المغرب العربي يوحده «الكسكس»؟

حجم الخط
23

نشرت جريدة «لوموند» الفرنسية يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2020 خبرا حول تسجيل منظمة اليونسكو خلال يوم الأربعاء 16 ديسمبر 2020 طبق «الكسكس» الشمال الافريقي، ضمن قائمتها للتراث العالمي غير المادي، إثر تقديم أربع دول مغاربية، هي الجزائر والمغرب وموريتانيا وتونس، للمرة الأولى، ملفا مشتركا بعنوان «الكسكسي: المعارف والمهارات والطقوس».
وبينت الجريدة أن الجزائر قدمت ملفا حول هذا الطبق لليونسكو في أيلول/سبتمبر 2016 ما أثار غضب المغرب المجاور، الذي يمثل غريما سياسيا ودبلوماسيا وثقافيا لها، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق لاحقا، حيث قدم الملف المشترك في آذار/مارس 2019، وهي المرة الأولى التي توحد فيها أربع دول من المغرب العربي، جهودها في موضوع مماثل. وعلقت الجريدة على هذا الخبر بقولها، إن الدول الأربع عبرت عن «سعادتها» و»فخرها» بهذا الاعتراف الثقافي، خلال احتفالية رسمية نقلها يوم الأربعاء موقع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).
أثارت لديّ هذه المقالة أربع ملاحظات تتعلق أولاهما بالقول، إن هذه هي المرة الأولى التي تتوحد فيها الجهود المغاربية في موضوع مماثل، وهذا صحيح إلى حد ما. لكن ذلك لا يخفي الجهود الوحدوية المغاربية في الموضوعات المصيرية، التي تهم شعوب المنطقة، والتي ظلت مهيمنة خلال كل التاريخ، إلى أن ظهر ملف الصحراء المغربية، فبدأت التفرقة التي فرضتها الجزائر، ليس فقط على المغرب، بل على المنطقة برمتها.
أما الملاحظة الثانية فتبرز رغبة الجزائر في الاستئثار بما يوحد المغاربيين مدعية أنه في ملكيتها دون غيرها، فتقدمت بالملف إلى اليونسكو سنة 2016. وبعد ثلاث سنوات تعود إلى رشدها ليتقدم الملف جماعيا، وبعد سنة واحدة يتم تسجيل الكسكس تراثا عالميا. وتبدو الملاحظة الثالثة في التعبير عن السعادة والافتخار لدى الدول الأربع. أما الملاحظة الأخيرة: لماذا تم تغييب ليبيا من هذه السعادة وذاك الافتخار؟ هل الليبيون لا يحسنون إعداد الكسكسي؟ أكلته في ليبيا فلم يختلف في طعمه عن غيره من الكساكس! أستنتج من تلك الملاحظات أن الجزائر سباقة إلى الدعوة إلى الفرقة، والاستئثار بما في المنطقة، بادعاء أنه لها دون غيرها. ولما تكن الاستجابة بما يتلاءم مع الواقع الذي تشكل عبر التاريخ، وتوحدت الجهود فكان الاعتراف، وأخيرا كانت النتيجة مسعدة، وداعية لـ»الفخار» للمنطقة ما عدا ليبيا المتفرقة. وحدنا الكسكس، الذي كنا نسميه «الطعام»، لكن فرقتنا السياسة المبنية على «الطمع»، الذي جهز له حكام الجزائر كل طاقاتهم المالية، والإعلامية، والدبلوماسية، منذ عام 1975 لتعريض المنطقة لمشاكل لا حصر لها، وهم مستمرون إلى الآن. ومن لا يعترف بالقيمة الرمزية للطعام، والملح، والدخان في الثقافة المغاربية لا يمكنه إلا أن يكون خائنا لـ»العيش» المشترك.

إن من يطرحون مقولة «الشعب الصحراوي» لا يلتفتون إلى الشعب المغربي وتشكله عبر التاريخ، خاصة منذ دخول الإسلام إلى المنطقة التي صارت تحمل اسم المغرب الأقصى.

ابتدأت سياسة التفرقة التي انتهجها «ثوار» الجزائر بخلق «أسطورة» الشعب الصحراوي نكاية في المغرب حين طالب باسترجاع جزء من ترابه الوطني، الذي كان خاضعا لإسبانيا من خلال المسيرة الخضراء. ويبدو ذلك بجلاء من خلال طردهم لـ 45000 أسرة جزائرية من أصول مغربية فقط لأنهم «مغاربة» في ظروف لاإنسانية. هل بدعوى المقولة «الثورية « تقرير مصير الشعب الصحراوي، وادعاء الحياد في هذا الصراع يكون طرد جزائريين ولدوا في الجزائر، وناضل آباؤهم من أجل الجزائر فقط لأن أصول آبائهم أو أجدادهم من المغرب؟ أين الجوار والملح والطعام؟ كيف كانت العلاقة بين المغرب والجزائر قبل بروز الحكومة «الثورية»؟ إن المغاربة والجزائريين والموريتانيين كانوا مندمجين بينهم، والكثير من القبائل من هذه الأقطار الثلاثة موزعة بينها، قبل بروز الحدود التي فصّلها الاستعمار، وهو يبدأ بالجزائر، على مزاجه ومصلحته ضد جغرافيا توزع القبائل في المنطقة.
إن من يدافع عن الحدود التي رسمها الاستعمار لا يمكنه أن يراعي جغرافيا ما قبل الاستعمار، حين كانت الأقطار مفتوحة على بعضها، ويدعو إلى تمزيقها بدعوى «ثورية» لا أساس لها، هو نفسه الذي يطرد 45 ألف عائلة ليحتجز أقل من هذا العدد من العائلات الصحراوية في مخيمات تندوف، ويبقي هذا الوضع اللاإنساني طيلة 45 سنة، وهو نفسه الذي يسعى إلى تسجيل تراث المنطقة باسمه متنكرا للتاريخ والجغرافيا.
إن من يطرحون مقولة «الشعب الصحراوي» لا يلتفتون إلى الشعب المغربي وتشكله عبر التاريخ، خاصة منذ دخول الإسلام إلى المنطقة التي صارت تحمل اسم المغرب الأقصى. فمنذ تأسيس الدولة الإدريسية إلى النضال ضد المستعمر الفرنسي والإسباني والبرتغالي ظلت الجهود متواصلة لتوحيد المغرب العربي. لن أتحدث عن المرابطين والموحدين والمرينيين الذين كان حكمهم يمتد إلى الأندلس شمالا، ونهر السنغال جنوبا، وتونس شرقا، ولن أتناول الصراع المشترك ضد الإسبان والبرتغال والعثمانيين، قبل مجيء الاستعمار الفرنسي والإسباني، فكل هذا معروف لمن يصغي لدروس التاريخ. إن الطعام الذي يجمع بين أواصر شعوب المنطقة هو تاريخ النضال المشترك، إنه تاريخ الجهاد والوحدة، وليس تاريخ الإعلام الأيديولوجي والتفرقة. الصحارى موجودة في كل المغرب العربي، من يستثني المغربية منها جاحد للطعام طامع في الهيمنة.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية