لندن – “القدس العربي”: ناقش أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون، مارك لينتش في مقال سيصدر في دورية “فورين أفيرز” العام المقبل المعركة المستمرة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
صور المحتجين الذين يهتفون “الشعب يريد إسقاط النظام” تبدو تاريخا قديما. وتحولت الآمال الأولى بالتغيير إلى انقلابات عسكرية وحروب أهلية وبلدان متشظية.
وقال فيه إن “الانتفاضات العربية لم تنته” ولكن هناك قلة من المناسبات التي حضرت لإحياء العشرية الأولى على الربيع العربي ما بين 2010 – 2011، فأيام شاشات التلفزة التي امتلأت بصور المحتجين الذين يهتفون “الشعب يريد إسقاط النظام” تبدو تاريخا قديما. وتحولت الآمال الأولى بالتغيير إلى انقلابات عسكرية وحروب أهلية وبلدان متشظية.
وفي عام 2021 ربما كانت هناك معتقدات قليلة مشتركة في العالم العربي أكثر من الانتفاضات العربية الفاشلة. ويعتقد لينتش أنه من السهل فهم جاذبية هذه الفكرة التي روجت لها الأنظمة الاستبدادية وقبلها صناع السياسة الواقعية في المؤسسات الأجنبية، وهي تعني العودة إلى الحياة الطبيعية. وقبلتها إدارة كل من باراك أوباما ودونالد ترامب بشكل تكتيكي حيث حرفت انتباهها لموضوعات أخرى مثل المفاوضات مع إيران، كما فعل أوباما واتفافيات التطبيع مع إسرائيل كما في حالة ترامب.
إلا أن هذا الاعتقاد كان واحدا من سلسلة نتائج متعجلة. فقبل عام 2011 تعاملت غالبية المحللين مع استقرار الأنظمة الديكتاتورية كأمر مفروغ منه، وهو رأي ثبت خطؤه كما في حالة تونس ومصر وليبيا واليمن.
وبالمقابل سارع عدد من المراقبين للقول أن تيار الديمقراطية الذي لا يمكن وقفه قد وصل.
في لحظة الثورة الحامية ساد شعور بأنه المنطقة تغيرت وللأبد، فقد انهار حاجز الخوف من الأنظمة المستبدة ولم يعد المواطن العربي القوي مستعدا للتسامح مع الحكم الديكتاتوري.
وحذر آخرون أن عملية الديمقراطية تعني فتح الباب سيادة الإسلاميين. وكلا الفرضتين ثبت خطؤهما. وفي 2012 اعتقد الجميع أن نظام بشار الأسد في طريقه للنهاية، وهذا خطأ. وفي 2013 سارع أنصار الانقلاب العسكري في مصر للقول إنه سيعيد عجلة الديمقراطية من جديد، وهذا خطأ أيضا. وفي لحظة الثورة الحامية ساد شعور بأنه المنطقة تغيرت وللأبد، فقد انهار حاجز الخوف من الأنظمة المستبدة ولم يعد المواطن العربي القوي مستعدا للتسامح مع الحكم الديكتاتوري. وفي أقل من عامين انتهت الأحلام وسحق انقلاب عسكري الديمقراطية الناشئة في مصر وانزلقت ليبيا واليمن لحرب أهلية أما سوريا فقد دخلت في كابوس مزج بين الحرب الأهلية والحروب بالوكالة. واستعاد الديكتاتوريون وبشكل تدريجي ما خسروه وفي فترة قصيرة. ومع ذلك ففرضية انتهاء الثورات العربية بفشل كان متعجلا. فنجاح الثورات لا تقاس بالإطاحة بأنظمة أو عدد الانتخابات الديمقراطية التي نظمت، مع أن عددها غير مهم. وحقيقة تربع الديكتاتوريين مرة ثانية على عرش الشرق الأوسط ليس دليلا على فشل الانتفاضات العربية. فالديمقراطية كانت واحدا من مطالب المتظاهرين. فالحركة كانت عبارة عن كفاح جيلي طويل لرفض النظام الإقليمي الذي لم يقدم سوى الفساد والحكم الكارثي والفشل الاقتصادي.
وبناء على هذا المعيار فقد شكلت الانتفاضات وبشكل عميق كل ملمح يفكر به من السياسة العربية بما فيها المواقف الفردية والأنظمة السياسية، الأيديولوجيات والعلاقات الدولية. وربما غطت ملامح التشابه السطحية مدى التغير. فالعالم العربي لا يمكن للمراقبين التعرف كذلك الذي وجد في 2010. فالقوى التي بدأت بالتحرك في 2011 ضمنت بشكل حقيقي أن العقد التالي سيشهد تحولا عميقا، وتغيرات ستربك أي محاولة للعودة إلى الأيام القديمة.
ولكن كيف حدث هذا كله؟ يقول لينتش إنه وبعد عقود من الأحلام المحطمة فمن السهل تناسي قوة ودهشة اللحظة الثورية التي بدأت في كانون الأول/ديسمبر 2010. فبحلول ذلك العام كان واضحا أن العالم العربي يمر بإحباط شعبي نام وتزايد في الظلم الاقتصادي. لكن حكام المنطقة كانوا يعتقدون بقدرتهم على قمع أي تهديد محتمل وكذا الأكاديميين الذين درسوا أنظمتهم ومعهم الناشطين الذين كانوا يحاولون تغييرها. ولم يكن أحد جاهزا لحجم وكثافة الاحتجاج الذي اندلع فجأة في عموم المنطقة. ونقلته شبكات التلفزة العربية مثل الجزيرة وشبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر التي نقلت الصور والأفكار والمشاعر عبر الحدود.
فالأنظمة التي كانت جاهزة لاحتجاجات معزولة وجدت نفسها عاجلة عن التعامل مع أعداد ضخمة غمرت الشوارع ورفضت مغادرتها. وعندما رفضت بعض الجيوش القتل دفاعا عن قادتها المحاصرين أعلن الشارع الانتصار. وكان انتصار المتظاهرين في مصر وتونس والإنتخابات التي جرت بمثابة نقط تحفيز للمتظاهرين في مناطق أخرى. ومن الصعب الإمساك بسحر اللحظة التي رسمت في وسط فوضى ساحة التحرير بالقاهرة وميدان اللؤلؤة في البحرين وشارع الحبيب بورقيبة بتونس وميدان التغيير بصنعاء. وبدا كل شيء ممكنا والتغير محتوما. وكان الطغاة يفرون هربا ولا شيء يمكن وقف الحركة، لا الدعم العسكري الأمريكي ولا الأجهزة الأمنية كلية الحضور ولا خوف وانقسام المتظاهرين أنفسهم.
سارعت القوى الإقليمية لتدمير الانتفاضات ولم يفعل الغرب شيئا لوقفها.
لكن لم تقلد دول أخرى ريادة التونسيين والمصريين، فقد سارعت القوى الإقليمية لتدمير الانتفاضات ولم يفعل الغرب شيئا لوقفها. واعتمدت الدول العربية الفقيرة مثل المغرب والأردن على الدعم المالي والسياسي من دول الخليج للتغلب على التظاهرات الصغيرة والإعلان عن إصلاحات دستورية متواضعة لإرضاء مواطنيها. وردت البحرين بقمع وحشي للحركة الناشئة المعارضة للحكومة مما زاد من القمع الطائفي. ورد معمر القذافي بإنزال جيشه مما قاد إلى حرب أهلية وتدخل دولي. ودخل اليمن في حالة من الجمود بعدما انقسم جيشه. ومع طول أمد اللحظة الثورية وزيادة زخمها لجات الأنظمة إلى قوتها العسكرية والمالية وانتصرت. وقامت الأنظمة الناجية بمعاقبة وسحق من تشجع على مواجهتها، وحاولت إعادة الخوف والرعب في نفوس الناس. وراقبت الولايات المتحدة الوضع بدون عمل شيء. وعندما أطاح الجيش المصري بالرئيس المنتخب محمد مرسي وذبح المئات في رابعة العدوية، رفضت إدارة أوباما وصف ما حدث بالانقلاب. ولم يكن التردي أوضح منه في سوريا التي رد نظامها على انتفاضة سلمية بالقوة العسكرية انتهت إلى حرب أهلية بكلفة لا تحصى: مئات الالاف من القتلى وملايين اللاجئين وانتشار الطائفية الخبيثة وإنعاش الحركة الجهادية. وقدم الرعب السوري فزاعة للمستبدين، وقالوا: هذا ما سيحدث لو خرجتم إلى الشوارع. وبحلول 2013 ونظرا للعنف السوري وانقلاب مصر ساد رأي يشير إلى نصر الديكتاتوريين وفشل الانتفاضات وتحول الربيع العربي إلى شتاء.
ويرى الكاتب أن ما جرى للإسلاميين يلخص أثر الانتفاضة التحويلي حيث نظر إليهم كلاعبين مهمين في النظام الديمقراطي الجديد لكنهم قمعوا من الأنظمة الديمقراطية العائدة أو حاولوا التحرك في داخل الديمقراطيات الانتقالية. وأكد هذا حس فشل الانتفاضة. ففي العقد الأولى قبل عام 2011 ارتبط الإسلاميون بحركة الإخوان المسلمين المؤثرة التي ظهرت في مصر بعشرينيات القرن الماضي، وكانت الجماعة المعارضة الرئيسية في الدول العربية. ومنحت قدرات الحركة التنظيمية والمساعدات الاجتماعية ونزاهتها والجاذبية الدينية قوة سياسية ضخمة. وبدءا من التسعينات في القرن العشرين أخذ مفكرو الحركة بتقديم جدال حول التوافق بين الإسلام والديمقراطية ونقد الأنظمة العلمانية الاستبدادية الموجودة. ولم يلعب الإسلاميون دورا بارزا في الأيام الاولى للانتفاضات. ففي تونس عملت الحكومة على إخراج الجماعة من الحياة العامة. وفي مصر انضموا في وقت لاحق إلى ساحة التحرير.
وعندما لاحت الفرص انتهزها الإسلاميون ودخلوا المعترك السياسي. وفازت حركة النهضة في سلسلة من الانتخابات وكذا حركة العدالة والتنمية في المغرب التي شكلت عدة حكومات في 2011 و2016. وانضم الإسلاميون في ليبيا اللعبة الانتخابية فيما أسهم إخوان سوريا بدعم الثورة ضد الأسد ومن الخارج. وبحلول 2012 بدا وكأن الإسلاميون في صعود. لكن صعودهم جذب انتباه الأنظمة الديكتاتورية والقوى السياسية الإقليمية. واستخدمت هذه الأنظمة القمعية في مرحلة ما بعد 2011 المضادة فكرة التخويف من سيطرة الإسلاميين على الحكم والتي صدقها الغرب.
واستخدم الجيش المصري الفكرة لتشريع انقلابه في تموز/يوليو 2013 والقمع الواسع الذي تبع ذلك. وفي تونس تبنت حركة النهضة استراتيجية المحدودية الذاتية واستقال رئيس وزرائها لفتح الباب أمام حكومة تكنوقراط. وبدأت السعودية والإمارات اللتان تنظران للإخوان المسلمين كتهديد وجماعة وكيلة عن قطر بحملات قمع ضد أفرادها وأصدرتا قرارات باعتبارها إرهابية. وردت تركيا وقطر بزيادة الدعم لها وفتحت الباب أمام أعضاء الحركة الهاربين وساعدت الجماعات الأخرى في ليبيا وغيرها. وبدلا من الانتصار باللعبة الديمقراطية خسر الإخوان بسبب أخطائهم وقمع الأنظمة الديكتاتورية. ولم تعد حركة الإخوان في مصر -أكبر تنظيم- موجودة في شكل يمكن التعرف عليه. فالآلاف من أفرادها في السجن وقادتها إما موتى أو في المنفى وصادرت الحكومة أموالها. وفي الأردن ذهبت الحكومة بعيدا لتفكيك الجماعة تاركة إياها مقسمة و متشرذمة. وفقدت حركة التنمية والعدالة في المغرب وهجها بعد سنوات من الحكم ضمن ضوابط الملك. وفي تونس أعادت النهضة تشكيل نفسها باسم “المسلمون الديمقراطيون”. وخارج الكويت لا يوجد أي وجود للتيار الإسلامي في الخليج، وأصبح الإسلاميون ظل نفسهم. أما الإسلاميون المتشددون مثل القاعدة وأخواتها فهم قصة أخرى. فقد فوجئوا بالربيع العربي الذي قوض فكرتهم من أن الجهاد هو الطريق للتغيير. ولكن سوريا أنقذتهم، فبعد الإفراج عن كوادر الجهاديين الذين اختطفوا تدريجيا الانتفاضة من المعتدلين ودخول الثورة مرحلتها العسكرية أعادت القاعدة وبقايا من تنظيم “الدولة” أنفسهم في العراق تجميع أنفسهم واستفادوا من الدعم الخارجي لجماعات المعارضة المسلحة. وشيئا فشيئا فرض تنظيم “الدولة” نفسه على مناطق واسعة في سوريا والعراق وألغى الحدود وأعلن الخلافة. وخلق انتصار تنظيم “الدولة” معضلة للجماعات الإسلامية المعتدلة مثل الإخوان المسلمين وذلك فعالية أسلوبها.
وبعد عقد تم سحق التيار الذي حقق انتصارات في صناديق الاقتراع، أما التيار الجهادي فمني بهزيمة منكرة لكنه لا يزال قوة أيديولوجية وسياسية قابلة للحياة.
وتركت الانتفاضات العربية أثرها على حظوظ الولايات المتحدة التي اعتقدت أنها تعبد طريقا جديدا لها، لكن الواقع كان غير ذلك أن الإنتفاضة تحدت النظام الذي تدعمه أمريكا بشكل سرع من تراجعها.
مع أن فك علاقة أمريكا له عدة أسباب منها كارثة الحرب في العراق 2003 واكتفائها الذاتي من النفط والتوجه نحو آسيا بالإضافة للحروب الأهلية المستمرة. لكن الانتفاضة قوضت وبشكل عميق تحالفات الولايات المتحدة وشجعت القوى المحلية لمتابعة سياسات متناقضة مع واشنطن وتدخل قوى خارجية مثل روسيا والصين في منطقة هيمنة أمريكية. وكلما كان تبني الولايات المتحدة قويا للانتفاضات كلما ساهم في الحفاظ على عمليات التحول الديمقراطي. إلا أن جهود إدارة أوباما ثبت عدم فعاليتها وفتورها وتركت الناشطين يشعرون بالخيانة والحلفاء يشعرون بتخلي أمريكا عنهم. وأدى ترددها بالتدخل في سوريا ومحاولتها عقد اتفاقية نووية مع إيران لتهميش حلفاء أمريكا الديكتاتوريين الذين بدأوا يتصرفون وبشكل مفتوح ضد سياسات أمريكا كما هو واضح من تصرف الإمارات والسعودية.
ورغم مشاركة ترامب هذه الدول احتقارها للديمقراطية وموقفها من إيران إلا أن سياسته لم تكن فاعلة وبدت واضحة في تردده للرد على الهجمات الإيرانية ضد المنشآت النفطية السعودية. ولم يكن لدى إدارة ترامب سياسة واضحة في معظم قضايا المنطقة. ومع تلاشي الدور الأمريكي بات حكام المنطقة يواجهون نظاما إقليميا جديدا بأنفسهم. وبعض معالم هذا النظام الإقليمي الجديد واضحة، فموت حل الدولتين كان متوقعا، أما النزاع السني- الإيراني فاتبع نفس الخطوط القديمة. فقد زادت إيران من دعمها لجماعاتها بالمنطقة خاصة في سوريا والعراق محتفظة بتأثيرها الإقليمي رغم خروج ترامب من المعاهدة النووية واستراتيجية الضغط القصوى عليها.
وكان الهجوم ضد المنشآت النفطية في ابقيق تذكير لدولة الخليج بكلفة النزاع. ولكن أهم ما برز في مرحلة ما بعد الانتفاضات هو زيادة خطوط الصدع داخل العالم السني والتي امتدت من الخليج ودول المشرق وشمال إفريقيا. ففي غياب الولايات المتحدة أو هوسها بإيران دخل الطامحون للقيادة في العالم العربي مثل قطر والسعودية وإيران وتركيا حروبا بالوكالة. ودعمت هذه القوى المتنافسة جماعات وكيلة لها في كل دولة شهدت ربيعا عربيا وحولت التنافسات المحلية إلى تنافس إقليمي. وكانت النتيجة مدمرة: تشرذم كل من مصر وتونس وانهيار ليبيا ما بعد القذافي وتقسيم سوريا.
بدأ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كوارثه مثل الفيل الضال. وصعد محمد بن سلمان إلى السلطة في عام 2015 من خلال تهميشه وقمعه كل المعارضين له.
وفي هذا الفضاء المستقطب بدأ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كوارثه مثل الفيل الضال. وصعد محمد بن سلمان إلى السلطة في عام 2015 من خلال تهميشه وقمعه كل المعارضين له. ومنذ ذلك الوقت قام بسلسلة من الكوارث في السياسة الخارجية بدءا من الحرب الكارثية في اليمن وخلقه أكبر كارثة إنسانية واختطافه رئيس وزراء لبنان وقتله الصحافي جمال خاشقجي. ودمرت هذه التحركات صورة السعودية دوليا. لكن لا شيء يجسد هذه التصرفات المتهورة التي شهدها الشرق الأوسط المتعدد الأقطاب أكثر من حصار السعودية- الإمارات ضد قطر التي اتهمت بدعم الجماعات الإرهابية، ولكنه فكك مجلس التعاون الخليجي، أفعل مؤسسة إقليمية وأجهض محاولات أمريكا لبناء تحالف ضد إيران. وبدلا من الاستسلام حصلت قطر على دعم من تركيا وإيران وحماية أمريكية واستندت على مصادرها المالية. وانتهى الحصار إلى حالة شبه دائمة ولكن ليس خطيرا، حيث ظهر التوتر في حروب الوكالة الجارية في ليبيا والسودان. وكان فشل الولايات المتحدة لإجبار هذه الدول لحل الخلافات إشارة عن تراجع تأثيرها منذ 2011. وكان الخلاف الخليجي- الخليجي مدعاة لفتح الباب أمام تركيا التي أعادت رسم الحدود في شمال سوريا وتدخلت بنجاح في ليبيا ودعمت الحركات الإسلامية التي تخلت عنها السعودية، وهو ما أدى لخلق محور خلاف سني- سني يتقاطع مع الخلاف السني- الشيعي. وكانت أمريكا غائبة في كل هذه الخلافات إما لأنها منشغلة بإيران او لعدم اهتمامها. وهي غائبة حتى في سوريا والعراق حيث لا تزال تحتفظ بقوات هناك.
وبدلا من تشجيع القوى الديمقراطية اختار ترامب الاعتماد على الأنظمة المستبدة آملا تجاهلها الرأي العام وعقد صفقات تطبيع مع إسرائيل. وكانت اتفاقيات التطبيع بين الإمارات والبحرين الأخيرة مع إسرائيل هي تأكيد لهذا النهج.
ورغم النعي المبكر للثورات العربية وإرثها المظلم إلا أن الموجة الثورية عام 2011 لم تكن سرابا عابرا. وبعد عشرة أعوام تصدعت واجهة النظام الديكتاتوري العربي في ثورة الجزائر والسودان والعراق ولبنان. وكانت هذه الأحداث مثيرة للدهشة، ألا يفترض أن يجلب الطغاة الاستقرار؟ اليس الشارع العربي مهزوم ومتعب ويائس؟ وما بدا وكأنه نهاية تحول إلى دورة جديدة بلا نهاية. فالأنظمة التي تتباهى بجلب الاستقرار هي مصدر عدم الاستقرار. وكان فسادها وفشلها في الحكم وانتهاكها لحقوق الإنسان مصدر الثورات. وهناك موجات قادمة مع عوامل جديدة للثورة مثل كوفيد-19 وانهيار أسعار النفط وتراجع التحويلات من العاملين في دوله.
بالإضافة لاستمرار الحروب في اليمن وسوريا وليبيا التي تولد اللاجئين وتزيد السلاح والتطرف. والأمور قد تسوء، فالمواجهة الأمريكية مع إيران قد تتحول لحرب ساخنة. وربما قاد انهيار السلطة الوطنية لانتفاضة جديدة. لكل هذه الأسباب لا تشعر الأنظمة الديكتاتورية بالأمن، فمصر تسحق أي بادرة معارضة، ولم تتعافى أنقرة من المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016 أما إيران فهي مهووسة بالخارج الذي يريد إثارة الإضطرابات. وحتى الإمارات التي لم تظهر فيها أدلة عن معارضة أثارت الدهشة عندما اعتقلت أكاديميا بريطانيا بتهمة التجسس. وليس هذا تصرف حكومة واثقة من نفسها. والدرس الواضح من 2011 أن الثورة قد تظهر من لا مكان، مع أن ثورات المستقبل لن تشبه الربيع العربي الأول، فقد تعلمت الأنظمة الدرس وجهزت نفسها ولن تتردد عن استخدام العنف. وبنفس السياق تعلم الثوريين أن الانضباط والالتزام يمكن أن يقودا للتغيير. وفي عالم عربي متغير جدا عما كان قبل 2011 ورأي عام غائب وإعلام متحزب ومحاور متصارعة فبذور الانتفاضة المقبلة حاضرة.