بيروت العاصمة اللبنانية معالم حضارية عائمة فوق الحزن والجمال

عبد معروف
حجم الخط
0

تعتبر العاصمة اللبنانية بيروت، أكثر المدن جمالا وحداثةً في الشرق الأوسط، حيث تجمع بين الطرز الفنية الشرقية والغربية، القديمة منها والحديثة وفيها المعالم الحضارية والتاريخية التي تمنحها أهمية خاصة بين مدن العالم.
يعود تاريخ مدينة بيروت لأكثر من 5000 عام حيث تدل أعمال الحفريات الأثرية في وسط المدينة على طبقات من الآثار الفينيقية والهيلينية والرومانية والعربية والعثمانية.
وتشير الوثائق التاريخية التي اطلعت عليها “القدس العربي” في مكتبة المتحف الوطني اللبناني، أن تريفون الملك الهليني دمر بيروت واحتلها في عام 140م خلال صراعه مع أنتيوخس السابع للسيطرة على الحكم السلوقي. ومن ثم أعاد بناءها على الطراز الهليني وسميت لاوديسيا الفينيقية وفي بعض الأحيان لاوديسيا الكنعانية.
وتؤكد الحفريات التي نفذتها المديرية العامة للآثار في عام 1994م على أن شارع سوق الطويلة وسط بيروت، هو تطور لشارع هيليني أو روماني قديم وجد عام 140م.
وحسب المؤرخ كمال الصليبي، “فإن اسم المدينة في اللغات السامية بيروت (جمع كلمة بير) أي آبار المياه” وكانت تسمى قديمًا “غرغش” (نسبة إلى قبيلة كنعانية قديمة) ولا تزال تسمية “خليج مار جرجس” تراثًا محفوظًا لهذه القبيلة في بيروت.
لذاك فإن مدينة بيروت من أقدم المدن على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وبالتالي من أولى المدن في العالم القديم. ويعود تاريخ تخطيطها إلى أقدم القرون، وكانت رقعة المدينة تضيق وتتسع باختلاف الدول التي مرت عليها من زمن لآخر. والحقيقة أن الكنعانيين استوطنوا الساحل الشرقي للبحر المتوسط، ثم نمت تلك القبائل وتفرقت واتخذت لها المستعمرات على طول الساحل، وصارت كل منها شبه مملكة صغيرة مستقلة بالحكم والتدبير عن سواها.

أرض الحريات

بيروت، أهم مدن لبنان وعاصمته النابضة بالحياة، وشكلت عبر سنواتها الماضية، أرض الحريات والثقافة والموضة، ففي بيروت المزيج الرائع بين الشرق والغرب.
يقول الدكتور محمد دبوق أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية، أن بيروت تميزت عبر العصور بعظمة تاريخها العريق الموغل في الزمن وهي المدينة التي اشتهرت بموقعها الاستراتيجي على الساحل الشرقي للبحر المتوسط بحيث كانت ملتقى الحضارات التي تعاقبت على مدى التاريخ القديم والحديث.

بيروت من أولى المدن في العالم القديم

وأشار الدكتور دبوق لـ”القدس العربي” إلى أن بيروت ازدهرت منذ القدم بمينائها على الشاطئ الكنعاني – الفينيقي للبحر المتوسط، وكانت محطة تجارة والتقاء بين الشرق والغرب، وتردد اسمها في رسائل تل العمارنة في مصر الشهيرة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وكانت مدينة عامرة يحكمها ملك يدعى عمونيرا.
وخلال الحرب العالمية الأولى يضيف الدكتور دبوق، كانت بيروت مدينة شرقية جديدة بسحر البحر المتوسط، وتنفرد بتنظيم مدني أوروبي، وتتميز بحجارتها وشرفاتها الصغيرة، وتعود معظم الأبنية وقصورها القديمة فيها إلى الحقبة العثمانية أو زمن الانتداب الفرنسي.
وتضم بيروت عددًا من المؤسسات الرسمية وأهم المتاحف والجامعات والمطار الدولي الرسمي، وشكلت مساحة حيوية تميزت بوجود الفنادق والمكاتب والعمارات السكنية.

آثار تراثيّة

ومنذ العام 1994 كشفت بيروت عن صدرها عبر حقب مختلفة من تاريخها العريق من خلال عمليات إعادة البناء؛ وعمل بعثات تنقيب أثرية في حفريات أثرية أبرزت الكثير من الآثار والكنوز الرائعة، وقد تمّ تصنيف عدد من الأبنية والأماكن المقدّسة والعامّة في وسط بيروت كآثار تراثيّة، واحتفظت المدينة بطرقاتها الرئيسية مع تحسين وتحوير في المناطق المستحدثة، وإتخذت الأسواق حلّة جديدة وأزيل غبار السنين عن الأبنية الرسمية فأكسبها التّجديد مسحة معمارية حديثة.
وبحسب المديرية العامة للآثار فقد كشف وسط المدينة عن كنوز تاريخية وأثرية تعود إلى الحقبات العثمانية والصليبية والعباسية والأموية والبيزنطية والرومانية والهللينستية والكنعانية، وبرزت هذه الكنوز والمواقع الأثرية في حدائق عامة مفتوحة للزائرين، كما تمّ العثور على امتداد لمدافن بيروت الرومانية، ولأول مرة عثر في جنوب العاصمة على منشآت رومانية، وأدوات تعود إلى عصور ما قبل التاريخ.
وسط بيروت منطقة نابضة بالحياة، وتعتبر من أهم المناطق السياحية في بيروت، وأكثرها استقطاباً للسياح؛ فهي تعج بالمتاحف، والمقاهي، والمطاعم، والمتاجر، والحفلات الموسيقية في الهواء الطلق.

كانت محطة تجارة والتقاء بين الشرق والغرب

مدينة بيروت من المدن الغنيّة بالثقافة والتاريخ؛ وذلك لكثرة الحضارات التي مرّت عليها والتي كان لها أثر واضح فيها؛ كالحضارة الفينيقية، والرومانيّة، والعثمانيّة؛ لذلك تعدّدت متاحف المدينة، وأبرزها المتحف الوطني ويعد من أهم المعالم السياحية في بيروت التي تساعد في التعرف على هويتها وتاريخها القديم والحديث، فهذا المتحف كنز وطني يقع في وسط مدينة بيروت، ويقدم العديد من صالات العرض، الزاخرة بالمقتنيات الأثرية، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 5 آلاف عام، بالإضافة إلى الفسيفساء، والمومياوات، وغيرها من القطع الأثرية المذهلة، التي تعود إلى حضارات، وعصور متباينة، أبرزها العصر الروماني، والإغريقي، والإسلامي، والمملوكي إلخ.

معالم عمرانية

كما يعد مسجد محمد الأمين قرب ساحة الشهداء، أكبر مسجد في بيروت ولبنان بوجه عام، وأجملها من حيث التصميم، ويمتاز بتصميمه المعماري المميز على الطراز العثماني، بقبابه الزرقاء والأربع مآذن الضخمة، التي يمكن رؤيتها من أي مكان في بيروت.
أما داخل المسجد فهو زاخر بالزخارف والتفاصيل المعمارية الراجعة للطابع المملوكي، وأسقفه مزينة بقطع ضخمة من الكريستال، مسجد محمد الأمين يعود تاريخه لأكثر من قرن ونصف، ويتسع لأكثر من 5 آلاف شخص.
ومن معالم بيروت البارزة، متحف سرسق، الذي كان في البداية قصراً قام ببنائه الراحل نقولا سرسق من أسرة آل سرسق، وهي واحدة من أهم الأسر الأرثوذكسية الثرية في بيروت، وذلك في عام 1910م، ولكنه أوصى بعد وفاته أن يتحول القصر لمتحف للفنون الحديثة.
يضم متحف سرسق العديد من قطع الأنتيكات، والمقتنيات الثمينة التي وجدت في القبو منذ فترة، كما يحتوي على العديد من الأعمال الإسلامية الفريدة، ومن وقت لآخر يقام فيه الكثير من العروض الأدبية اللبنانية، والعالمية، لذلك متحف سرسق هو دار الفن والأدب بكل ما في الكلمة من معنى، فلا تفوت زيارته، واستمتع بمشاهدة تصميمه المعماري الفريد، ومعروضاته التي لا تقدر بمال عند السفر الى بيروت.

تمّ تصنيف عدد من الأبنية والأماكن المقدّسة والعامّة كآثار تراثيّة

وفي بيروت أيضا متحف “ميم” من أجمل وأمتع مقاصد السياحة في بيروت، هو عبارة عن متحف علمي يقع في حرم جامعة القديس يوسف، وقد جاءت تسميته “ميم” اختصاراً لجملة “متحف معدن ومنجم”.
يعرض متحف “ميم” الفريد من نوعه، مجموعة متنوعة من الأحجار والمعادن التي يتم عرضها كما وجدت في الطبيعة، دون تدخل من الإنسان في تشكيلها، وجمعت معروضات المتحف وعددها 1480 قطعة من أكثر من 65 بلدا.
وتتميز العاصمة اللبنانية بيروت في تاريخها المعاصر بشوارعها الجميلة، التي تحضنها الأضواء والأشجار والمحلات الأنيقة. ويعد شارع الحمراء من أهم شوارع بيروت السياحية حيث كان يستقطب آلاف السياح يومياً. وبقي شارع الحمراء قلب بيروت النابض بأجوائه الصاخبة المفعمة بالحياة، يعج بالعديد من المتاجر والمحلات الفاخرة التي تقدم أهم الماركات العالمية، فضلاً عن المقاهي، والملاهي والمطاعم المختلفة. كل ذلك كان يجعل التجول فيه من أمتع الأنشطة السياحية في بيروت.
وفي الساحل الغربي من بيروت، منطقة الروشة والتكوينات الصخرية الرائعة، وبالقرب من صخرة الروشة التي اشتهرت خلال عقود من الزمن بالمقاهي المحلية والأجنبية ذات الطبيعة الساحرة والموقع الخلاب.

أقدم شوارع المدينة القديمة

أما شارع الجميزة، فهو شاهد على العراقة والمعاصرة اللبنانية في الوقت ذاته، فيه البيوت الثراثية القديمة الباقية من ماض لم يعد موجوداً إلا في الكتب، وأبراج تعانق السماء تمثل الحاضر. فقد يكون شارع الجميزة هو الأقدم والأطول ما بين شوارع المدينة القديمة؛ الأمر الذي جعله من أبرز الأماكن السياحية في بيروت.
ويقع شارع الجميزة مقابل مرفأ بيروت، في الناحية الشرقية من منطقة وسط العاصمة، السير فيه نهارا تجربة ممتعة جداً لمشاهدة الأبنية بتصاميمها المعمارية التراثية العريقة،

كنوز تاريخية تعود إلى الحقب الرومانية والهللينستية والكنعانية

وفي الليل مزدحم جداً وصاخب، وذلك لانتشار النوادي الليلية والمطاعم.
بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس الماضي، تراجعت الحركة السياحية وتوقف نسبيا نبض الحياة في شارع الجميزة لما أصابه من أضرار وتدمير بسبب الانفجار.
كان لسنوات الحرب اللبنانية، أثر كبير في تضرر تراث بيروت ومبانيها القديمة، وخصوصاً في وسط المدينة والأحياء المحيطة به. وأتت مرحلة إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب لتطرح خطّة لا تحمل في طيّاتها رؤية لحماية هذا التراث. هذا ما دفع ناشطين ومهندسين ومتخصّصين في مجالات مختلفة إلى التحرّك للمطالبة بالحفاظ على ذاكرة مدينة بيروت. رافق ذلك إعداد دراسات وأبحاث وسّعت المعرفة ببيوت بيروت القديمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية