«المخيّلة فقط، هي التي تفتح للذكاء إمكانيات الارتقاء»
«العنصر الواقعي الوحيد في الفن هو ذاك الذي ينبثق من المخيّلة. هكذا فقط، يمكن للعمل الفني أن ينجو من كونه مجرّد استنساخ للطبيعة، وأن يصبح عملاً مُبدعاً»….
وليام كارلوس وليامز
لم تُقدِّر المخيّلة جيداً حجم الهجوم المـُبتذَل الذي سيشنّه عليها الواقع بإصرار، بعدما كانتْ سيّدة العالم. فمنذ خمسمئة ألف عام، اكتشف أجداد الإنسان العاقل النار. في تلك اللحظة المصيرية، كان ذاك الإنسان البدائي يجلس وحيداً في ليل بهيم، عندما أشعلتْ صدفةٌ ناراً أمامه. واشتعلتْ معها أيضاً المخيّلة البشرية. لم يبق بعد تلك اللحظة شيءٌ على حاله. ثم استطعنا، نحن الأحفاد، الوقوف فوق تراب القمر.
كان الإنسان ينوء دائماً بثقل مخيّلته. تصيبه بالدوار، وتسحله خلفها. كان عليه أن يزيد من حجم رأسه ليستطيع احتواءها.
المخيّلة، ومن فرط طيبتها، قدحتْ الشرارة الأولى للذكاء.
المخيّلة جعلت من الإنسان عاقلاً.
سيبقى عقل الإنسان مَديناً كثيراً للمخيّلة. المخيّلة التي أنتجتْ الفنّ. سيبقى الإنسان إذاً مَديناً كثيراً للفنّ.
لكن أيضاً، حملتْ معها تلك اللحظة البدايات الأولى لمعركة طويلة قاسية بين المخيّلة والواقع. الذكاء تمرّدَ كجميع الأبناء الأشقياء الذين يظنّون أنهم يستطيعون قتل آبائهم. تمرّد وامتهن الخيانة.
والمخيّلة ظنّتْ أنها أكبر من أيّ خيانة. كان خطأ جسيماً في الحساب.
٭ ٭ ٭
أجمل ما كتبه الشاعر الأمريكي وليام كارلوس وليامز، كان في سنواته العشر الأخيرة. بعدما أُصيبَ بسكتة قلبية وثلاث سكتات دماغية. بدأت صحّته في التدهور، منذ بداية الخمسينيات حتى وفاته (1963). في المقابلة الأخيرة التي أجراها بمساعدة زوجته في مجلة «باريس ريفيو» العام 1962، كان بالكاد قادراً على النطق والحركة. وخلال تلك السنوات العاجزة جسدياً، كتب وليامز أنضج وأجمل وأعمق أشعاره. كان قد اجتاز سابقاً ذروته التقنيّة. لكن ذورته الجمالية كانت في مجموعاته الأخيرة: «موسيقى الصحراء» (1954)، «رحلة إلى الحب» (1955)، «صوَر من بروغل» (1962). جمال عميق، ومخيّلة ناضجة، يشعر بهما قارئ المجموعات السابقة. شعراء كثيرون ينحدرون إبداعياً مع الزمن، لكن وليامز كان يرتقي. كان كلما ازداد جسده عجزاً وانحطاطاً، ازدادتْ مخيّلته اتقادًا وحدّة. كان الخارج يغيم، والداخل يتكشّف. لم تعد الحواس تملك القدرات نفسها، فهرب وليامز إلى داخله. إلى مخيّلته. أو، كي نكون أكثر دقة، علينا القول إنّ مخيّلة الرجل المريض هي التي خرجتْ. تخلّصتْ من قيود كثيرة وباتت أكثر حرية. الجسد المعطوب سمح لها بالتحليق. الجسد السجّان لم يعد يقوى على الاعتراض. الواقع الأناني، المتطلِّب، لم يعد يعنيه رجلٌ لا يمكن أن يقوم بواجباته اليومية الصارمة تجاهه. تركه يسرح مع مخيّلته، وربح الفن.
نتيجة محيّرة، تلك التي توحي بها إلينا شاعرية وليامز المتفجرة أيام مرضه.
كأن وليامز أراد التلميح، من خلال مجموعاته الشعرية الأخيرة، أنه يمكن تحرير المخيلة عبر إطفاء الحواس. لا يهمّ إذا حدث الأمر قسرياً. يمكن للعطَب الجسدي أن يفتح نافذة إلى الخلود.
السؤال الذي يواجهنا: أيّهما أفضل، أن تحصل على جسدٍ معافىً أم على الخلود؟ أن تحصل على حضور في الآن، أم في الأبد؟
لكن هل نحن بحاجة إلى كل تلك الآلام؟ لا بدّ أن زوجة وليامز كانت تتمنى أن يبقى رجلها في كامل صحتّه. وبالتأكيد ثمّة طرائق أخرى لترويض الواقع، يمكن السير فيها بأجساد كاملة صحيحة. لكن من الواضح أنه لا يمكن فعل ذلك من دون التمرّن على تجاهل الواقع وتغييبه. تلزم قناعة ومثابرة، وقوّة داخلية قادرة على القتال، ولا تهاب السباحة في الفراغ.
كم ثيابك برّاقة أيها الواقع!
في الأقل الآن، أصبح لدينا سببٌ إضافي، كي نعمل على الحفاظ ما أمكن على مخيّلاتنا. كي نمنع ضمورها بكل الوسائل. فإذا قستْ علينا شيخوختنا ونهشَ المرض أجسادنا، لدينا ما نفعله. سنستلقي في أسرّتنا، ونطرش العالم بالماء الراسب في مخيلاتنا. وإذا فقدنا القدرة على النطق لن يصيبنا القنوط. سنتسلّى ونحن نقلّب مخيّلاتنا، ونطرد الموت كما يُطرد الذباب.
مع ذلك، علينا أن نكون مستعدين. أن نتمرّن جيداً وتكراراً على فعل ذلك. تخضع المخيّلة لقانون الأعضاء البشرية نفسه. تضمر إذا لم يتم استعمالها.
ربّما الآن، نستطيع أن نفهم سلوك الكتّابَ المهووسين المثابرين على تلك التمارين التي تبدو في أحيان كثيرة عبثية.
٭ ٭ ٭
المنعطفات التاريخية الهامة والفارقة كانت من صنع المخيّلة. الذكاء هام، لكنه، لوحده، لا يقوى على أكثر من رمي حصاة صغيرة من شاطئ منزوٍ في مياه المحيط. لم تنشأ امبراطورية أو حرب عظمى أو مذهب جديد، أو حركة سياسية، فلسفية، فنية كبرى إلّا من طريق المخيّلة. الذكاء كان النادل والوصيف.
وكانت الحلقة نفسها تعاود الكرّة مرة بعد مرة، في مسار حلزوني حتى يومنا هذا. تخلق المخيّلة واقعاً من لحم ودم، ثم تتجه الأمور نحو الثبات. الثبات بطبعه يمقت الهزّات المـُفاجِئة الراديكالية. فينشأ جوٌّ من الحذر وعدم الثقة بين الواقع الجديد والمخيّلة. يفضّل الواقع كلاسيكية الذكاء وطبعه المحافظ على ثورية المخيّلة. يشكّل الواقع والذكاء (مع أن كليهما مدينان للمخيّلة بوجودهما) حلفاً مبنيّاً على المصلحة المشتركة في البقاء والسيطرة، ليقف جداراً عائقاً أمام تمدّد الخيال البشري، ورغبته الجامحة والطموحة في تشكيل العالم. عبر التاريخ، كانت المخيّلة دائماً تنتصر في النهاية. لكن يجب الاعتراف، أننا الآن، وفي القرن الواحد والعشرين، يزداد الأمر صعوبة. بات الواقع أكثر تحجّراً وعناداً، والذكاء أكثر مكراً ودهاء، والإنسان أكثر كسلاً وضعفاً.
الذكاء قد يجلب المال. المخيّلة قد تجلب المجد.
الذكاء جنتلمان ناجح، يحبّ ربطات العنق. المخيّلة متمرّد عبقري، لا يهتم لمظهره كثيراً. الذكاء يفهم المعنى وفي أحسن الأحوال يفسّره. المخيّلة تخلق المعنى.
في تلك الرحلة الطويلة منذ بداية ما نعرفه عن الحضارة البشرية، ظلّ الواقع يكسب، ببطء ولكن بثبات. في أوجها، في أيامها الذهبية، كانت المخيّلة تغيّر جلد العالم، وتكتب قوانينه. لكن، مع هوْل الضربات التي تلقتها، بات وجه المخيّلة مُدمىً، وكان ارتباكٌ أمام المأساة الرهيبة التي كانت تحصل للخيال البشري. لسنا هنا بصدد التحسّر والندب. فقط نقدّم استعراضاً تاريخياً لما حصل.
إلى أن بات خطر الاندثار حقيقياً. الخطر الذي كان يزداد مع كل هزيمة. حتى الخلْق الذي كان من صنع مخيّلة رهيبة، لم يشفع لها. وصلتْ المخيّلة إلى حافة بئر تفوح منها رائحة صمتٍ تشبه الموت. كانت تترنّح على الحافة. لحظة تاريخية أخرى حصلتْ هنا. كان الفنّ يتسكّع في الأنحاء. رأى ما يحصل، ومدّ يده للمخيّلة. سحبها إليه، وخلّصها من سقوطها الوشيك.
منذ لحظة الإنقاذ هذه، بات الفنّ حامي المخيّلة وحارسها الأكثر شراسة. لا أحد يمكن أن يتصوّر ما كان سيحدث لنا لو أن المخيّلة والفن لم يلتقيا. مستقبل عقيم خال من أشياء عظيمة وهامة.
كنّا، ومن دون أدنى شك، سنتحول إلى آلات جميلة، جذّابة مُتقَنة جداً في أحسن الأحوال. وفي أسوأها، كان الموت سيلفّنا جميعاً. دراسات عالم الأحلام تؤكّد لنا ذلك. أحلامُنا نافذة لمخيّلاتنا. وفئران التجارب التي تمّ حرمانها، وبطريقة علمية، من أطوار النوم التي تحدث فيها الأحلام، انهارت وماتت بعد حوالي ستة أسابيع. قتلها غياب الحلم.
الموضوع لم يعد يتعلّق بما يمكن أن تفعله قصيدة، أو لوحة، أو منحوتة فنيّة، وما هو تأثير الفن، ولماذا نكتب، وأسئلة من هذا القبيل. فهذه التساؤلات، كان الواقع الماكر مَن يطرحها على الدوام، رغبةً منه في تغبيش رؤيتنا، وإحباطنا، والقضاء على ما تبقى لدينا من مقاومة. الموضوع أكثر خطورة بكثير، وعليه يتوقف مسار التطور البشري.
الفن هو حارس المخيّلة، وقلبها. والسؤال الذي يتعلّق بجدوى الفن، يجب أن يُطرح على الشكل التالي: هل يمكن تصوّر الجمود وعدم الفائدة والخواء الذي سيصيب عالماً فقدَ مخيّلته؟
وهل نرغب في العيش في عالم كهذا؟
فادي سعد