في فيلم مارلين مونرو الشهير «البعض يفضلونها ساخنة» (1959) ظهرت كوميديا متعددة الطبقات، تحتل فيها القصة الفرعية مكانة قد تضاهي أو حتى تتفوق على القصة الرئيسية. وعلى الرغم من بِنْيَة الفيلم الواهية، التي جاءت على غرار الدراما الشكسبيرية القديمة، والتي تدور في فلك قصة رومانسية مكتظة بالمغامرات والمفارقات، التي تنبع من حيلة تنكر الرجال في زي نساء، إلا أن الإخراج النهائي للفيلم وظف المشاهد بطريقة صحيحة، استطاعت أن تضمن النجاح للفيلم على مرّ السنين. والقصة ببساطة تدور حول عازفين موسيقيين محترفين (توني كيرتس وجاك ليمون) اضطرا للتنكر في زي سيدتين؛ للتواري عن أنظار مجموعة من القتلة الذين يلاحقونهما؛ بعد أن شاهدا المذبحة التي اقترفوها. ولضمان البعد عن الساحة لأطول وقت ممكن، التحقا بالعمل مع فرقة موسيقية مخصصة للبنات فقط.
وعلى الرغم من شهرة الفيلم الواسعة، إلا أن القصة شبه مكررة ويعوزها العمق.
أما الغريب أن قصة الحب الملتهبة بين مارلين مونرو وتوني كيرتس لم تكن محور الاهتمام، قدر ما كانت قصة الحب الفكاهية الهزلية بين جاك ليمون ـ المتنكر في زي سيدة ـ والثري الشهير أوزجود فيلدينج الثالث. وتم تخليد تلك الحبكة الفرعية بعبارة شهيرة تتواترها الأجيال لغرابتها في سياق الفيلم وهي «لا يوجد أحد كاملا»؛ لأنها كانت رداً من الثري الشهير على مساوئ العروس المستقبلية له، التي أخبرته في النهاية أنها رجل وليست امرأة. فمساوئ ونقائص أبطال القصة الفرعية كانت من أهم عوامل الجذب لدى المشاهد، التي حولت مارلين مونرو في الفيلم لمجرد وجه جميل مكمل للحبكة الدرامية، لدرجة أن قصتها الرومانسية الرئيسية مع توني كيرتس قد توارت في أذيال القصة الفرعية. ومن المدهش أن ذلك التكنيك يظهر على أرض الواقع في العديد من مناحي الحياة، خاصة السياسية منها، بل كانت هنالك حكاية واقعية مشابهه لبنية أحداث الفيلم، وإن اتخذت شكلا آخر أكثر جدية، ففي البرازيل في عام 1988، وتحديدًا في مدينة ريو دي جانيرو، تقدم 12 شخصا لانتخابات محافظ المدينة، حصل أحد المرشحين على المركز الثالث بإجمالي عدد أصوات 400 ألف صوت، في سابقة هزت العالم بأكمله وتناقلتها الصحف العالمية، وتم تسجيلها في موسوعات الأرقام العالمية، على الرغم من أن المرشح لم يفز في الانتخابات، ولم يحقق عدد أصوات غير مسبوق. لكن المفاجأة أن هذا المرشح الذي يدعى سباستياو – أو كما كان يُطْلَق عليه «تياو» – كان قردا في حديقة الحيوان من فصيلة الشمبانزي. ففي حقبة الثمانينيات، كان القرد «تياو» يحظى بشهرة واسعة، لم يكن مصدرها تميُّز فصيلته أو حجمه؛ فقد كان شمبانزي من فصيلة عادية، وطوله 150 سم ووزنه 70 كغ فقط. وعلى عكس المتوقع، جنى تياو شهرته الواسعة وتميُّزه من «سوء أخلاقه»؛ فقد كان قردا عصبيا وسيئ المزاج ، يقذف جمهور الزُوَّارُ بالطين وقشور الموز وفضلاته، وقذفها ذات يوم على محام وسياسي شهير. أثارت تلك الواقعة لدى الجمهور فكرة أن الشمبانزي «تياو» يعي الأمور السياسية؛ لأنه كرّس جهوده لإهانة هذا المتحاذق. ومن ثمَّ، تبنت صحيفتان هزليتان حملة كبيرة، الغرض منها الترويج لانتخاب الشمبانزي «تياو» لمنصب عمدة مدينة ريو دي جانيرو.
وقصة القرد السيئ الطباع والمزاج مع عالم السياسة، على الرغم من كونها قصة فرعية، إلا أنها عملت على تحويل الأنظار عن القصة الرئيسية، وهي عدم صلاحية المرشحين، أي أن إلهاء المواطن وتحويل دفة تفكيره من موضوع لآخر صار أمراً إعلاميًا يسيرًا.
والهدف من الحملة لم يكن للسخرية فقط، لكن لإيجاد وسيلة لإبطال أصوات الناخبين غير الراضين عن المتقدمين للترشيح. ولما كانت الانتخابات في البرازيل ورقية، بحيث يضع الناخب اسم مرشحه في الورقة، ثم يضعها في صندوق الاقتراع، أخذ الناخبون في كتابة اسم الشمبانزي «تياو» بدلًا من أي مرشح؛ كوسيلة ناعمة للاعتراض على من هم في سدة الترشيح.
وإمعانًا في حبك القصة، حاولت الصحيفتان الهزليتان تقديم أوراق الشمبانزي «تياو» رسميًا للترشيح في الانتخابات؛ لعدم وجود مادة في القانون تمنع ترشيح أي كائن غير آدمي في الانتخابات. ودون أدنى شك، رفضت الجهات العليا أوراق الترشيح، لأن شرط آدمية المرشح مفهوم ضمنًا بشكل صريح. لكن استمرت الصحيفتان في الحملات الدعائية والانتخابية المؤيدة للشمبانزي. وبعد فرز نتيجة التصويت، حصل الشمبانزي «تياو» على أكثر من 400 ألف صوت، ما جعله يعتلي الترتيب الثالث بين المرشحين.
دون شك تعاملت لجنة الفرز على بطاقات التصويت لصالح الشمبانزي «تياو» على أنها أصوات باطلة، لكنها على النقيض أدخلته موسوعة الأرقام القياسية لكونه القرد صاحب أكبر تصويت لصالحه. أما الشيء المدهش أن من فاز بمنصب العمدة في هذه الانتخابات كان المحامي المتحاذق نفسه الذي قذفه «تياو» بفضلاته، ما أكسب الشمبانزي الصيت بقدرته على استبطان الأمور السياسية والتكهن بمستقبل الساسة. وبعد الانتخابات تحول «تياو» لشخصية عامة، ذي مكانة مرموقة في حديقة الحيوان، وتمتع بمقر خاص؛ لأن الإقبال على زيارته تضاعف لمئات المرات، ما جعله يعيش حياة رغدة من الشهرة والسلطة حتى وفاته في 23 ديسمبر/كانون الأول 1996. فقد صار القرد النجم محط الأنظار الذي غطت شهرته على نقائص عمدة ريو دي جانيرو، ما أكد مقولة «لا يوجد أحد كامل».
وقصة القرد السيئ الطباع والمزاج مع عالم السياسة، على الرغم من كونها قصة فرعية، إلا أنها عملت على تحويل الأنظار عن القصة الرئيسية، وهي عدم صلاحية المرشحين، أي أن إلهاء المواطن وتحويل دفة تفكيره من موضوع لآخر صار أمراً إعلاميًا يسيرًا. للتعتيم على أمر خاطئ، يقوم الإعلام بإلهاء الجمهور من خلال تصدير قصة براقة حتى إن كانت جوفاء، لكن من شروطها أن تحدث ضجيجا وصدى واسعا، سواء بالشجب أو بالقبول. وبينما يكون الجمهور مشغولين بتلك القصة، يتخذ القائمون على الأمور خطوات واسعة لتمرير أفكار أو تكنولوجيات أو قوانين أو حتى حروب/اتفاقيات، والشعوب في حالة من الإلهاء والاستمتاع بالمشاركة في قضية هزلية تخدر عقولهم وقدرتهم على التميز.
ولا يقتصر الأمر على إحدى الدول أو الحكومات عينها؛ لأن المنظومة الإعلامية الحديثة تم بناؤها على تمرير كل ما هو غير مستساغ، وترسيخ جذوره من خلال شن حملة هزلية أو مضادة. ولعلنا جميعا نذكر أن أغاني المهرجانات تم الترويج لها ودُفِع مطربوها لقمم المجد من خلال حملات دعائية مناوئة لكلماتها. فالواقع المرير صار كالأفلام السيئة التي تضمن نجاحها من خلال قصص فرعية تكتسب اهتماما يغطي على رداءة القصة الرئيسية حين مشاهدة الفيلم، لكنها في النهاية تخدم نجاح القصة الاستراتيجية المعنية، والتي يقتل فوزها أي قصص فرعية أخرى. واقع القرود والإلهاء هو فيلم سيئ واسع النجاح.
٭ كاتبة مصرية