معرض جماعي لعشرة نحاتين سوريين في دمشق القديمة

حجم الخط
1

بما يزيد عن عشرين منحوتة مختلفة الشكل والحجم واللون، ومع أقنعة واقية وقفازات وزجاجات كحول ومواد تعقيم، تستضيف صالة «قزح» للفنون وسط دمشق القديمة النسخة الثالثة من المعرض الجماعي السنوي «نحت»، ليكون آخر فعالياتها لهذا العام.
ويجمع المعرض الذي يستمر لثمانية أيام، عشرة نحاتين من أجيال ومدارس مختلفة، ويعرض ضمن غرفتين منفصلتين داخل الصالة ذات الطابع الشرقي القديم أعمالاً متنوعة وبخــــامات حجـــرية ومعدنية وخشبية، وهو استمرار لمعرضي «نحت1» و»نحت2» اللذين استضافتهما الصالة ذاتها العامين الفائتين.
في الغرفة الأولى تطالعنا مجموعة أعمال متوسطة أو صغيرة الحجم، منها ما هو مشغول بالبازلت أو الحجر أو الإسمنت أو الريزين أو المعادن على اختلافها. بعضها تبين أشخاصاً واقفين بشكل مستقيم أو مائل أو منحني، أو جالسين بوضعية معينة، وأخرى نلمح فيها مجرد رؤوس ووجوه بملامح مختلفة ومغمضة العيون، ومنحوتات أخرى صُنعت على أشكال حيوانات أو طيور تحكي كل منها حكايتها الخاصة.
أما الغرفة الثانية فتضم منحوتات بحجم أكبر، منها ما هو لرؤوس آدمية، أو أجساد واقفة، أو لحيوانات بعضها يقف مفرداً، أو يستلقي على ظهره، والبعض الآخر يحمل أشخاصاً، وكأنه يود إنقاذهم من مصير ما.
ويشارك في المعرض كل من الفنانين فؤاد أبو عساف، ومصطفى علي، وصفاء الست، ومهند البيك، ووائل دهان، وجميل قاشا، وعيسى قزح، ووضاح سلامة، وميسان سلمان، ويامن يوسف، بحسب ما ورد في البطاقة التعريفية عنه.

خلال الأزمات العمل الجماعي هو الحل

يوم افتتاح المعرض، وفي بهو الصالة، التقت «القدس العربي» النحات وائل دهان، وهو يشارك في «نحت 3» بعمل مشغول من المعدن والسيراميك، ويبين معزة مستلقية على ظهرها وقد رفعت أقدامها للأعلى، وهي تصوّر وفق حديثه «حالة الاستسلام التي وصل إليها كثير من السوريين اليوم بعد سنوات طويلة من المعاناة والضغط على جميع الأصعدة، فالحيوان لا يأخذ هذه الوضعية إلا عندما يكون بحالة الاستكانة، وتقديم فروض الطاعة، وكم يشبهنا ونحن لا ننتظر سوى انفراج الوضع وتغيره نحو الأفضل». ويمثل المعرض الذي شارك الفنان في نسختيه الماضيتين «حالة طبيعية في ظل أزمة مستمرة تعيشها سوريا منذ سنوات طويلة بسبب الحرب» كما يقول، «فعندما نشعر بأي خطر، نلجأ للاقتراب من بعضنا، وعندما يشتد البرد نتحلق جميعاً حول مصدر الدفء، والأمر كذلك بالنسبة للفنانين داخل سوريا، حيث تعطيهم المعارض الجماعية فرصة للاجتماع واللقاء وعرض مختارات من أعمالهم». وأضاف الفنان وهو خريج كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1993: «عندما يصبح الموت سهلاً، وهو ما لامسناه بشكل يومي في السنوات السابقة، يفقد الزمن أهميته، ويشعر الفنان بنوع فريد من الحرية في الإنتاج، ويتضاعف إصراره على العمل، وهو لا يعلم إن كان سيعيش حتى الغد أم لا. أعتقد بأن ضغوطات الحياة والحرب دفعت فنانين كثرا لمزيد من الإنتاج القيّم، وهذا المعرض يتيح لنا أن نشعر بوجود شركاء في زمن الأزمات هذا».


وبالنسبة للنحات يامن يوسف، فإن معرض «نحت 3» هو مناسبة مهمة لتنشيط حركة النحت في سوريا، وجمع النحاتين مع الجمهور المحب لهذا النوع من الفنون، ومحاولة تجاوز ما يعانيه الفنانون السوريون، خاصة العاملين في مجال النحت، من تحديات يومية على مختلف الأصعدة. وأشار يوسف خلال لقاء مع «القدس العربي» إلى أن تلك التحديات، ومن ضمنها الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي وعدم توفر المواد اللازمة وارتفاع أسعارها بشكل كبير، تضع النحات أمام مهمة شاقة للاستمرار بالعمل والإنتاج بكثافة، «ما يجعل المعرض الجماعي والمشاركة بعدد محدود من الأعمال بمثابة حل يضمن استمرار الفنانين بالعمل ولو بالحد الأدنى، ومتابعة تواصلهم مع بعضهم، خاصة أولئك الذين ينتمون لأجيال مختلفة».
ويشارك الفنان، وهو خريج كلية الفنون في دمشق عام 2006، بعملين في المعرض الحالي. يعــــود الأول، وهو خشــــبي أزرق اللون، لعام 2015، وتظهر فيه امرأة واقفة برأس مائل نحو اليمين. والآخر انتهى منه يوسف قبل فترة وجيزة، وقد صُنع من مادة الريزين، ويُبين امرأة عارية واقفة بشكل مائل قليلاً.

فرصة للقاء الفنانين والجمهور

بجانب منحوتتين تمثلان أربع شخصيات مشغولة من معادن مختلفة، تحدثت الفنانة صفاء الست عن مشاركتها بمعرض «نحت 3»، وهي تشكّل بالنسبة لها «حدثاً مهماً في الوقت الحالي» حسب تعبيرها، إذ تعيش الحركة الثقافية ركوداً نسبياً ليس فقط بسبب تداعيات الحرب وإنما مع انتشار الوباء الناتج عن فيروس كورونا. «فكرة المعارض الجماعية جميلة. هي تدفعنا لأن نخرج أعمالنا من الورشات والمراسم ليراها الجمهور ويبقى على تواصل معها، كما تساعدنا على أن نلتقي بعضنا بعضاً كفنانين، خاصة خلال هذه الفترة الصعبة»، تضيف الفنانة المتخرجة من كلية الفنون في دمشق عام 1997. وإضافة للعملين المذكورين، تشارك الست بعملين كبيرين هما من نتاج معرض سابق لها حمل عنوان «الموت يسكن قريباً مني»، ويتحدث عن مجهولي الهوية في سنوات الحرب السورية، وأولئك الذين ماتوا وبقيت جثثهم وحيدة لم يتعرف إليها أحد، وقد جسدت الفنانة هذه الفكرة من خلال حيوانات ميتة، والألم واضح على وجهها وجسدها.
وبالنسبة لمهند البيك، وهو أصغر المشاركين مع كونه قد أنهى دراسته في كلية الفنون العام الفائت، فقد شكّل المعرض فرصة للبدء بلقاء الجمهور المحب للنحت، ولعرض عملين من مجموعة التخرج الخاصة به، التي حملت عنوان «بقرة»، وقد صُنعت من الإسمنت، وتبين مراحل مختلفة للحيوان وبورتريهات تبادلية بين الحيوان والإنسان، وتتحدث عن الرمزيات المختلفة التي مرت بها الحيوانات عبر التاريخ.
ومع الصعوبات التي يعانيها النحاتون الشباب، كما يشرح البيك عدم وجود مكان مخصص للعمل بشكل مريح وبمساحة كافية للصبّ والنحت والتلوين واستخدام المواد اللازمة على اختلافها، فهذا المعرض وغيره «قد يكون عاملاً مشجعاً للفنان على إنتاج المزيد من الأعمال، خاصة إن اقترن بورشات عمل تفسح المجال للمزيد من التطور» وفق قوله.

وسيلة لدعم الفن السوري

ومن داخل أحد أروقة الصالة، تحدث سامر قزح صاحب الغاليري عن معرض «نحت» بنسخته الثالثة، وأشار إلى أن «ثلاثية الحرب وكورونا وأزمة لبنان شكّلت عاملاً ضاغطاً بشكل سلبي على الفن السوري عامة والنحت على وجه الخصوص، مع صعوبة شحن وتصدير المنحوتات مقارنة باللوحات على سبيل المثال»، ومن هنا قرر الاستمرار بمعرض النحت الجماعي لهذا العام. «منذ أكثر من عامين وأنا متحمس للمعارض الجماعية، فهي تزيح عن كاهل الفنان عبء الالتزام بإنتاج عدد كبير من الأعمال في وقت صعب كالذي نعيشه اليوم، وتسمح له باختيار عملين أو ثلاثة أو أربعة من تلك المشغولة بعناية، الأمر الذي يضمن بشكل أكبر نجاح المعرض سواء بالنسبة للزوار المحليين، أو للمهتمين المقيمين في الخارج والذين يتواصلون مع صالتنا بشكل دوري»، يضيف. ويشير قزح إلى أن التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب ثم أزمة وباء كوفيد-19 لم تثنِ الفنانين السوريين عن الاستمرار بالإنتاج وبالسوية المرتفعة ذاتها، وهم اليوم يشاركون في معارض فردية وجماعية داخل وخارج سوريا، ومنها معارض افتراضية عبر الإنترنت: «هو دليل على أن الفن السوري مطلوب اليوم كما السابق وربما أكثر، وهو ما يدفعنا للاستمرار بدعم هؤلاء الفنانين ليتابعوا بدورهم العمل والإنتاج».

٭ كاتبة سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية