واشنطن ـ «القدس العربي»: انتهت واحدة من أهم العقبات المرتبطة بوباء فيروس كورونا في الولايات المتحدة، وهي إنتاج لقاح مضاد للفيروس قابل للتطبيق، حيث بدأ مئات الآلاف من الأمريكيين تلقي الجرعات بدءاً من يوم الاثنين الماضي، ولكن البلاد تواجه تحديات أخرى، من بينها إقناع غالبية السكان، وخاصة الأقليات، بالحصول على التطعيم.
وقد تعرضت المجتمعات الملونة، وخاصة المجتمعات السوداء، لإضرار مدمرة بشكل غير متناسب بسبب كوفيد- 19. ووفقاً لمركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، فإن الأشخاص السود أكثر عرضة للدخول إلى المستشفى بسبب الوباء بنسبة 3.7 مرة و2.8 أكثر عرضة للوفاة من البيض، كما تم إدخال العديد من الأمريكيين من أصول لاتينية أو من السكان الأصليين بمعدل أربعة أضعاف إلى المستشفيات بسبب الوباء أكثر من البيض، وهم عرضة للوفاة بأكثر من 2.5 مرة.
وعلى الرغم من هذه الأرقام، إلا أن استطلاعا حديثا أجراه مركز “بيو” للأبحاث قد وجد أن 42 في المئة فقط من البالغين السود قالوا إنهم سيأخذون اللقاح، وبشكل عام قال 60 في المئة من سكان البلاد إنهم قد يأخذون الجرعات لمرض أودى حتى الآن لوفاة أكثر من 300 ألف شخص في الولايات المتحدة.
وفي الواقع، هناك أسباب تاريخية معقولة أدت إلى حذر المجتمعات السوداء من تناول عقار بناءً على طلب الحكومة الفدرالية، حيث قامت الحكومة الأمريكية في عام 1932 لدعوة الرجال السود للخضوع لفحوص طبية مجانية لمرض الزهري، ولكن لم يُعرض عليهم العلاج قطعياً في دراسة معروفة باسم”توسكيجي” وتم وصفها في وقت لاحق بأنها اعتمدت على التضليل.
وتحاول الحكومة الأمريكية وجماعات الحقوق المدنية الآن بنشاط تهدئة مخاوف عدم الثقة المتأصلة في أعماق المجتمعات السوداء، وقال مسؤولون من إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، إن الإدارة تخطط لكيفية الوصول بأكثر الطرق أبداعاً وشفافية إلى الأمريكيين أينما كانوا، وأكد مارك موريالن رئيس الرابطة الوطنية الحضرية، أن الشفافية لها أهمية قصوى.
وأشار العديد من المقربين لفريق بايدن الانتقالي إلى أن أنه لا توجد شفافية حقاً فيما يتعلق بخطة التوزيع التي وضعتها إدارة ترامب، وقالوا إن الإدارة تتحدث عن وصول اللقاحات إلى الأمريكيين الضعفاء بدون أي تعريف واضح لذلك، وأكدوا على ضرورة القيام بحملة إعلانية مدروسة وممولة جيداً لتزويد الناس بالمعلومات، خاصة فيما يتعلق بأن عمليات التجارب السريرية قد شملت أشخاصاً من جميع الخلفيات والأعراق.
وتتفاوض إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، مع شركة فايزر لتأمين المزيد من لقاحات فيروس كورونا بعد تحذيرات من الطلب الشديد على الإمدادات المتبقية، وقال وزير الصحة والخدمات أليكس عازار إن الحكومة الأمريكية تدفع من أجل أن يكون لها دور أكبر في تطوير وتصنيع اللقاح، الذي تم إنتاجه بدون تمويل حكومي للأبحاث.
وتأتي مفاوضات الحكومة الأمريكية مع فايزر في وقت عصيب للغاية مع تفشي جائحة كوفيد- 19 في الولايات المتحدة مع موسم الأعياد، وأصر المسؤولون الأمريكيون على أن لديهم جرعات كافية، حيث قال عازار إن الحكومة تعاقدت على استلام 900 مليون جرعة من اللقاحات المختلفة.
وأكد المسؤولون الأمريكيون أنهم يسيرون في الطريق الصحيح لتحقيق أهداف توزيع اللقاحات في الأسبوع المقبل مع 2 مليون جرعة إضافية من فايزر و5.9 مليون جرعة من لقاح موديرنا إذا تمت إزالة العقبات التنظيمية في الأيام المقبلة.
واقترح العديد من المحللين الأمريكيين على البيت الأبيض الاستفادة من قانون الإنتاج الدفاعي لتكثيف إنتاج لقاحات فيروس كورونا، وإنتاج مليار جرعة على الأقل، لإنقاذ أكبر قدر ممكن من الأرواح والسماح للاقتصاد بالتعافي، وقالوا إن أي تأخير في توسيع القدرة الإنتاجية سيؤدي بلا داع إلى إطالة هذا الوباء القاتل وسيسبب المزيد من الضرر للاقتصاد الأمريكي.
وبدلا من التركيز على فقط على إعطاء الأولوية لإمدادات اللقاح المتاحة، أكد المحللون على ضرورة تركيز البيت الأبيض على توسيع القدرة الإنتاجية باستخدام قانون الدفاع لتأمين اللقاحات للشعب الأمريكي وتلبية الطلب العالمي الهائل، وقالوا إنها فرصة للصناعة الأمريكية.
وقد لا يتحقق تطعيم الغالبية من الأمريكيين قبل الصيف المقبل أو في وقت لاحق على الرغم من الأمر التنفيذي للبيت الأبيض، وفقاً لتقديرات الخبراء، ولكن قانون الإنتاج الدفاعي يسمح للحكومة الفدرالية بشراء أو تركيب المعدات اللازمة لزيادة القدرة الإنتاجية.
وحثت مجموعات التمريض والأطباء والمستشفيات جميع المهنيين الصحيين على أخذ لقاح كورونا ومشاركة خبرتهم مع الآخرين كوسيلة لإقناع أكبر عدد ممكن من الناس بالتطعيم، وفي رسالة مفتوحة، قالت الجمعيات الطبية إنه يتعين على المتخصصين الصحيين “الضغط من أجل معدلات عالية من التطعيم بين سكان الولايات المتحدة للتغلب على الفيروس”.
مناعة القطيع
وقال معظم الخبراء إن الولايات المتحدة تحتاج إلى تطعيم ما لا يقل عن 70 في المئة من السكان من أجل تحقيق “مناعة القطيع”.
وأكدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من جانبها على سلامة وفعالية لقاح شركة “موديرنا” الخاص بكوفيد- 19 وقالت أنه فعال وآمن بنسبة 94 في المئة للوقاية من الحالات الشديدة من الفيروس، ووجدت الإدارة أن لقاحات مودرينا كانت فعالة في جميع الأجناس على غرار لقاح “فايزر”.
ووفقا للمعلومات المتاحة حتى الآن عن اللقاحات، فإن الآثار الجانبية للقاح تشمل قشعريرة وألما في موقع الحقن وحمى وصداع وشعورا بالإرهاق، ولكن معظمها لا يستمر أكثر من يوم واحد، ولم تكن هناك معلومات كافية حول الحماية الطويلة المدى بعد 28 يوماً من أخذ الجرعة. ومن المتوقع أن يخلق لقاح موديرنا تحديات لوجستية أقل من لقاح فايز، لأنه لا يتطلب نفس التخزين شديد البرودة، حيث يمكن أن تظل درجة حرارته ثابتة لمدة تصل إلى 30 يوما بنفس درجة حرارة الثلاجة القياسية.واضطر المسؤولون الفدراليون إلى إعادة الآلاف من جرعات لقاح شركة فايزر في ولايتين مختلفتين بعد أن أصبحت اللقاحات باردة جداً أثناء عملية النقل، ولكنهم قالوا إنها “حالات شاذة” علماً بأن لقاح فايزر يتطلب درجة حرارة تقل عن 80 درجة مئوية تحت الصفر.
ومن المتوقع أن يبدأ توزيع لقاح موديرنا على المزيد من المناطق الريفية ومنشآت الرعاية الصحية طويلة الآجل، في حين تواصل إدارة ترامب المفاوضات مع الشركات المنتجة للحصول على المزيد من اللقاحات.
وتأتي هذه المعلومات مع تزايد معدلات الوفاة والإصابة بفيروس كورونا في الولايات المتحدة إلى مستويات مخيفة، وعلى سبيل المثال، ارتفعت الوفيات في ولاية كاليفورنيا بنسبة 35 في المئة في أسبوع واحد، وقد اضطرت سلطات الولاية إلى شراء 5 الآف من أكياس الجثث و60 وحدة تبريد لحفظ الجثث، وتسجل الولاية لوحدها في المتوسط 32000 حالة إصابة بفيروس كورونا يومياً، وقد تم تسجيل أكثر من 1.6 مليون إصابة هناك مع 21500 حالة وفاة.
وقال مسؤولو الصحة إنه من الواضح أن هناك حاجة ملحة لاتخاذ إجراءات أكثر جدية لكبح العدد المتسارع من الوفيات والإصابات، ومن بينها العودة إلى القواعد الصارمة بشأن التباعد الاجتماعي مثل البقاء في المنزل في موسم العطلات هذا العام.