهر القليلة الماضية، فاقت قدرة غالبية الناس الشرائية، لاسيّما أنّ الرواتب والأجور لا تزال على حالها، وبالتالي فإنّ رفع دعم المصرف المركزي للمواد الرئيسية، وأيّ زيادة في الأسعار ستنتج عن رفع الدعم، سيكون أثرها كارثيا على اللبنانيين، ما سيتسبب بفوضى كبيرة في المجتمع.
وفور رفع الدعم عن المواد المذكورة، سيتوجّه التجّار إلى السوق السوداء من أجل تأمين الدولار (البديل) لاستيراد السلع، ما سينعكس ارتفاعاً في أسعارها، بعد أن يرتفع مجددا الطلب على الدولار وتنخفض قيمة العملة الوطنية.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أنّ حجم القطاعات التي يدعمها مصرف لبنان منذ أيلول/سبتمبر الماضي، عبر تغطية استيرادها بالدولار على أساس سعر الصرف الرسمي، يبلغ نحو 6.5 مليار دولار سنوياً. تتوزّع هذه القطاعات على شركات استيراد النفط (3 مليارات دولار ما عدا استيراد الدّولة المباشر لحاجيات منشآت النفط ومؤسسة كهرباء لبنان) والأدوية (مليار إلى 1.3 مليار دولار) والقمح (600 مليون دولار) والمستلزمات الطبية (400 مليون دولار).
وتناقلت مصادر إعلامية لبنانية أن المصرف لا يستطيع مواصلة دعم الوقود والقمح والدواء لأكثر من 3 أشهر مقبلة في ظل تناقص احتياطيات العملات الأجنبية.
وقال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في بيان له، إن المصرف لا يستطيع استخدام الاحتياطي لتمويل التجارة، وأنه بمجرد الوصول لعتبة الاحتياطات، يتوقف الدعم.
لذلك يقف لبنان اليوم على مفترق طرق قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي واجتماعي مع استمرار انهيار الليرة وتوجه الدولة إلى رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية والمحروقات والدواء.
ورفع الدعم في لبنان من شأنه أن ينعكس سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين وتزايد نسبة الفقر بشكل غير مسبوق وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل وإقفال عدد كبير من المؤسسات الاقتصادية.
وهذا بدوره سيشكل دافعا لتعميم الفوضى الأمنية والسرقات والجرائم ولتحركات شعبية واسعة، ومظاهرات تعم مناطق مختلفة من لبنان، احتجاجا ليس على الانهيار الاقتصادي والمالي وحجم الفساد فحسب، بل أيضا على رفع دعم المصرف المركزي لسلع أساسية كان الشعب يرى فيها بريق أمل لاستمرار الحياة.
وحذر الخبير الاقتصادي وليد أبوسليمان من خطورة قرار المصرف المركزي رفع الدعم عن السلع، مشددا على أن لهذا القرار مخاطر على حياة اللبنانيين، معتبرا أن الحل الذي يتم الحديث عنه عبر توزيع بطاقات تموينية للعائلات الفقيرة لا يفي بالغرض المطلوب، وهو ما وصفه البعض بمجرد مسكنات حكومية مؤقتة.
وأشار إلى أن تكلفة الدعم الشهري للسلع تقدر بنحو 600 مليون دولار شهريا، يذهب الجزء الأكبر منه للمحروقات التي تهرّب بدورها عبر المعابر غير الشرعية إلى سوريا من دون حسيب أو رقيب بدل أن يستفيد منها الشعب اللبناني، فيما يربح سنويا تجار النفط ما يقارب 250 مليون دولار.
ويرى أن لبنان وبدل أن يرفع الدعم عن المواد الاستهلاكية وعلى رأسها القمح والدواء والمحروقات وغيرها، كان عليه أن يتولى مهمة الاستيراد ويحصل على هذه الأموال ويعمل وفق خطة واضحة لترشيد الإنفاق وضبط الحدود ومراقبة التهريب ما سيوفّر بذلك العملة الصعبة لتأمين هذه المواد.
ويوضح أبوسليمان أنه إضافة إلى رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية فإن الوقود الذي من المتوقع أيضا أن يشمله هذا القرار (يدخل في 60 في المئة من الإنتاج في لبنان) وبالتالي من شأن هذا الأمر أن ينعكس على ارتفاع جنوني في الأسعار على المواطن، حيث لا يزال الحد الأدنى للأجور محددا بـ675 ألفا، نحو 450 دولارا عندما كان سعر صرف الدولار محددا بـ1500 ليرة، لينخفض اليوم إلى نحو 80 دولارا مع ارتفاع سعر الصرف إلى حوالي 8500 ليرة.
وحذّر من انعكاس رفع الدعم، ويعطي مثالا على ذلك، أن ربطة الخبز تباع اليوم بألفي ليرة، ومن المتوقع أن ترتفع إذا اتخذ القرار إلى نحو 10 أو 11 ألف ليرة، وهو الأمر الذي لن يختلف عن المواد الغذائية والاستهلاكية بشكل عام.
لافتا إلى أن رفع الدعم هو كارثة إنسانية بالنسبة إلى اللبنانيين حيث ستتزايد نسبة الفقر وقد تصل إلى مرحلة الجوع حيث من المتوقع أن يتحول لبنان إلى بلد تسوده شريعة الغاب حيث يبقى الهم للمواطن تأمين لقمة عيشه بأي طريقة.
ورأى الناشط اللبناني بلال سالم، إن رفع الدعم عن المواد الأساسية والاستهلاكية خطير جدًا، ويعني أن احتياطي النقد في مركز العملات الصعبة قد نفد، وهو ما سيؤدي بالضرورة لثورة اجتماعية عنيفة.
وأضاف أن رفع الدعم يعني ستكون هناك أسعار جنونية، حيث يطال الغلاء الخبز والبنزين والمواد الأساسية التي يحتاجها المواطن بشكل يومي.
وأكد الناشط في اتصال مع”القدس العربي” أن قبل رفع الدعم كان هناك غلاء فاحش، لكن المواد لم تنفد من الأسواق، ومع رفع الدعم هناك الكثير من المواد الأساسية مثل حليب الأطفال والمحروقات والطحين ستباع في السوق السوداء، والدولار سيرتفع سعره بشكل جنوني.
رغم كل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يتعرض لها لبنان، يبدو أن البلد مقبل على زلزال اجتماعي بعد المداولات القائمة حول امكانية رفع دعم الدولة للسلع الاستهلاكية، وربما سيعجل ذلك بالانهيار الكامل في لبنان، وسيكون له تداعيات خطيرة جدًا على مستوى الشارع والمؤسسات.