لندن-«القدس العربي»:
أثارت مجلة “فرانس فوتبول” ضجة على نطاق واسع، طيلة الأيام القليلة الماضية، بعد الكشف عن نتائج التصويت الاستثنائي، لاختيار التشكيل المثالي لأساطير كرة القدم في كل العصور، عوضا عن إلغاء الحفل السنوي لتسليم جائزة الكرة الذهبية (بالون دور)، لأفضل لاعب في العالم، بسبب مأساة البشرية مع جائحة كورونا منذ بداية 2020 وحتى هذه اللحظة.
غضب عارم
بدا واضحا من خلال ردود الأفعال سواء في عالم التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام العالمية، أن الأغلبية الكاسحة لا تتفق فقط مع اختيارات الصحافيين، الذين قاموا بالتصويت لاختيار أفضل 11 لاعب عبر التاريخ، بل أيضا مع الطريقة التي استخدمتها اللجنة المنظمة، بوضع أساطير مقدسة، لكن في مراكز غير مراكزها الأصلية في القائمة المرشحة، كنوع من أنواع الضغط على المصوتين، لإلزامهم باختيارات معينة، ليخرج التشكيل الأفضل كما أراد المنظمون، حتى ولو جاء على حساب أساطير وسحرة لا يقارنون بأحد، على الأقل في مراكزهم.
حراسة المرمى
بالنسبة لحراسة المرمى، وقع اختيار المصوتين على أسطورة السوفيت في الخمسينات والستينات ليف ياشين، ليكون حامي عرين التشكيل المثالي لأعظم أساطير اللعبة، باعتباره الحارس الوحيد، الذي تمكن من تحقيق جائزة الكرة الذهبية، وتقديرا لمساهمته في تغيير نظرة العالم إلى مركز حارس المرمى، بفضل موهبته الفريدة من نوعها وتصدياته الإعجازية، وكان يفعل ذلك في العصور الوسطى، قبل التطور المذهل في التدريبات، باستخدام معدات حديثة لرفع كفاءة الحراس فنيا وبدنيا، ومع ذلك، ترى صحف إسبانية، أو بالأحرى المحسوبة على ريال مدريد، وفي مقدمتهم “آس”، أن المجلة الفرنسية، تجاهلت قائد الميرينغي إيكر كاسياس، لحصوله على ألقاب تفوق ياشين، بواقع 19 بطولة مع الملكي واثنتين مع بورتو وثلاثة مع المنتخب الإسباني، منها لقبا يورو وآخر كأس العالم، ونفس الأمر للإعلام والمتابعين في إيطاليا، يعتقدون أيضا أن الأحق بحراسة مرمى تشكيل أحلام “فرانس فوتبول” هو الأسطوري جيجي بوفون، ليس فقط لألقابه التي تفوق ليف، بل أيضا لمسيرته الهوليوودية، كحارس لا يزال يلعب في أعلى مستوى تنافسي بعدما تخطى عامه الـ40، وبدرجة أقل، يعترض الألمان على تجاهل الأسطورة الحية مانويل نوير، الذي اختير ضمن القوام الثالث لتجميل الصورة.
الضحية راموس
على مستوى الدفاع، لم يكن هناك أي خلاف على اختيار القيصر الألماني فرانك بيكنباور في محور قلب الدفاع، في رسم 3-4-3، وذلك بطبيعة الحال، لبصمته الكبيرة في اللعبة برمتها، كواحد من أعظم رموز اللعبة سواء كلاعب أو كمدرب أو مسؤول، يكفي فوزه بالكرة الذهبية مرتين عامي 1972 و1976، ومساهمته في فوز الماكينات باليورو عام 1972 ومونديال 1974، فضلا عن قيادته للألمان كمدرب للفوز بكأس العالم 1990، وغيرها من الإنجازات التي يصعب حصرها في مادة واحدة، والتي تجعله دائما وأبدا على مسافة بعيدة جدا عن باقي المدافعين، لكن ما أثار الجدل والخلاف، خصوصا في إسبانيا، هو استبعاد قلب ريال مدريد النابض سيرخيو راموس من القوام المثالي، هو القائد المحنك لجيل “لاديسما”، الذي ساهم بشكل كبير في عودة أمجاد الخمسينات، بالفوز بكأس دوري أبطال أوروبا 4 مرات في ظرف 5 سنوات، ناهيك عن فوزه مع لاروخا باليورو مرتين وكأس العالم مرة، وحدث ذلك، نتيجة نظام التصويت، الذي يُلزم الصحافيين باختيار قلب دفاع وحيد من قائمة عظماء المركز، جنبا إلى جنب مع أسماء بحجم فرانكو باريزي وأندرياس بريمه وماتيوس زامر وفابيو كانافارو وآخرين، في المقابل، كانت الاختيارات مقنعة على مستوى الأظهر، بالتصويت لمُلهم المدافعين باولو مالديني في مركز الظهير الأيسر بعد منافسة شرسة مع المدفعجي روبرتو كارلوس والأنيق مارسيلو، وفي الجهة المقابلة، اختير البرازيلي الأسطوري كافو، على حساب مواطنه كارلوس ألبيرتو وقائد ألمانيا السابق فيليب لام والإيطالي كلاوديو جينتيلي والفرنسي ليليان تورام.
مؤامرة الوسط
يبقى اللغز المحير، الذي أعطى النقاد والمتابعين فرصة ذهبية للتشكيك في نوايا اللجنة المنظمة والقائمين على التصويت، أو على أقل تقدير وضع علامات استفهام بالجملة، هو ما حدث في توزيع قوائم المرشحين في وسط الملعب، على سبيل المثال وضع الجوهرة السوداء بيليه في وسط الملعب من جهة اليسار، والراحل دييغو مارادونا كلاعب وسط أيمن، رغم أن الأجيال الجديدة التي لم تشاهد الأسطورتين، تعرف جيدا أن الاثنين كانا يلعبان في الهجوم، خصوصا بيليه، الذي اشتهر بأسلوبه الخاص في اقتناص أنصاف الفرص، وهذا ما تسبب في غياب قامات عن مركز لاعب الوسط المهاجم أو رقم (10)، في مقدمتهم مؤسس نهضة برشلونة الحديثة يوهان كرويف، الذي ابتكر مفهوم “الأناقة” في كرة القدم، بفضل أسلوبه الرشيق وطريقة تحكمه في الكرة والمرور من المنافسين، فيما كان يظهر أمام المشاهدين بالأمر السهل والبسيط، لكن على أرض الواقع، لم يكن الأمر كذلك، بل كان تجسيدا لمعنى العبقرية داخل المستطيل الأخضر، كلاعب من الزمن القديم، لكن بإمكانات نجم من الطراز العالمي في الكرة الحديثة، كالكرواتي لوكا مودريتش، المُلقب بكرويف الشرق، لتشابه أسلوبه مع أسطورة الأراضي المنخفضة، مع الفارق الكبير في البنيان الجسدي والطول الفارع للراحل الهولندي، الذي كان يلعب برأس مرفوعة، كأنه فرس يختال بالكبرياء.
وشملت قائمة أبرز الغائبين عن وسط فريق أحلام “فرانس فوتبول”، أو بالأحرى ضحايا إدراج بيليه ومارادونا في وسط الملعب، العبقري الآخر زين الدين زيدان، رغم أنه قبل ظهور الثنائي كريستيانو وليو، كان على مسافة قريبة جدا من الثنائي الأفضل في القرن الماضي، لأسلوبه الساحر للأعين، بالتحكم والسيطرة على الكرة، وكأن بين قدميه مغناطيسا للتحكم في الكرة، هذا بخلاف إنجازاته على صعيد الألقاب، كواحد من القلائل الذين توجوا بكل البطولات سواء على صعيد الأندية أو المنتخبات، بحصوله مع يوفنتوس على السيريا آه وكوبا إيطاليا، ومع الريال فاز بالليغا ودوري الأبطال، بفضل لوحته الإبداعية الخالدة على ملعب “هامبدن بارك”، غير أنه قاد الديوك للفوز بكأس العالم للمرة الأولى عام 1998، بعد ثنائيته الشهيرة بالرأس في مرمى البرازيل، ثم يورو 2000، ولولا سوء الطالع وركلات الترجيح، لختم مسيرته بالمونديال الثاني بعد الهزيمة أمام إيطاليا في نهائي 2006.
كما تسبب نظام التصويت، في غياب من وصفته صحيفة “آس” بأفضل لاعب في تاريخ ريال مدريد، وهو ألفريدو دي ستيفانو، بالإضافة إلى أسماء أخرى من نوعية ميشيل بلاتيني وأندريس إنييستا وأعظم لاعب وسط إيطالي أندريا بيرلو، في المقابل جاءت اختيارات الصحافيين بتشافي هيرنانديز ولوثار ماتيوس، أما كريستيانو وميسي، فكانا أكثر المستفيدين من وضع بيليه ومارادونا في اختيارات وسط الملعب، بوقوع الاختيار عليهما لقيادة الخط الأمامي إلى جانب الظاهرة البرازيلي رونالدو، أما الأكثر تضررا في الهجوم، فهو الجلاد الهولندي ماركو فان باستن، الذي نال الكرة الذهبية 3 مرات، ومعه علامات مضيئة في التاريخ بحجم فيرينتس بوشكاش وجورج بيست وجيرد مولر وروماريو ودينيس بيرغكامب، والآن السؤال لك عزيزي القارئ: هل تؤيد اختيارات تشكيل أحلام “فرانس فوتبول”؟ أم تعتقد أن هناك أسماء أخرى كانت تستحق التواجد؟