يعتبر الاقتصاد العربي بشكل عام واحدا من أشد الحلقات ضعفا في الاقتصاد العالمي، فهو اقتصاد ريعي يعتمد على إيجار الأرض وما فوقها وما في باطنها من موارد، وهو اقتصاد مكشوف للصدمات الخارجية، بدون أي قوة حقيقية للمقاومة، نظرا لضعف وتخلف قطاعات الإنتاج السلعي. وتنقسم الدول العربية من حيث مصادر الدخل الرئيسية إلى دول مصدرة للنفط، ودول أخرى مصدرة للعمل والخدمات السياحية والترفيهية واللوجيستية. وفي كل منهما تتوقف محركات النمو على حالة السوق العالمية. وقد كان عام 2020 واحدا من الأعوام التي بان فيها انكشاف الاقتصاد العربي للصدمات الخارجية، بدون قوة حقيقية على المقاومة؛ فوقع فريسة لتداعيات فيروس كورونا، وهبوط أسعار النفط والغاز، وتراجع السياحة، ونزوح الاستثمارات الأجنبية، وهو ما أدى بشكل عام إلى هبوط معدل النمو الاقتصادي حسب توقعات صندوق النقد والبنك الدولي من حيز النمو الإيجابي الهش في عام 2019 إلى حيز الانكماش في عام 2020.
ولعب هبوط أسعار النفط دورا سلبيا مزدوجا على كل من الدول المصدرة للنفط والدول المصدرة للعمل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عامي 2019 و 2020 على التوالي، حيث أدى تدهور أسعار النفط إلى تخفيض معدل النمو بنسبة 1.5 في المئة إلى أقل من واحد في المئة عام 2019 ثم إلى انكماش يتجاوز 5 في المئة عام 2020.
وطبقا لتقديرات البنك الدولي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فإنه من المتوقع أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 5.2 في المئة عام 2020 وهو ما يقل 4.1 نقاط مئوية عن التوقعات في نيسان/أبريل 2020 و7.8 نقاط مئوية في تشرين الأول/أكتوبر 2019 مما يعكس توقعات تزداد تشاؤما للمنطقة. ويؤكد البنك ان التعافي الاقتصادي في المنطقة سيكون بصورة جزئية فقط في عام 2021.
كذلك سجلت التوقعات الخاصة بحسابات المعاملات الجارية وأرصدة المالية العامة في المنطقة تدهورا حادا. ومن المتوقع أن يصل العجز في حساب المعاملات الجارية وأرصدة الموازنة بالمنطقة عام 2020 إلى (-) 4.8 في المئة و(-10.1) في المئة من إجمالي الناتج المحلي على التوالي، وهي نسب أسوأ كثيرا من التوقعات في تشرين الأول/أكتوبر 2019 وذلك لأسباب ترجع في الأساس إلى انخفاض عائدات تصدير النفط، وتراجع إيرادات المالية العامة، والزيادة الكبيرة في النفقات المالية العامة للتصدي لأزمة كورونا. كما تشير توقعات البنك الدولي إلى أن الدين العام لدول المنطقة سيسجل ارتفاعا كبيرا في السنوات القليلة المقبلة، من نحو 45 في المئة من إجمالي الناتج المحلي عام 2019 إلى 58 في المئة عام 2022 ومن المتوقع أن تبلغ تكاليف مكافحة وباء كورونا ما يعادل 3.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة أي ما يقرب من 100 مليار دولار.
صدمة كورونا
خلت المنطقة العربية من أي استراتيجية إقليمية بشأن التنسيق في مكافحة فيروس كورونا المستجد. وبينما استطاعت بنوك التنمية الإقليمية في مناطق أخرى من العالم، مثل بنك التنمية الآسيوي، أن توفر آليات لتقديم تسهيلات مالية للمساعدة في تطوير البنية الأساسية للرعاية الصحية، وبناء قدرات ملائمة للسيطرة على انتشار الفيروس، فإن المنطقة العربية التي تعج بصناديق التنمية ومؤسسات التعاون الاقتصادي الإقليمية المتعددة الأطراف والثنائية مثل البنك الإسلامي للتنمية، وصناديق التنمية الخليجية، وصندوق النقد العربي وغيرها عجزت جميعا عن أن تقدم إطارا للتنسيق الإقليمي في مواجهة جائحة كورونا مدعومة بآليات للتمويل. وكان هذا هو أحد الأسباب التي أدت إلى تراجع دور الدولة في تقديم خدمات الرعاية الصحية للمصابين بالفيروس بشكل عام.
ولهذه الأسباب فقد دعت الأمم المتحدة الدول العربية في تموز/يوليو الماضي لمزيد من الدعم المتبادل في وجه العواقب العميقة والدائمة لجائحة كوفيد-19 من خلال تقدم المساعدات لبعضها البعض، مقترحة إنشاء “صناديق تضامن إقليمية” تعزز التعاون المشترك في مواجهة الجائحة. وجاء في وثيقة أصدرتها اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة أن المنطقة العربية التي يعيش فيها 436 مليون شخص تعمدت إبقاء معدلات العدوى والوفيات عند مستوى أقل من المتوسط العالمي، وهو ما يثير القلق خصوصا مع ملاحظة ارتفاع أعداد المصابين والمتوفين عن الأرقام الرسمية. ورجحت الأمم المتحدة أن تكون تداعيات الوباء في المنطقة عميقة وطويلة الأمد، متوقعة انكماش الاقتصاد بنسبة 5.7 في المئة، وهي نسبة تفوق تقديرات البنك والصندوق، وطالبت بضرورة الحد من التباين في القدرة على مواجهة الجائحة بزيادة الاستثمار في الصحة والتعليم الشامل والحماية الاجتماعية والتكنولوجيا.
ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بيان رافق نشر الوثيقة المنطقة العربية بأنها هي “موطن أكبر تباين في العالم بين الرجل والمرأة” في مجالات التنمية البشرية.
زيادة حدة الفقر
وذكرت وثيقة الأمم المتحدة أن جائحة كوفيد-19 تهدد 55 مليون شخص في حاجة إلى مساعدة حيوية، 26 مليونا منهم من اللاجئين والنازحين قسرا، ويعاني 16 مليونا منهم من إنعدام الأمن الغذائي خصوصا في بلدان مثل اليمن والصومال والسودان. وطبقا لتقديرات البنك الدولي فإن دينامية شباب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ونسائها هي ما يمنح الأمل لشعوب المنطقة. وعلى الرغم من أن أعمار ثلثي عدد السكان تقل عن 35 عاما، فإن نسبة البطالة بين الشباب قبل أزمة كورونا بلغت نحو 25 في المئة وتشمل البطالة بين النساء نصفها تقريباً 40 في المئة. وقبل اندلاع أزمة كورونا، كان نصف سكان المنطقة تقريبا 42 في المئة، يعيشون على دخل يقل عن 5.50 دولار للفرد في اليوم، وهو معدل الفقر المتوسط في الدول النامية.
وخلافا لمناطق العالم الأخرى، كانت مستويات الرضا عن الحياة في المنطقة بالفعل في تراجع قبل تفشي جائحة كورونا. ففي 11 من أصل 14 بلداً تتوفر بيانات عنها في المنطقة، كانت مستويات الرضا عن الحياة في عام 2019 أقل مما كانت عليه في عام2020. ويمكن القول إن السبب في ذلك هو نقص الفرص الاقتصادية وارتفاع مستويات البطالة (لاسيما البطالة بين الشباب والنساء) وانعدام الأمن الاقتصادي على نطاق واسع.
علاوة على ذلك، فقد أسهمت الصراعات الدائرة في المنطقة في مضاعفة معدلات الفقر المدقع (قياسا على الأفراد الذين يعيشون على دخل يقل عن 1.90 دولار للفرد في اليوم) وذلك من 2.4 في المئة في عام 2011 إلى 4.2 في المئة في عام 2015؛ ومع ذلك فإن قياس الفقر بمعدلات مركبة لا تشمل الدخل النقدي فقط وإنما تأخذ في اعتبارها المزيد من التحليلات متعددة الأبعاد، وعوامل اجتماعية من قبيل التفاوت في مستوى التحصيل التعليمي، ومدى توّفر مقومات البنية التحتية الأساسية، يسهم في رفع معدل الفقر المدقع إلى الضعف تقريبا.
المستقبل الاقتصادي
لقد تسببت أزمة كورونا في خسائر اقتصادية فادحة وآلام اجتماعية؛ إلا أن الوضع لا يزال غير مستقر، ومن الصعب تقديم تقديرات دقيقة للخسائر في الدخل والزيادات التي ترتبت على ذلك في عدد الفقراء.
وفي ضوء المعلومات المتاحة، تذهب تقديرات البنك الدولي إلى أن نسبة الفقر في دول المنطقة قد ارتفعت بنحو 12 مليون شخص لتصل إلى 15 مليونا في عام 2020 وحده عند خط الفقر المتوسط البالغ 5.50 دولارات للفرد. ويقدر البنك أن هذا العدد قد يرتفع إلى أكثر من 23 مليونا بحلول نهاية عام 2021.
ومع أن الأمم المتحدة قالت إن بعض دول المنطقة اتخذت خطوات إيجابية لمكافحة الوباء تشمل دعم العمالة غير المنتظمة مثل مصر، وتمديد القطاعات المصرفية في بعض البلدان آجال سداد الديون المستحقة على الأفراد والشركات كما حدث في قطر والأردن ومصر وغيرها من الدول العربية، لكن التطلع إلى النمو في المستقبل يجب أن يتجاوز النمط القديم، وهو ما عبر عنه غوتيريش في دعوة الدول العربية إلى إعادة ابتكار “النموذج الاقتصادي للمنطقة لصالح اقتصادات خضراء أكثر تنوعا”.