صباح ترحل «عجناح الطير» وداع رسمي وشعبي لمن عشقت الحياة وبنت مملكة من أوف وميجانا وعتابا

حجم الخط
3

بيروت – «القدس العربي»: يوّدع لبنان الرسمي والفنيّ والشعبي «الأحد صباحه الحلو التي كانت للدنيّ صباح «في مأتم مهيب في كاتدرائيّة مار جرجس المارونية وسط غصة وحسرة على غياب الأسطورة التي استوطنت قلوب وعقول الناس أجمعين. هي التي وقفت وغنّت على أهم المسارح اللبنانية والعربية وصدح صوتها بالميجانا والاووف ويا بو زلوف والعتابا والتي ترّبعت على عرش الأغنية اللبنانية فشّكلت امبراطوريّة فنيّة بحدّ ذاتها. هي التي غنّت الوطن والحبّ والجمال والدلع البعيد عن الابتذال وحملت اسم لبنان عالياً في المحافل الفنيّة الدولية فكانت أسطورة لبنان الجميلة التي لا تتكرر لا بصوتها ولا بحضورها المحبّب ولا بأناقتها وعفويتها .
الشحرورة صباح التي انطفأ قنديلها فجر الاربعاء الماضي 26 تشرين الثاني/نوفمبر غادرت «عجناح الطير» بعد ان غنتّ «قايمة ضبّي ثيابي ورايحة لعند أحبابي ….» ممن سبقوها من أهلها وأخواتها والعمالقة منصور وعاصي الرحباني ونصري شمس الدين ووديع الصافي الذي سبقها منذ سنة الى جوار ربه هي التي أحبته ووقفت إلى جانبه في هياكل بعلبك التي اهتزّت لسماع أصواتهما وصنعا مجداً فنيّا قلّ نظيره. بكتها العيون والقلوب على الرغم من وصيتها بعدم الجزن والبكاء في رحلة وداعها الأخيرة. هي التي زرعت الفرح والخير في نفوس الجميع ايماناً منها بتعميم الفرح الذي حافظت عليه في أصعب ظروف حياتها وصولاً إلى مماتها.
خبر رحيل الصبوحة شمس الشموسة الهادئ أحدث عاصفة من المواقف والبيانات من قبل رجال السياسة والفنّ والإعلام الذين قدموا تعازيهم للعائلة والوطن وعبّروا بكلمات صادقة عن عمق الحزن الذي يختزن قلوبهم على من كانت ضحكة لبنان وصورته المشرقة أمام العالم.
وقد نعاها رئيس الحكومة تمام سلام ورجال وقيادات لبنان ورؤساء الأحزاب والتيارات والفنانون والإعلاميون وقدّموا تعازيهم الى عائلتها والى الشعب اللبناني وجميع محبيها في العالم العربي وأجمعوا على»خسارتها كقيمة فنية سامية وقامة إنسانية شامخة زرعت الفرح في قلوب الملايين على مدى عقود من الزمن ونجحت بصوتها الفريد وحضورها الذي لا يضاهى في إيصال الأغنية الشعبية اللبنانية إلى ذرى غير مسبوقة وفي احتلال موقع متقدم بين كبار فناني جيلها في لبنان ومصر وجميع أنحاء العالم العربي غير انّ العزاء الأكبر هو أن إرثها الفني سيبقى محفوراً في الوجدان».
وتصّدر خبر رحيل الصبوحة نشرات الأخبار المرئية والمسموعة والمكتوبة والمواقع الالكترونية التي خصّصت لها حلقات وبرامج خاصة تحدثت عنها بكلمات صادقة ونابعة من القلب لهذه الأرزة اللبنانية التي أعطت ما أعطته من فنّ لبلدها لبنان ولمصر وللعالم العربي وكيف انها رحلت بهدوء وصمت بعد حياة صاخبة ومشّعة ومضيئة بأضواء الشهرة وبالشائعات التي لم تفارقها حتى لحظة مماتها.
ولبنان الذي طالما احبتّه صباح وغنته وأحبّت شعبه وجيشه سيّودعها بعد ظهر اليوم (الأحد) في مأتم مهيب في كاتدرائية مار جرجس المارونيّة في وسط بيروت، حيث سيترأس الصلاة عن راحة نفسها رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر «وسط حلقات الدبكة والفرح وعزف لفرقة موسيقى الجيش اللبناني» أجمل ما غنته صباح للوطن الحبيب لبنان وللجيش مثل «تسلم يا عسكر لبنان يا حامي استقلالنا …» «صبّوا فوقك النار « يا لبنان دخل ترابك « «عامر فرحكم عامر والدار تبقى دار « وغيرها وغيرها من الأغاني التي باتت أناشيد وطنية تنفيذاً لوصيتها بان يكون يوم فرح لا يوم حزن. جثمان الصبوحة سينطلق من الحازمية بموكب رسمي وشعبي على ان يمرّ ويتوقف في محطات عدةّ أهمها بعبدا الفياضية لزيارة سانت تريز شفيعة الصبوحة بناًء لوصيتها ثم يتابع سيره باتجاه بلدات بطشاي المرداشة فمنطقة وادي شحرور التي ستقيم لها استقبالاً تكريميّاً وسينشد حوالي 200 طفل أغاني صباح على وقع الموسيقى وحلقات الدبكة التي أوصت بها على أن تكون المحطة الأخيرة في بلدة بدادون مسقط رأسها حيث ستوارى الثرى في تراب ضيعتها التي ستقيم لها احتفالاً شعبيّاً الضيعة التي لطالما غنت لها «راجعة على ضيعتنا وعلى الأرض اللي حبيتنا».
وسيطلق رئيس البلدية مفاجأة سارة لمحبيّ وعشّاق الصبوحة باقامة متحف خاص بها تعرض فيه ملابسها وصورها وأغانيها وأفلامها ومسرحياتها تخليداُ لارثها الغنيّ الذهبي هي التي «سافرت عجناح الطير ……… وقالت ….تذكروني بغيابي» .
وصباح التي صنعت إلى جانب العمالقة الكبار في لبنان مجداً فنيّاً لا تمحوه الذاكرة اسمها الأصلي هو جانيت فغالي. ولدت في العام 1927 في حي الفغالية في وادي شحرور وتعلّمت في مدرسة القلب الأقدس في الجميزة وبدأت مشوارها الفنيّ في لبنان منذ الصغر فلفتت انتباه المنتجة السينمائية اللبنانية الأصل آسيا داغر التي كانت تعمل حينها في القاهرة فأوعزت إلى وكيلها في لبنان قيصر يونس بابرام اتفاق معها لثلاثة أفلام دفعة واحدة تتقاضى بموجبه 150 جنيهًا مصريًا عن الفيلم الأول على ان يرتفع السعر تدريجياً.
وإلى اسيوط في مصر غادرت صباح برفقه والدها ووالدتها اللذين حّلا ضيفين في منزل آسيا داغر في القاهرة، وكلّف الملحن رياض السنباطي بتدريبها فنيًا ووضع الألحان التي ستغنيها في الفيلم، وفي تلك الفترة اختفى اسم «جانيت الشحرورة» ليحّل محّله اسم «صباح» في فيلم «القلب له واحد».
في رصيدها الفنيّ 83 عملاً سينمائيّاً بالأبيض والأسود بين المصريّ واللبناني و27 مسرحية لبنانية وما يزيد عن 3500 أغنية باللهجتين المصرية واللبنانية.
شاركت في العديد من المهرجانات اللبنانية الدولية أمثال بعلبك وجبيل وقصر بيت الدين ولها الكثير من المسرحيات التي تعاونت فيها مع الرحابنة وروميو لحود ووسيم طبارة وأبرز هذه المسرحيات:
موسم العز والقلعة والشلال وست الكلّ وحلوة كثير وعصفور سطح وفينيقيا وشهر العسل والاسطورة 1 وكنز الاسطورة. رسمت مسيرتها بصوتها وحضورها على المسارح وعبر الشاشة الصغيرة وفي أدوارها السينمائية ودخلت قلوب الجماهير من دون استئذان .
وقد احتل خبر وفاة صباح الصفحات الأولى في الصحف اللبنانية والعربية وكذلك مقدمات نشرات الأخبار التلفزيونية. وكتب رئيس تحرير صحيفة «السفير» طلال سلمان «ليس كمثلها امرأة، فهي النساء جميعاً في عشق الحياة، وليس كمثل صوتها فهي شحرورة لا تتوقف عن غوايتك لأن تحب الحياة وأبناء الحياة وأطايب الحياة..ولقد صنعت صباح مع مبدعين آخرين بعض المجد الذي يجلّل اسم لبنان عربياً كوديع الصافي وسعاد محمد ونجاح سلام ونصري شمس الدين وزكي ناصيف، إضافة إلى فيروز، لا سيما في مصر الملكية، ثم في مصر جمال عبد الناصر، وفي سوريا حيث صدحت في ليالي دمشق وحلب مراراً، وفي مختلف أنحاء شمالي أفريقيا والخليج… ولعلها أول من جذب المصريين، وسائر العرب، إلى اللهجة اللبنانية حتى غنوها معها ورقصوا نشوة وقد بلغوا ذروة النشوة. وعبر السينما، ابتداءً من الخمسينيات، أدخلت الأغنية اللبنانية إلى قلوب جماهير المشاهدين، ورفعت ممثلين إلى الذروة بإيثار منقطع النظير. لقد أضافت نجمة إلى العلم اللبناني، مثلها مثل كبار المبدعين الذين جملوا حياتنا وأغنوا وجداننا بالثقافة، شعراً ورواية وموسيقى وغناء، ثم مدوا اسم لبنان إلى القارات عبر مغتربيه، وهي قد خصتهم بالعديد من أغنياتها فشدتهم إلى الأرض أو جعلتهم يبكون لوعة الفراق…ولقد عاشت عمرها حتى حافة التسعين تحت شعارها الأثير: «أحب عمري وأعشق الحياة»… وغادرتنا ممتلئة فرحاً وقد بعثرت كل ما جنت من مال لأن الحياة الحب ثم الحب ثم الحب !وداعاً أيتها الشحرورة التي عاشت حسوناً وتنقلت كالبلبل واختتمت حياتها كمقطوعة على الناي تنتظر الإكمال… بعد ثلاثة آلاف أغنية وأكثر من ثمانين فيلماً ومسرحيات عديدة وملايين العشاق..».
وكتبت فاطمة عبدلله في صحيفة «النهار» «زادَ الموت شحرورة لبنان صفاء، وبدَّدت ارتقاء َ الروح الى الأعلى هزيمة الجسد بفعل العُمر. صباح في الذاكرة وقْعٌ من نقيضين: الصِبا الوهّاج وتكدُّس سنواتٍ ثقيلة على بدنٍ نخَرَه التعب. صورتها كثيرٌ من اندفاعٍ بلغ الذروة، وبعضٌ من انكماشٍ هو مصير المرء المُنهَك. أيّ الصورتين أشدّ سطوةً على الأخرى: صباح في صِباها تُغرِّد وتَجذُب وتنشر الفرح، أم في شيخوختها حيث عجْزُ البدن وتوق النفس إلى عليائها؟ يكشف موتها ازدحام الصورتين معاً، إذ تتنافسان على «الفوز» بها، وتسعيان إلى أن تكون إحداهما الصورة الأولى التي تتراءى فور ذِكْرها. في كلتيهما، ترفرف الصبوحة ككنارٍ لا يُنتَزع منه صَفَار ريشه، من الفتوّة الدفّاقة، تِباعاً الى الكهولة الصادمة خارج عزلتها».
وجاء في مقدمة أخبار «تلفزيون لبنان» «إنتقل حديث الناس من الغذاء والطقس إلى رحيل الصبوحة التي رحلت في الصباح وعشاقها ممن أحبوها مطربة وممثلة حزنوا لرحيلها. الصبوحة أبكت الكثير من الناس في لبنان والعالم العربي وهي النجمة الكبيرة التي تدخل التاريخ من الباب الواسع. وداع الشحرورة رافقته دموع الأحباء».
وجاء في مقدمة أخبار «المستقبل» «صقيع تشرين أطفأ حرارة جسد صباح فجراً لتسلم الروح مخلفة كنزاً وتراثاً فنياً للبنان والعالم العربي. رحلت شحرورة لبنان وأسطورة العالم العربي، رحلت آسرة قلوب العرب من المحيط إلى الخليج، رحلت وهي التي أحبت الحياة حتى الثمالة. أليست هي من قال رحلت صباح عن هذه الدنيا التي اختصرتها بأنها تبدأ بمرحبا وتنتهي بإلى اللقاء «.
وجاء في مقدمة أخبار «الجديد» «أحبت عمرها فعشقتها الحياة موتها جميل كأغنية راودتها في نومها واصطحبتها إلى أحلام السماء على توقيت لا تنتشر فيه الشائعات. صباح شمس رديفة صنعها الله على شكل حنجرة ونثرها على ضفاف نيل وشلوح أرز قررت قبل طلوع الصباح وعند آخر خيوط ليل أن تغيب بلا كثير ضجيج. أن تعود إلى ضيعتها بدادون حيث أول العمر وشجيرات الأهل. صباح اسم على مسميات الشروق لامرأة عاشقة وغلبانة لحلوة لبنان لشحرورته ومواله الطويل، لوطن عاشته بانتماء صاف لا ألوان فيه ولا أرقام. أسست لفن مرتفع الهامات ولطريقة عيش بكل ما أوتيت من حياة. بنت مملكة من أوف وميجانا من دلع مرصع بنغم العمر. على صوتها التقاء الكبار من ضيعة عبد الوهاب إلى عسل بليغ حمدي وأغواء محمد الموجي وهوى كمال الطويل وشقعة أنغام مستوردة من جارها في الحواري المصرية فريد الاطرش .وعلى هذا الصوت ارتفعت أعمدة بعلبك في مواسم عز وغزل الأخوين رحباني دواليب الهواء على شعرها الأشقر ومنه تسلل فيلمون وهبي «عالعتيمة «. هي امرأة لم تضبط بأي خيار سياسي ولم تختلف مع أي موسيقار أو ملحن. ماتت دون أن تنكسر أو تكسر أحداً. زمنها عاصفة حب مشعة لا حقد فيها ولا عتب دائمة الضوء، كانت كبريق نور يوزع ما تيسر من أمل كل هذا النور ينطفئ جسداً ويحيا بالأمس وغداً متخذاً اسم أسطورة وجبل لبنان يشيع الأحد جبلاً من لبنان على زمن رحيل شريك الصوت الصافي وديع. من وسط المدينة ترتفع صباح إلى وادي شحرور وبدادون والقرى التي عرفتها صغيرة. مسيرة النظرة الأخيرة تنطلق من بيروت من دون أن تقول صباح هذه المرة «ألو بيروت» أو ان ترمي بسلامها على كل زاوية من زوايا المدينة على إذاعتها وحدائقها ومنارتها لا هم أن نكّست الدولة أعلامها أو لم تعلن يوم حداد وطني ما دامت الدولة منتكسة مبتورة وممددة ولأن الحكم نائم كالأموات فمن الأولى بنا أن نعامله بصيغة الضمير الغائب ونترك الكلام في السياسة ونمنحه اليوم لصباح الأسم الذي يرادف وطنا بسلطة وحكومات».
أما مقدمة نشرة أخبار الـ «أم تي في» فقالت «أهو الطقس الخريفي الداكن حجب الصباح أم رحيل صباح هو السبب؟ إنه مزيج من الاثنين، إذ كيف لنا الفصل بين الصباحين؟ فاسمها طالما ارتبط باسم لبنان الفرح، لبنان الكرامة ولبنان صف العسكر المتراص، لبنان البحبوحة والطمأنينة. ولكن هل رحلت الشحرورة آخذة معها آخر علامات موسم العز، أم أن رحيلها إلى حيث الكبار سيحرّك في اللبنانيين حساً وطنياً بات مفقوداً لدى الكثيرين منهم، فيهبون للحفاظ على وطن الأرز من الضياع؟».
وودّعت اخبار الـ «ال بي سي» صباح كما يلي «بنت الفلاح، الطفل بيعشقها والبسمة الحلوة ما بتفارقها، كل يوم الصبح بتشكر خالقها ومع كل الناس بتحكي بصراحة»… اختصرت نفسها بهذه الكلمات ورحلت. نجمة من سماء الفرح هوت اليوم، فصل من تاريخ لبنان الحلو والمحبب طوي اليوم، أكثر من نصف قرن من عشق الحياة حتى الثمالة أسدلت اليوم ستارته، الاسطورة، الشحرورة، الصبوحة، تعددت أوصافها لتبقى لها صفة واحدة: صباح.. انضمت اليوم إلى سجل الخالدين، وديع الصافي، نصري شمس الدين، زكي ناصيف، وغيرهم، لتطوي معها ليس مرحلة من تاريخ بل تاريخا من فن أصيل. تغيب صباح فيما لبنان في مرحلة أحوج ما يكون فيها إلى الضحكة والبسمة».

ناديا الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية