الفقد والحنين في رواية «تشريح الاختفاء» لهشام مطر

تقديم وترجمة: لينا شدود
حجم الخط
0

لطالما كانت الحدود بين الحياة والموت شائكة وكثيرة التعقيد بالنسبة لهشام مطر؛ الروائي الليبي، الذي عانى وعائلته من تداعيات اختطاف والده، حتى إن عودته إلى ليبيا عام 2012 كانت بهدف البحث عن حقيقة ما جرى لوالده، كي يشفى من الشكوك التي تكبّل وتعيق حياته.
يسرد مطر كيف تسبّب اختفاء والده لمّا كان في التاسعة عشرة من عمره بحرمانه من التمتع بروح الشباب المتمردة إذ صار جزءاً لا يتجزأ من سلسلة لا فكاك منها من الامتنان والتذكّر واللوم والنسيان واليأس. هكذا بدتْ عودته كغيره من الأدباء المنفيين من أمثال برودسكي ونابوكوف وكونراد، بغرض الاستشفاء من ماضٍ لم يكن رحيماً معه ولا معهم.
يكتب هشام مطر، أن الإحساس بالذنب هو الرفيق الأبدي لكَ في المنفى، بل وسيصم كل رحيل آخر يتلوه، ومن الجليّ أنك حينما تبحث عن والدك المفقود، فأنت لا إرادياً تقوم بالبحث عن أشياء أخرى أيضاً، لكن ما الذي تستطيعه في حال أنك غير قادر على المغادرة، ولا على الرحيل أيضاً. وفي مراجعة هيرميون لي لرواية «تشريح الاختفاء» للروائي الليبي هشام مطر، يفسّر لنا كيف أن الفقدان والحنين يتجليان بقوة في رواية مطر، إذ يبتدئ روايته بموضوع إنساني وعاطفي عن الأب المفقود. «ثمة أوقات يكون فيها غياب والدي ثقيلاً كما لو أن طفلاً يقعي على صدري».
هذا الموضوع القاسي هو بمثابة سيرة ذاتية مؤثرة وقهرية، مطر ذو الأصول الليبية هو أيضاً مواطن من هذا العالم، إذ نشأ في نيويورك، طرابلس والقاهرة، وهو الآن يعيش في لندن. في عام 1990 اختُطف والده، رجل الأعمال الثريّ والناشط ضد القذافي من منفاه في القاهرة ليُنقَل في ما بعد إلى سجن في ليبيا، ولم يكن معروفاً ما إذا كان ميتاً أم على قيد الحياة.
في روايته الأولى «في بلد الرجال» التي أُدْرجت في القائمة القصيرة لجائزة «مان بوكر» عام 2006، تُروى الوقائع فيها على لسان الفتى الليبي سليمان البالغ من العمر تسع سنوات ليصوّر لنا الأحداث الرهيبة التي وقعت في طرابلس عام 1979، حسب روايته الخاصة، التي كانت تشمل عمليات الخطف، الرقابة من قبل الشرطة العسكرية، المحاكمات الاستعراضية، الإعدامات العلنية على التلفزيون للخونة المتهمين بالعمل ضد اللجنة الثورية، ومحاولات سحق الاحتجاجات الطلابية، بالإضافة إلى فرار العائلات إلى منافيهم في مصر. الغريب في الأمر أنه حينما تُقرأ تلك الرواية في وقتنا الحاضر تبدو مقنعة ومثيرة أكثر من أي وقت مضى. وبسبب السياسة الوحشية للسلطة تنقسم العائلة، بين الأم التي تعتقد أن الناشطين المناهضين للسلطة هم حالمون حمقى، والأب الذي كان يعمل من أجل ليبيا أفضل، وهكذا كان الصراخ غالباً ما يعلو بينهما، «كم من الوقت علينا أن نحني رؤوسنا؟». تستبد بالولد فكرة الغياب الغامض لوالده؛ رجل الأعمال الثريّ والناشط، ومن ثم ظهوره مجدّداً بعد أن اعتُقل وعُذّب ليخون في ما بعد زملاءه المتعاونين معه. تماماً كما الابن الذي تخلّى أيضاً عن أصدقائه كوالده. هنا يبدو الأمر مشابهاً لِما قام به الفتى في الرواية الأفغانية «عدّاء الطائرة الورقية» الأكثر مبيعاً في عام 2003 للكاتب خالد الحسيني.
حينما يكبر سليمان سيعاود اكتشاف تلك الرغبة المهينة التي كانت لديه في الخضوع للسلطة. تُظهر الرواية بشكل ضمني كيف أنه بمقدور أنظمة القمع السياسي أن تشوّه وتغيّر طبائع الأفراد. فيما بعد ارتأى والدا سليمان إرساله بعيداً إلى القاهرة، ومن حينها لن يلتقي والده مجدّداً، إلا أنه وبعد مضي خمسة عشر عاماً عاد ليلتمّ شمله مع والدته، وليحيا حياة متناقضة، حيث مشاعر مختلطة من الفقد والحنين ستتسرّب، كما أبخرة العفن لتصل إلى كل تفصيل صغير في هذا العمل الأدبي الموجز والجميل. غير أن الأمر هنا لم يعد مجرد قصة اختفاء الأحباء، يُدرّس الصبي تاريخ ليبيا القديم، وحينما أُخِذ ذات مرة لرؤية أطلال مدينة (لبدة الكبرى) ذات الطابع الروماني، وقتها «كان الإحساس بالفقد طاغياً وفي كل الأماكن، والأشياء ذات الأهمية جلّها كان يعود للماضي فقط».

بعد سنوات عديدة يعود نوري إلى شقة والده في القاهرة ليقوم خدم العائلة على الاهتمام بشؤونه، فصار ينام في غرفة نوم والده، ويعمل في مكتبه، ويضع ساعة يده. حتى أنه كان يجرّب ارتداء ملابسه في ما ينتظرعودته. هنا يُفهم الأمر على أنه ليس مجرد قضية اختفاء الأب، بل اختفاء الابن أيضاً، حيث تتراجع الحياة في خضم حالات من الخسران والفقد.

يتقرّب سليمان وبقوة من والدته، الناشطة النسوية، ومدمنة الكحول التي زوّجَت من والده وهي في سن الرابعة عشرة. هنا تبرز مسألة الإحساس بالفقد مجدّداً، فالراوي هو الطفل الوحيد لأم بائسة، لكنها هنا هي مجرد أم صامتة وتعيسة، إذ لم تعد تلك المرأة الغاضبة والسريعة الانفعال، التي ستموت في ما بعد لتترك ولدها وحيداً وهو في سن العاشرة. في مطلع الرواية وتحديداً في عام 1972 كان نوري الألفي حينها في الرابعة عشر من عمره و كان يسكن وعائلته في القاهرة منذ عام 1958 بعد فرار عائلته من البلد الأم بداية إلى باريس لتعود في ما بعد إلى القاهرة، البلد الذي لم يُذكر اسمه، لكن من البيّن أنه العراق، بما أن الكاتب المفضّل للأم، كان الشاعر العراقي الشهير بدر شاكر السيّاب. والده ابن تاجر حرير عربي ثريّ، وكان المستشار الدبلوماسي للملك الشاب الذي أصيب بطلق ناري في رأسه في فناء القصر، إبّان الثورة، تماماً كحادثة اغتيال الملك فيصل الثاني في ثورة عام 1958. استمرّ والد نوري كبير المعارضين في العمل كوزير سابق، في اتجاه الوقت «الذي ستعود فيه الأرض إلينا».
يفكر ابنه في الأمر كهاجس خفيّ، فلم يعد يقرأ شيئاً سوى تاريخ بلاده، باحثاً طوال الوقت عن اسمه في الفهرس. فقد كانت الحياة بالنسبة له كمنْ يحيا في أحلام اليقظة،
«وقد كان ذلك كلّه منذ زمن طويل» أنشطة والده السرّية، الملحّة والخطيرة في الرواية الأولى، تبدو هنا في الرواية الثانية مشوّشة ومبهمة، أقرب منها إلى الحلم، وأقل غموضاً. الواضح هو تلك المشاعر المرتبكة والمؤلمة بالنسبة للفتى المراهق نحو والده المتأنق صاحب النفوذ، وأمه المتوفاة وزوجة والده الثانية منى الفاتنة والمثيرة، التي وقع في غرامها منذ اللحظة التي التقاها فيها. ظهور منى في رداء السباحة المبهر بلونه الأصفر في حمام سباحة الفندق في الإسكندرية، يجعل الأمر يبدو كتمهيد دراماتيكي لمثلث غرامي شائك ومعقّد. سيطرتها العارمة على الفتى وغيرته من والده الذي يرسله في ما بعد إلى مدرسة داخلية في يوركشاير، وحنينه في المنفى، والعلاقة الحميمة العرضية التي جمعت منى ونوري معاً بعد اختفاء الأب، وافتراقهما في نهاية المطاف، كل ذلك يجعل القصة المركزية في الرواية غير سعيدة وحرجة، غير أنه ثمة علاقة أكثر أهمية وتحدث بالتوازي مع القصة الأولى، مع الخادمة نعيمة، التي أُحْضرَت للعمل في المنزل وهي في سن الثالثة عشرة، وكانت أقرب إلى نوري مما قد يتصوّر هو. خدمتها في منزل العائلة الثرية كان عبارة عن تطبيق صريح للتبعية، غير أن تجاهل نوري المراهق لها كان يتمّ بطريقة مؤثرة.
هنا تشريح الاختفاء يبدو هزيلاً، بل يتراجع تدريجياً، فالبحث عن الوالد المفقود من خلال ما يتوفر لديه من أدلّة والتماسات في كلٍّ من لندن وجنيف والقاهرة، يمنحنا الانطباع ذاته الذي يتولد لدينا عند قراءة أحد كتب الروائي الأيرلندي بريان مور، التي صدرَت مؤخراً، كـ»التقرير» و«أكاذيب الصمت» حيث عمق الشخصيات ينتظم في حالة أكثر توتراً وإثارة.
يقول هيرمون لي: هنا فقدت الإحساس بحيوية مدينة معينة في لحظة معينة، كما في رواية «في بلد الرجال» ولم أعثر على نوري المراهق، المنخرط في الروي كما سليمان البالغ من العمر تسع سنوات، لكن مجدّداً تكمن القوة في موهبة مطر وحساسيته اللافتة ببؤسها وكآبتها على تصوير الفقد والحنين.
بعد سنوات عديدة يعود نوري إلى شقة والده في القاهرة ليقوم خدم العائلة على الاهتمام بشؤونه، فصار ينام في غرفة نوم والده، ويعمل في مكتبه، ويضع ساعة يده. حتى أنه كان يجرّب ارتداء ملابسه في ما ينتظرعودته. هنا يُفهم الأمر على أنه ليس مجرد قضية اختفاء الأب، بل اختفاء الابن أيضاً، حيث تتراجع الحياة في خضم حالات من الخسران والفقد.

٭ عن «الغارديان»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية