في صورة معبرة وضعت مجلة “إيكونوميست” في عددها المزدوج قبل احتفالات أعياد الميلاد صورة للكرة الأرضية وعليها علامة حمراء “مغلق” في تجسيد لعام 2020 الذي كان عام الوباء وتوقفت فيه الحياة بشكل مستمر، فبين إغلاق وفتح كان هناك إغلاق وقيود وسعي حثيث للبحث عن عقار يحتوي خطر الفيروس الذي تحول لقاتل خفي يحصد أرواح عشرات الألوف ويعبث بأجساد عشرات الملايين. وفي كل مجال توقفت النشاطات وأصبحت كلها عن بعد لكن القراءة لم تكن تحتاج لإجراءات مع أن مهرجاناتها ومناسباتها توقفت. وكان أول الضحايا هو معرض لندن للكتاب الذي يعقد سنويا في قاعة أوليمبيا بلندن وعلى مدى ثلاثة أيام وتشترك فيه دور النشر العالمية التي تقوم بعرض ما لديها من منشورات وتتبادل المشاريع وتوقع العقود مع الباحثين والمؤلفين وتحتفي بكتابها الذين نشرت لهم الكتب. وقررت لجنة المعرض وبشكل باكر إلغاء المناسبة نظرا لمخاطر التجمع. ومنذ إغلاق الربيع توقفت الحركة الثقافية في بريطانيا والعالم وتحولت إلى “زووم” فمسابقة بوكر المهمة أعلن عن الفائز بها هذا العام عبر زوم، وكان الأسكتلندي دوغلاس ستيوارت “شاغي بين” التي استوحاها من والدته التي توفيت بسبب الإدمان على الكحول وهو في سن السادسة عشرة. ولكن لم يخل العام من مفاجآت في مجال النشر رواية وسيرة ذاتية. وظلت دور النشر الأمريكية مهتمة بظاهرة دونالد ترامب التي تغيب عنها الشمس، لكن سيرة باراك أوباما قدمت طعما جديدا للسيرة السياسية. وشهد العام فضائح أدبية ووفاة “ملك رواية الجاسوسية” جون لوكاريه. والاستعراض التالي هو اختيارات وقراءات لبعض ويغطي مساحات تهمنا، سواء مرور 10 أعوام على انتفاضات الربيع العربي أم ما يتعلق بالشرق الأوسط والثقافة بشكل عام. ويمكن وصف عام 2020 بأنه كان غريبا واستثنائيا ومخيفا في نفس الوقت، وهو عام لم يتوقف فيه الإبداع ولا محاولة التعبير عن هاجس اللحظة.
أدب
شهد العام صدور عدد من الروايات التاريخية في بريطانيا على رأسها رواية هيلاري مانتل “المرآة والضوء” وهي الجزء الأخير من ثلاثيتها “وولف هول” و”قاعة الذئب” والتي تغطي سقوط بطلها توماس كرومويل، ومقتل آن بولين زوجة هنري الثامن الذي كان يبحث عن زوجة جديدة. وبحسب صحيفة “صاندي تايمز” فالثلاثية تعتبر أكبر إنجاز في الرواية التاريخية البريطانية. وصدرت رواية ستيوارت تيرتون “الشيطان والمياه المظلمة” وهي عن سفينة تمخر عباب البحر من إيست إنديز الهولندية إلى امستردام وتدور أحداثها في ثلاثينات القرن السابع عشر. أما ماغي أوفاريل فقد نشرت “هامنيت” التي فازت بجائزة المرأة وتعكس الحياة والحب في ظل الموت منذ عدة قرون. وهي مستوحاة من قصة حقيقية عن الإبن الوحيد لويليام شكشبير واسمه “هامنت” الذي مات في سن الحادية عشرة. وتركز على آن هاثاوي، وليس زوجها كاتب المسرحيات شكسبير وتصور الحزن على فقدان الإبن في زمن الوباء. إيزابيل أليندي نشرت هذا العام رواية “تويجة البحر الطويلة” عن سفينة تحمل على ظهرها ألفي مهاجر فروا من الحرب الأهلية الإسبانية عام 1939. وهذا الرحيل هو أساس هذه الملحمة التاريخية والتي يتردد صداها اليوم في أزمة اللاجئين والتي توازي حياة أليندي الحقيقية.
وفي رواية دون ديليلو “الصمت” التي أكملها قبل فيروس كورونا صورة عن العيش في ظل الخوف والحياة في غرفة تصبح فيها الشاشة معتمة والكارثة تتكشف في الخارج. وفي رواية جيني أوفيل “طقس” صورة عن أمريكا ترامب والإنهيار المناخي. وأكملت ألي سميث رباعيتها بـ “صيف” حيث تناولت فيها الخروج البريطاني من أوروبا “بريكسيت” والتغيرات المناخية والمهاجرين وسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات. وجمعت في الرواية الأخيرة بين شخوصها والشخوص السابقة وقاربت بين سجون الحرب العالمية الثانية ومعتقلات اللاجئين اليوم. وفي رواية الإثيويبة ماعزا مينغستي “الملك الظل” صورة عن النساء المقاتلات أثناء غزو موسوليني لإثيوبيا عام 1935 والاضطهاد الذي تعرضن له في داخل مجتمعهن.
ولم يختف النزاع في الشرق الأوسط عن روايات هذا العام، فرواية “أبيرغون” لكولام ماكان التي نشرت في شباط/فبراير 2020 هي عن رجلين، أحدهما فلسطيني قتلت ابنته وآخر إسرائيلي وأصبحا صديقان. وبنى ماكان روايته على هذه القصة الحقيقية، وحظيت الرواية باحتفاء في الصحافة البريطانية.
وكانت من الكتب التي رشحت لجائزة كتاب فلسطين هذا العام التي جرت عبر زووم في تشرين الثاني/نوفمبر وفازت فيها رواية سوزان أبو الهوى “ضد عالم بلا حب” وهي رواية ممتعة عن نهر والحب والحرية والكفاح والعار في عالم بدون حب. واختارت الروائية الكندية والحائزة على جائزة بوكر مرتين مجال الشعر هذا العام وأصدرت في تشرين الثاني/نوفمبر “عزيزي” وهي مجموعة من التأملات في الطبيعة والمواجهة مع الأسطورة والخرافة والغرباء.
دروس الشتاء العربي
عقد مضى على الربيع العربي الذي تحول إلى ربيع الديكتاتوريات أو شتاء العرب، ورغم اختلاف الباحثين حول إرث الثورات التي أعقبت إقدام بائع الفواكه في بلدة سيدي بوزيد التونسية وأطاحت بأربع رؤساء عرب وفتحت الباب أمام حروب أهلية إلا أنها أعادت تشكيل المنطقة العربية بحيث أصبحت مختلفة عما كانت عليه. وكما قال مارك لينتش بمقاله المهم بدورية “فورين أفيرز” فالانتفاضات العربية لم تنته ولا يقاس نجاحها بانقلاب أو ثورة مضادة لأنها متواصلة وما وضح بعد الثورات العربية هي أن الديكتاتوريين تعلموا درس عدم ترك أي مساحة للحرية أمام المواطنين، فيما تعلم الناشطون دروسا عدة من الثورات الفاشلة. وشهد هذا العام صدور عدد من الدراسات التي حاولت فهم سبب “الفشل” للربيع العربي. وتكشف الدراسات هذه عن الطبيعة الدائمة للاستبداد وقدرته على التكيف والاستمرار وكذا الانفجار. ويكشف كتاب أولف لاسينغ “فهم ليبيا بعد القذافي” حكاية حذرة عن المعمار القوي الذي بناه الديكتاتور وكيف تصدع وفتح الباب أمام الفوضى. فقد حكم القذافي بلاده مدة 40 عاما وقدم نفسه على أنه الأخ القائد والمرشد الحامي لها من التهديدات الخارجية. وهذه التهديدات هي التي أطاحت به من خلال حملة الناتو. ويذكرنا لاسينغ أن احتفالات النصر في ساحة الشهداء أو الساحة الخضراء سابقا كانت صورة عن التنافس القادم، وطغى على نشيد الثورة صوت الرصاص الذي لعلع في ليل طرابلس. وقال لاسينغ “في أثناء الثورة كنت تسمع من الثوار والمسؤولين المنشقين عن النظام والناس العاديين حلمهم بنهاية دولة القذافي البوليسية” و “لسوء الحظ فقد أنشأ حكام ليبيا ما بعد الثورة نفس المناخ القمعي الذي لم يعد أحد فيه يستطيع التحدث بحرية”. ويقدم لاسينغ حكاية حافلة بالأشرار من الميليشيات المتنافسة للقوى الخارجية التي تخوض حروبا بالوكالة.
أما نوح فيلدمان “الشتاء العربي: مأساة” فهو متميز بنظرته المتفائلة التي يحاول التأكيد عليها، فاستاذ القانون في جامعة هارفارد والمستشار الدستوري السابق للاحتلال الأمريكي في العراق يناقش أن ثورات الشرق الأوسط ليست بالضرورة قصة “عقم ومستحيل” رغم اللحظة المتوهجة للأحداث ولم تحقق إلا القليل باستثناء المكان الذي ظهرت فيه، تونس. وكتابه بالضرورة مناشدة للتعامل مع التاريخ بنظرة بعيدة. ويؤكد فيلدمان على المعاناة التي جلبها الصراع والإرهاب وعودة الديكتاتوريات. ولكنه يتحدث عن الملامح الملهمة للعمل الجماعي والتحرك السياسي الحر بكل ما تحمله من مخاطر الخطأ والكارثة. وهو ما أدى كما يقول إلى تغير في فكرة القومية العربية ودور الإسلام السياسي. والدرس الوحيد من انتفاضات الشرق الأوسط السياسية هو أن الأنظمة الأتوقراطية تتميز بالمرونة لو قامت بتغيير الوجوه في القمة، ومع ذلك فالحقيقة المشجعة هي أن أسوأ قمع لا يمكنه إطفاء رغبة الإنسان بالحصول على الكرامة. وما بعد الشتاء ومن داخله يخرج دائما الربيع كما يقول فيلدمان. وما دمنا في الربيع العربي فقد نشر جوردان ريتر كتابا عن شقيقين من الرقة السورية “الطريق إلى الرقة: الأخوة والحدود والإنتماء” أحدهما رياض، سافر للدراسة في أمريكا وانتهى به الأمر متزوجا أمريكيا وعاملا في مقهى افتتحه “قهوة الرقة” أما الثاني بشير فبقي في الرقة ودرس المحاماة. ويلتقي الإخوان في ظل الحرب واحتلال تنظيم “الدولة” للرقة وتحويلها عاصمة للخلافة. ويقدم لنا كتاب “خسارة اللعبة الطويلة: الوعد الكاذب لتغيير النظام في الشرق الأوسط” من تأليف فيليب غوردون، المسؤول السابق في البيت الأبيض والمنسق لشؤون الشرق الأوسط فيه، حيث يشرح فيه محاولات الغرب الفاشلة لتغيير النظام من الإطاحة بمحمد مصدق في إيران عام 1953 إلى الإطاحة بصدام حسين في 2003 والمعارضة المستمرة لنظام بشار الأسد في سوريا والتي لم تؤد إلى نجاح بل وأدت إلى كوارث وتداعيات مكلفة جدا.
أمريكا
لم يخل العام من كتب تتعلق بدونالد ترامب وبيته الأبيض وسياساته والتي كتبها مسؤولون سابقون في إدارته مثل جون بولتون الذي كتب مذاكرته عن فترة أيامه في كمستشار للأمن القومي “الغرفة التي جرت فيها الأحداث” وكشف فيه عن الخلل الوظيفي في إدارة ترامب وكيف حابى الديكتاتوريين وطلب مساعدة الصين في إعادة انتخابه وعلاقاته مع الدول العربية الديكتاتورية. وحاول البيت الأبيض منع كتابه لكنه فشل. كما وكتب مستشار الأمن القومي السابق اتش أر ماكمستر “ساحات قتال” وهي مذكراته عن فترة في البيت الأبيض ونظرته للسياسة الخارجية. ومن الكتب المهمة عن فترة ترامب التي تودع أيامها كتاب “غضب” للصحافي الاستقصائي بوب وودورد وهو استكمال لقراءته لفترة الرئيس ترامب الذي تعاون مع الكاتب، ولعل أهم ما كشف عنه الكتاب قول ترامب أنه “حمى مؤخرة” محمد بن سلمان في أعقاب جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي واقناعه الكونغرس بترك ولي العهد السعودي وشأنه.
كما وأصدرت ابنة أخ ترامب ماري أل ترامب كتابا حللت فيه نفسية عمها وهاجمته هجوما شديدا ووصفت عمها بالوحش، ويصف كتاب ماري ترامب: “أكثر من اللازم دون اكتفاء: كيف خلقت أسرتي أكثر رجل خطورة في العالم” وبأنه محتال ومتنمر. وقالت إنه “لا يوجد شيء أبدا يشبع” عمها، وإن الرئيس الأمريكي يتمتع بجميع خصائص الشخصية النرجسية. وكتبت ماري، الحاصلة على درجة الدكتوراه في علم النفس الإكلينيكي، تقول عن عمها: “الوضع هنا يفوق أنواع النرجسية المعروفة. ودونالد ليس ببساطة شخصية ضعيفة، لكن غروره بنفسه هش، ولذلك يجب تدعيمه كل حين، لأنه يعلم في داخله أنه لا يملك أي شيء مما يدعيه”.
وتدعي ماري ترامب أن عمها دفع مالا لصديق لحضور اختبار “سات” بدلا منه، وهو اختبار تستخدمه الجامعات الأمريكية لتقرر تأهل الطلاب للقبول، لأنه كان “قلقا من أن متوسط درجاته المتدني، الذي لا يجعله في مقدمة الفصل، قد يحول دون تحقيق مساعيه في الحصول على القبول”.
واستأجر “صبيا ذكيا كان معروفا بخوضه الاختبارات بسهولة، لدخول اختبار سات بدلا منه” بحسب ما تقول. وأضافت: “ودفع دونالد، الذي لم يعجز أبدا عن التمويل المادي، لزميله بسخاء”. وغير ذلك من مشاكله مع النساء واتهامها له بحرمانه من إرث والدها الذي اتهمته بتدميره.
وبعيدا عن ترامب لا تزال ذاكرة الناشط المسلم الأسود حاضرة وتحظى بدراسات جديدة منها الكتاب الأخير “الموتى يبعثون: حياة مالكوم إكس” من تأليف ليز بين وتامارا بين وقام على عدة مقابلات مع أصدقاء وعائلة مالكوم إكس. ويكشف عن لقاء تم في1961 بين أكس وناشط آخر بناء على طلب من “المبجل أليجا محمد” زعيم “أمة الإسلام” مع قادة من حركة التفوق العنصري الأبيض “كو كلاس كلان” التي حاولت التعاون مع أمة الإسلام لأنهما داعيتان للانفصالية. ووجد أليجا محمد فرصة لكي يقنع هؤلاء بمساعدته للحصول على أرض يبني فيها مجتمعا للسود. ولكن هؤلاء كانوا يريدون دعم أمة الإسلام بقتل زعيم الحريات المدنية مارتن لوثر كينغ الذي وصفوه بـ “كون” أو المحتال، وهو ما رفضه مالكوم إكس. وكانت هذه الحادثة سببا في تحوله عن أمة الإسلام وربما أسهمت في قتله عام 1965 كما يقترح بين حيث كان أليجا حريصا على عدم كشف اللقاء.
وأصدر الرئيس السابق باراك أوباما مذكراته الرئاسية “الأرض الموعودة” وهو الجزء الأول من المذكرات وفيها حلل فيها فترته الرئاسية واهتم معظم المعلقين بمعرفة ما كتبه عن لقاءاته مع قادة الدول، خاصة السعودية، لكن أهمية الكتاب تنبع من رؤيته أن انتخاب الأمريكيين لأول رئيس أسود ربما قاد إلى ظهور ظاهرة ترامب التي قسمت الأمريكيين. ويجيد أوباما الكتابة خاصة عندما يتحدث عن بداياته في السياسة وعلاقته مع والدته التي تركت أثرا كبيرا عليه وشجعته على القراءة والتعبير عن نفسه من خلال الكتب.
وفي كتاب “السم الأمريكي: كيف دمر العداء العنصري وعدنا” يحاول إدواردو بورتر تحليل العنصرية الأمريكية. وكيف أثرت هذه الظاهرة على نمو وتطور المؤسسات الأمريكية وتماسك المجتمع، سواء في مجال العمل والتعليم والرفاه العام. ولكنه يؤشر نحو توجه فيه نوع من الأمل ومحاولة لفهم الهوية العرقية. وهو كتاب مهم في ظل ما حدث في أمريكا بعد مقتل جورج فلويد وحركة “حياة السود مهمة أيضا”. وكيف تلاعب ترامب على المشاعر العنصرية.
ومع أن هذا العمل يصلح لأن يكون في قسم الرواية إلا أن رواية “مرثيات وطن” تصلح لأن تكون تحليلا لحالة أمريكا، فأياد أختر يكتب عن الهوية في بلد منقسم ويجمع ما بين الحقيقة والخيال للحديث عن قصة ملحمية من الانتماء والتشرد في عالم صنع 9/11 وهي رواية عن العائلة ومقال اجتماعي ومغامرة وفي قلبها أب وابن وبلد يعتقدان أنه وطنهما. ويحكي أختر قصص أعداد لا تحصى من الناس والأحلام التي تم التضحية في معبد آلهة المال وأمة لم تتعافى من جراح هجمات أيلول/سبتمبر 2001 ووطن أصبح رئيسه مقدم برامج تلفزيون سابق.
فظائع محمد بن سلمان
وليس بعيدا عن ترامب، فقد حظي ربيبه، ولي العهد السعودي هذا العام بعدد من الكتب كشفت عن تعطشه للسلطة ومحاولته تحييد خصومه ومنافسيه في صعوده السريع.
فكتاب “الدم والنفط: بحث محمد بن سلمان الشرس عن السلطة الدولية” ومن تأليف صحافيي “وول ستريت جورنال” برادلي هوب وجاستين تشيك هو قراءة في حالات بن سلمان وفشله الذي أصبح معروفا سواء في حرب اليمن وحروب النفط واستهداف المعارضين وقتل الصحافي جمال خاشقجي. ويرى الكاتبان ان سياسة بن سلمان لم تكن أبدا هي إصلاح المملكة خدمة للمواطنين ولكن من أجل الحفاظ على العائلة التي بات يملك كل مفاصل السلطة فيها. ويرى الكاتبان أن رؤية 2030 ما هي إلا فنتازيا باعتها شركات استشارات مرتزقة لحاكم مستبد والتي لم يكن مستشاريها يختلفون عن كتاب سيناريو لوالت ديزني، فهي لم تؤد إلى مضاعفة الموارد غير النفطية في عام 2020 ولن تتضاعف في 2030. وهناك الكثير في كتاب “الدم والنفط” عن بذخ بن سلمان، يخت بنصف مليار وقصر في فرساي ولوحة لليوناردو دافنشي يشك بصحتها وحفلة صاخبة في المالديف بالإضافة لحملة الاعتقالات والتخلص من محمد بن نايف ومتعب بن عبد الله بعد سجنه في ريتز كارلتون.
الكتاب الثاني لديفيد راندل “رؤية أم سراب” وهو كتاب عن السعودية وصعود آل سعود للحكم. ويقدم فيه راندل الذي عمل 15 عاما في السفارة الأمريكية بالسعودية قبل توليه منصب السفير رؤية عن تاريخ المملكة ملخصها: “لم تكن السعودية يوما مجتمعا مفتوحا ولكنها لم تكن أبدا دولة بوليسية” إلا بعد صعود محمد بن سلمان. ويتحدث راندل كيف تجوله في ربوع السعودية ليتعلم مما يرى وقد تعلم الكثير عن نظامها القبلي والديني ومشائخها. ويرى راندل أن محمد بن سلمان كسر تقاليد ما بعد أبناء سعود، فهو أول فرد من الجيل الثالث سيتولى العرش لكن غروره وديكتاتوريته لا يقدمان رؤية تستوعب مطالب الجيل الشاب أكثر من توفير الترفيه لهم، وهناك سيظهر فيما إن كانت سياسته رؤية ام سراب.
مراسل صحيفة “نيويورك تايمز” بن هبارد نشر كتاب “صعود محمد بن سلمان إلى السلطة” وهو كتاب يسجل فيه بن هبارد انطباعاته عن المملكة التي زارها لتغطية الأحداث فيها ومراقبته لتصرفات بن سلمان منذ صعوده إلى السلطة. وما دفعه لتخصيص كتاب ضخم لحياة شاب صغير لم يمض على صعوده سوى سنوات، هو أنه احتل عناوين الأخبار أكثر من ملك سعودي بسبب تهوره واندفاعه وقراراته. ويرى الكاتب أن التحديث من دون إرساء الديمقراطية ليس إلا تحديثا أجوف في نهاية المطاف. وإن كان وريث العرش الشاب قد من على رعاياه ببعض الإصلاحات، إلا أن إصراره على وجوب بقاء العائلة المالكة بمثابة المحرك الوحيد للتغيير، له ثمن. فقد بدأ المجتمع السعودي يعاني من هاجس الملاحقة في دولة رقابة أمنية.
الباحثة المعروفة مضاوي الرشيد حاولت في “ابن الملك: الإصلاح والقمع في السعودية” الحديث عن رؤية تصحيحية لولادة السعودية، الدولة الوحيدة في العالم التي تحمل اسم عائلة. وتقدم تقييما عمن تقول إنهم “أنبياء الاعتذار” في الغرب، وتقصد بهم القادة والشخصيات العامة الذين صدقوا بسذاجة خرافة الإصلاح بوصول الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز. وتصف الحكومة السعودية الحالية بالقول إنها “من أكثر الأنظمة سرية وغدرا في العالم العربي”. ووصفت ولي العهد الحالي محمد بن سلمان بممارسة القمع المستمر. وتناقش الرشيد جريمة قتل جمال خاشقجي في عام 2018 ولكنها تموضع الجريمة في سياق مختلف. فمقتله شجع وأدى لمعارضة ناشطة بين السعوديين في المنفى والتي تقدم الرشيد ملامحها.
ويسوقنا الحديث عن السعودية التي تحاول الحد من نشاطها الدعوي العالمي وتقديم صورة معتدلة إلى كتاب “الدعوة: في داخل المشروع السعودي الديني العالمي” لمؤلفته كريكثار فراغور والذي حللت في نشاطات السعودية لنشر الدعوة الوهابية في العالم الإسلامي. وركزت في دراستها على ثلاث حالات وهي أندونيسيا ونيجيريا وكوسوفو. وحللت الصحافية دور المال السعودية وتعيين جيش من الدعاة وبناء مؤسسات تدعمها الدولة السعودية في الخارج لنشر الوهابية. وتكشف الكاتبة عن ملامح الظاهرة المعقدة خاصة في الدول التي لم تكن تعرف الوهابية وتنتشر فيها النماذج الصوفية كما في أندونيسيا والبلقان ونيجيريا.
الجهادية
ولم يكن الجهاد غائبا عن كتب هذا العام، فبعد مضي أكثر من 30 على مقتله في بيشاور، تناول الكاتب النرويجي توماس هيغهامر حياة الشيخ عبد الله عزام، مدير مكتب المجاهدين في باكستان والرجل الذي نسبت إليه ظاهرة الجهادية العالمية. وكتاب “القافلة: عبد الله عزام وصعود الجهاد العالمي” يحلل فيه الكاتب حياة عزام من بلدته في سيلة الحارثية في فلسطين إلى مسيرته التعليمية في فلسطين والأردن ودراسته في دمشق والقاهرة ومشاركته مع الفدائيين في الأردن ونشاطه في حركة الإخوان المسلمين ثم رحيله إلى أفغانستان حيث تماهت تجربته الفكرية والعملية مع الجهاد الإفغاني الذي أصبح أكبر مدافع عنه. وهو كتاب مهم وحافل بالتفاصيل والتحليل ويحتاج لصبر نظرا لما فيه من مادة ومعلومات مستفيضة.
شرق أوسط
من الكتب المهمة التي صدرت هذا العام دراسة رشيد الخالدي الشخصية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المستوحاة من تاريخ عائلته، الخالدي في القدس والتي مزجها في “حرب المئة عام على فلسطين: تاريخ الغزو الاستعماري الاستيطاني والمقاومة” الكتاب المهم في فهم الحروب التي خاضها الفلسطينيون ضد الصهيونية وإسرائيل. وبالنسبة للخالدي الناقد للسياسات الإسرائيلية وفشل القيادة الفلسطينية فلم يكن الصراع أبدا بين طرفين متساويين بل كان في جوهره مشروعا استعمارا غربيا مثلته الصهيونية. وقامت هذه بدعم من بريطانيا في 1917 وأمريكا باستعمار فلسطين واستيطانها عبر ستة حروب: وعد بلفور 1917 وقرار التقسيم 1947 وقرار مجلس الأمن الدولي 242 في عام 1967 واجتياح لبنان عام 1982 واتفاق أوسلو 1993 ودخول أرييل شارون المسجد الأقصى 2000. وبالمقارنة لم يستطع قادة فلسطين من ثلاثينات القرن الماضي إلى ياسر عرفات وحتى حماس خلق رؤية مقاومة واضحة. وفاز الكتاب بجائزة كتاب فلسطين السنوية في لندن.
وفي موضوع إيران وعن حياة القائد العسكري قاسم سليماني، أصدر أراش عزيز سيرة القائد الذي نسجت حوله اسطورة في الظل بصفته مسؤول العمليات الخارجية في فيلق القدس/الحرس الثوري الإيراني وحتى مقتله بغارة أمريكية في كانون الثاني/يناير 2020 وفي “قائد الظل: سليماني، أمريكا والطموحات الدولية لإيران” يقدم عزيز سيرة العسكري وحياته وتأثيره والطموحات المستقبلية لإيران.
مسلمون
بعد الحريق الهائل الذي اندلع في كاتدرائية نوتردام في باريس في الخامس عشر من نيسان/إبريل 2019 لاحظت ديانا دريك أن المعمار للكاتدرائية يمت بصلة للمعمار الإسلامي ومن رماد الكاتدرائية جاءت فكرة كتاب “السرقة من السرسين: كيف شكل المعمار الإسلامي أوروبا” وهو الإسم الذي أصبح صنوا بالمسلمين والإسلام في العصور الأوروبية المظلمة. وكانت النتيجة كتابا مصورا وتحليلا للإبداع المعماري الأوروبي في ضوء علاقته بالتراث المعماري المسلم. وتعيد جذور الإبداعات المعمارية في أوروبا إلى مراكز الإسلام في بغداد ودمشق والقاهرة وإسبانيا المسلمة وانتقاله عبر صقلية والبندقية وكيف تأثر الصليبيون والحجاج والتجار بالثقافة المسلمة. وتحلل آخر المواجهات الثقافية عبر التفاعل بين المعمار الإسلامي العثماني والغربي، بما في ذلك جهود سير كريستوفر رين وما أطلق عليه “الإسلوب السرسني” الإسلامي أو المعمار القوطي.
وحاول ديفيد هينيغ في كتابه “إعادة تشكيل حياة المسلمين: الحياة اليومية الإسلامية في البوسنة والهرسك” وأثر انهيار يوغسلافيا القديمة والحرب الأخيرة على حياة المسلمين التي دفعتهم لإعادة تشكيل هويتهم وحياتهم الإسلامية.
وفي كتاب مصور ولكن موضوعه مختلف تقدم سيما ياسمين، المتخصصة بعلم الأوبئة والصحافية كتابا عن حياة 40 امرأة مسلمة من مهندسة وصلت إلى ناسا إلى متسابقات سيارات فلسطينيات إلى قائد فرقة موسيقية في البرازيل. ويعكس الكتاب حياة ياسمين التي عاشت في عوالم مختلفة بين أم تركت البيت للدراسة وعائلة هندية محافظة في ميدلاندز ببريطانيا. وكانت الثمرة هو كتاب “المرأة المسلمة هي كل شيء: نمطية، قصص مذهلة عن الشجاعة والإلهام والمغامرة”.
ملك أدب الجاسوسية
وفي هذا العام خسر أدب الجاسوسية أهم كاتب في هذا المضمار في العالم، وهو جون لوكاريه، 89 عاما. وجون لو كاريه هو اسم مستعار للكاتب ديفيد كورنويل.
ووصلت رواياته التي تميزت بالبحث الدقيق والمكتوبة بأسلوب مميز إلى جمهور واسع عبر تحويلها إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية ناجحة. وأهم ما قام به لوكاريه هو أنه كشف قناع الأسطورة عن رواية الجاسوسية والتي ارتبطت بروايات جيمس بوند، واتجه بدلا من ذلك إلى فحص تلك الحياة المظلمة والمضطربة التي يعيش فيها الجواسيس المحترفون. واستفاد من عمله في وزارة الخارجية خاصة قسم السجلات الاستخبارية لتدوين أفكار أولية لقصص جاسوسية خلال رحلاته بين العمل والبيت. ونشرت روايته الأولى “دعوة للموتى” في عام 1961 عندما كان يعمل في الخدمة الاستخبارية. وبدأ في استخدام أسم جون لو كاريه، كاسم فني يوقع به كتاباته الأدبية، لتجنب الحظر الذي تفرضه وزارة الخارجية على نشر العاملين فيها لكتب بأسمائهم الصريحة. وقدمت الرواية شخصيات ستعاود الظهور في رواياته اللاحقة خاصة شخصية جورج سمايلي الشهيرة. ثم تبع ذلك روايات “الجاسوس الخارج من الصقيع” و “حرب المرايا” و”عاشق ساذج وعاطفي” و”سمكري، خياط، جندي، جاسوس” و”التلميذ المحترم” و “أهل سمايلي” و”البيت الروسي” و “خياط بنما”. وعارض لوكاريه حرب العراق وكان ناقدا لسياسات إسرائيل ضد الفلسطينيين وعارض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
فضيحة
وشهد العام فضيحة تتعلق بأهم مهرجان للكتب في بريطانيا وهو “هاي اون وين” حيث قالت كاتلين ماكنمارا التي أرسلت للإمارات كي تحضر للمناسبة في شباط/فبراير 2020 وفيما فجرته صحيفة “صاندي تايمز” أن وزير التسامح الإماراتي حاول التحرش الجنسي بها، وهو ما قاد لجدل عام في داخل المشهد الأدبي حول مشاركة الأدباء بتظاهرات أدبية في دول معروفة بقمعها. ورغم رفض الوزير الاتهامات ورفض الشرطة فتح التحقيق في القضية إلا أن ما ورد في شهادة ماكنمارا كان محلا للنقاش في الأوساط الصحافية. وأدى إلى تعهد منظمي الحفل الأدبي المهم بعدم العودة إلى الإمارات ما دام الوزير “المتهم” في منصبه. وشجبت الكثير من الأصوات الأدبية البريطانية فكرة عقد مهرجان أدبي معروف في الإمارات ووقعوا رسالة نشرت في الصحف المحلية طالبوا فيها الإمارات باحترام حقوق الإنسان.