العرض المسرحي «أخناتون.. غبار النور» لوليد عوني… لوحات راقصة مُبتكرة لحكاية مُفتعلة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: أقيم مؤخرا العرض المسرحي الراقص «أخناتون.. غبار النور» لفرقة الرقص المسرحي المصري الحديث، على المسرح الكبير في دار الأوبرا المصرية في القاهرة. العرض إعداد وإخراج الفنان وليد عوني. ولعوني تجارب عديدة ومهمة في مسيرة العروض الراقصة في مصر، بداية من تأسيسه فرقة الرقص المسرحي الحديث، الذي من خلالها قدّم مجموعة من الراقصين والفنانين الذين امتلكوا من الحرفية والمهارة، ما يجعلهم في مقارنة مع فناني الغرب. من ناحية أخرى اهتم عوني في عروضه بمحاولة تقديم صورة مشرقة لمصر من خلال مفكريها وفنانيها، وبالطبع لم تخرج هذه الصورة عن مصر في نهايات القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، أو ما يُسمى عصر اليقظة أو النهضة المصرية، عروضا نذكر منها.. قاسم أمين، محمود مختار، تحية حليم. ويبدو أن ما يشغل عوني دائما هو عقد المقارنات بين ما كان وما هو كائن، ولن يختلف عرضه الأخير «أخناتون» عن هذه الرؤية، لكن رغم براعة عوني في تقديمه للوحات راقصة مُعبّرة ومؤثرة في حالة المُتلقي، إلا أنه لم يخرج عن تقليدية الحكاية من جهة، ومحاولا من جهة أخرى تلفيق مقارنة بين حالة أخناتون وما يحدث الآن.

أسطورة التوحيد

كما هو شائع في حكاية أمنحوتب الرابع، أنه يعد أول الموحدين في مصر، حيث وصلت إلينا ترانيم وأناشيد قالها في الإله الواحد (آتون) وأنشأ مدينة (أخيت أتون) أي أفق أتون، فارا بأتباعه إليها، ومؤسسا شبه ديانة، وقد أطلق على نفسه اسم (أخناتون) أي الروح الحية للإله أتون. وبعد صراعات خاضها مع كهنة آمون ـ كبير الآلهة المتعددة ـ تم القضاء على أخناتون ودعوته، وتدمير مدينته الدينية (مدينة الشمس) وتم تشتيت أتباعه. هذه هي الأسطورة الشائعة التي نسج من خلالها عوني عرضه الراقص، حتى أن بطله في الزمن الحالي يصبح أحد أتباعه المشردين، لكن من خلال الهجرة غير الشرعية، وما مراكب الشمس التي كانت تنقل الأحياء إلى العالم الآخر، سوى مراكب الموت الآن في البحر، وهو ما يُغالط حقيقة كُنه الرحلة ومغزاها، اللهم فقط في التشابه اللفظي في اسم (المركب) ولو كانت الهجرة من خلال الصحراء، بالسيارات مثلا، ماذا كان سيفعل صاحب العرض؟

تلفيق الحكايات

يغض عوني طرف وعيه عن مشكلة أخناتون الحقيقية، وكيفية فرضه رؤيته الدينية بالقوة من خلال سلطته كحاكم لمصر، كما أنه وبفكرة «التوحيد» المزعومة، وضع نفسه ومَن معه ضد كل مخالف له، وبالتالي وإن كان أول الموحدين، فهو أول مَن اختلق «الآخر» وجعله في معسكر الأعداء، فللمرّة الأولى ينقسم المصريون ـ دون أن تهاجمهم قوى خارجة ـ ويتناحرون في ما بينهم. أما فكرة (الإله الأوحد) فقد كان يُرمز له بـ(آمون) فهو الإله الخفي، الذي لا تحيطه الصفات، وكذلك المفارق للمخلوقات والعالم، وما باقي الآلهة في ربوع مصر، إلا صور محدودة من تجليات آمون، فقط للتوسل ليس أكثر، أمون، الذي كان يُنطق (أمِن) الكلمة التي قد تكون حوّرت إلى (آمين) في الديانات الإبراهيمية، والتوحيدية أيضا! فالأمر بين أخناتون وكهنة آمون صراع سياسي لا أكثر ولا أقل، كما هو الصراع في كل وقت بين حاكم ورجال دين، كلاهما يريد المكاسب من وراء سلطته، أو تقويض سلطة الآخر لصالحه.

العاصمة الجديدة

يميل عوني ويتعاطف مع حكاية أخناتون في المخيلة الشعبية والسياحية في مصر، وحاول أن يختلق تواصلا بين جيل أخناتون والجيل الحالي، هذا الجيل الضائع والهارب من مدينة الإله الواحد، الذي أصبح مُشتتا في الأرض. ولنا أن نبحث عن أوجه المقارنة.. فأي مدينة توحيدية أو أي مدينة متكاملة ومستقرة كانت، وأصبحت الآن لا مكان لها إلا في قلوب أصحابها المشردين؟ ما الحال الذي كانت تعيشه مصر، وما الذي أصبحت تحياه؟ أسئلة مُعلقة وحائرة لا تستند إلى منطق حتى يمكن تأويلها، والبحث لها عن إجابات. ومن السخرية أن هناك صحافيا في إحدى الصحف يريد كسب الرضا السامي، فتفتق ذهنه عن عقد مقارنة بين هجرة أخناتون وتأسيسه عاصمة جديدة لحكمه، وربط ذلك بما يحدث في العاصمة الإدارية الجديدة، فأخناتون الموحد قرر ترك القاهرة لكهنة آمون، والذهاب مهاجرا بديانته الجديدة إلى عاصمة ابتناها أولا في خياله، أي من مدينة الكفر والضلال إلى مدينة النور! ونرجو من الله الواحد الأحد أن تكون النهاية متشابهة.

غبار عوني

يرسم وليد عوني لوحات راقصة معبّرة، حيث يبدأ المشهد الافتتاحي على سبيل المثال بظهور أخناتون، الذي يقوم البعض بنزع ملابسه الفرعونية والتاج الملكي عنه، ليتحول إلى شخص ينتمي إلى عصرنا الحالي، يقف بين الكثيرين من النازحين من بلادهم. وكأن التاريخ يعيد نفسه ـ وفق رؤية عوني ـ فالمصير هو نفسه إن لم نتعظ من حكاية أخناتون!
اعتمد عوني مسترشدا بشاشات العرض كخلفية لما يحدث، تأكيدا وتوثيقا للحدث، من حيث الطبيعة وجغرافية المكان، اعتمد الحركة الدائرية في تصميم الرقصات وأشكال الأهرامات، ولهذه الحركة عدة دلالات موفقة، بداية من الرمز الذي اتخذه أخناتون لديانته الجديدة (قرص الشمس) كذلك فالحكاية تعيد نفسها وتتكرر من خلال هذا الشكل (الدائرة).
ويختتم عوني عرضه بانتصار الكهنة، وموت أخناتون وصعود روحه إلى السماء وهدم مدينته، لينتهي كل شيء ويتبدد النور، ولا يتبقى منه سوى غبار، يُذكّر بما حــــدث وما سيحدث، لنعود مرّة أخرى إلى وقتنا الراهن ـ الدائرة المغلقة ـ ويتم استعراض مشهد قاس من ذاكرتنا الحديثة جدا على شاشة العرض، وهو مشهد الطفل السوري (إيلان) الملقى على الشاطئ، بعد أن فشل في الهجرة وغرق قاربه.
ولنا أن نتساءل رغم القوة التعبيرية للمشهد وتأثيرها.. ما علاقة ذلك بما كان؟ أم أنها فقط فكرة راودت صاحبها، دون أي منطق درامي؟ فقط لوحات راقصة لافتة وجميلة، لكنها منفصلة عن بعضها، مهما حاول صاحبها الإيحاء بغير ذلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية