سيرة بني غازي: جولة في ارجاء مدينة اختفت (2 من 3)
لا أحد يحب مدينته كما يحب البناغزة مدينتهم ولكن عندما يسكرون يصبون جام غضبهم عليها!مدينة تختفي خلف ملصقات اعلانات لدعايات مواد غذائية ورحلات حج وعمرة وأفلام قديمة مات أبطالهاسيرة بني غازي: جولة في ارجاء مدينة اختفت (2 من 3)أحمد الفيتوريہ كنت مثاليا. فمنذ عودتي من مصر سنة 1957، وأنا أنظر إلي ليبيا نظرة تقديس. كنت أري البشر فيها كآلهة الأولمب، لا يسقطون، وان سقطوا فسقطتهم تهز الأعماق، ويأتي بعدها التطهير المطلق !، كنت أراهم مجردين من خطايا البشر. صدقني إذا قلت لك أنني كنت أنظر فأري كناسا – مثلا – يكنس الشوارع فأود لو أجري مقبلايديه. صدقني أنني وصلت بنغازي ورأيت بيوتها مهدمة من أثر الحرب، ورأيت النفوس مطحونة ولكنها معاندة وصلبة، فأحسست وكأنني هبطت إلي مستقر أبطال طروادة .عبدالله القويريبنغازي هذا المساء نهد يخض حليب الركبفيها أسوح وهي تصب غضبها علي آل السياحة ومن يلطخ حيوطها، من حول عمدانها لعمدان مقابر: قبيلة آل القرنيط ينعون، قبائل بني قبح يعلنون، آل الفجيعة يبلغون: أن علي من يعثر علي صاحب هذه الصورة، أن يتصل بأول مركز علما بأن الضائع يلبس بدلة رياضية ويناهز من العمر رشادا. أتخطي شارع بن موسي علي يميني، تفوح في الذاكرة خمارة القوبو ما تحول، بعد منع الخمر في ليبيا، المصوراتي قبل أن أتعدي شارع فياتورينو ، عمر بن الخطاب حاليا، لكن الأسم السابق درج، تشدني خيوط تنسل من ذاكرة ضاجة: هنا ترعرعت، تفوح سينما النهضة، هنا نهضت، ينبثق المسرح الحديث في مكان النهضة، هذه عباد الشمس المسرحية الاولي للمسرح الحديث، ولي مطلع السبعينات أول ما كتبت مسرحية شارع بوخمسين.. الخ، آخ.. قشعريرة باردة ناجمة عن الشعور بالخواء تنتابني: هذا كله دشن مدرس سيارات قبالة شارع جمال عبد الناصر حيث ثمة مدرس، في مكان الناقوس المدق أحس أن بنغازي ليست مدينتي، هذه من طبعها طابع ذاتي التدمير، وما أجد في هذا الوجد ملاذا يعتقني من عتاقة ذاكرتي البنغازية الطزاجة، غير أن العتق هو الحرية والعراقة والقدم كما تدل المادة في معجم لسان العرب علي الجمال والنجابة، والسبق في الخيل ـ هل بنغازي من الموريات قدحا ؟ ـ، والشباب والصباحة في وجوه البنات، وعتاق الطير: الجوارح منها، والعتيق: الكريم الرائع من كل شيء، والعتق: الكرم والنضج، وغير لسان العرب أجدني ملوذا بالشعر في الصبر علي الوطن قصيد عامر بن هشام القرطبي:وإنما أسفي أني أهيم بهاوأن حظي منها حظ مغبونيا لحظ كل غزال لست أملكهيدنو ومالي حال منه تدنينيياليت لي عمر نوح في إقامتهاوأن مالي فيه كنز قارونالبقاء لله آل القصب ينعون فقيدهم من وافاه الاجل المحتوم.. تشاركية المعقل للسفر والسياحة خبراء في تنظيم رحلات العمرة كذا تتلطخ المدينة بما يعزقون حيث ما كان، يدفنها بالورق صاحب السياحة الدينية، أم الغزلان للسفر والسياحة بمناسبة شهر رمضان المبارك تسير رحلات العمرة لسنا الوحيدين لكننا الأفضل، أقرأ هذا علي الحيوط بين نتفة ونتفة في المدينة المحولة بفضل المقتدرين لمدفن، وأفكر بصوت عال أنتم الأفضل، ترمقني السابلة وأكتم وجعا عند: الشامل للتدريب واللغات لمساهمة جادة في نشر علوم الساعة وبفريق من المحترفين ، أبسمل الساعة والحاقة يا بنغازي كذا تنطق حيوطك المتخفية عنا بالورق: أبولونيا وكيل معتمد المنظمة الدولية للطيران . عن هذا وهذا يشدني مبني المجمع الحكومي ما يستعيد نضارته مع ما يجري فيه من صيانة، وأمد البصر فيعلو خارقا كبد المدينة داخلا في سباق مع تيبستي ومبني الدعوة، تجذبني مكتبة الفضيل (الجربي للكتب الأجنبية سابقا) اجوسها في نظرة خاطفة ألمح الشاعر محمد الشلطامي في الدواوين العشرة الصادرات مؤخرا، وغير ذاك ركام من طبخ وطبيخ، واتقاء القبر والسحر، وجلب الحظ وما تيسر مما يروج رجا، وما يروجه وراقة الزمان الجادون في عدم الجدية، وعند كل مكتبة / بنغازي لسان حالي:وإنما أسفي أني أهيم بهاوأن حظي منها حظ مغبونكل صراف بخيل، عند كل مصرف يخطر بالبال من أهل بنغازي من لم يستسلم لغواية بيع أرواحهم مقابل المال، عند مصرف ليبيا المركزي البناء ذي الطرز الاميركية / الوظيفية أذهلتني صدمة مفاجئة لاقتران المال بالشح والقبح، ليس ثمة وقت للنظافة، لذا هذا المصرف في شمال من صوبة الميناء ومصرف الوحدة شمال أفريقيا سابقا علي يمينه سيلتقي مبانيها أعشاشا للعناكب وأخواتها، ولهواة تصوير الحشرات خير مكان، لكن دكاكين الكومبيوتر تنتزعني من المشهد وعلي شمالها المبني الايطالي القديم ما تتوزع فيه محلات عدة أشهرها أقدمها مصوراتي الفلاح من زين ويزين هذه الاقواس بحلاق الفلاح أيضا، تنسي مقهي العصافير وطلوبة لست أنت ولا أنا مجايلها. عند المقهي أتبين حلقة قلادتها شاب هيبي يرتديه بنطال جنز وتي شرت أبيض، كأنه في عراك مع البرد فهو عائد في التو من صقيع هلسنكي، شعره أكرت منكوش، كأن زنوجة مندسة في سلالته البعيدة، أخاله الصادق النيهوم يرتد عن الجامعة معطيا بظهره لكل شيء و لا شيء، وأن مريديه من يشكلون الحلقة يستزيدونه، كانوا قبل وصباح كل سبت يصطفون للحصول علي نسخة من العدد الاسبوعي من جريدة الحقيقة كي يقرأوا مقالته، أين تذهب هذا المساء: كتيب مسرحية قدمت في أثناء زيارة موسوليني لليبيا وقد حضرها بنفسه، الصورة الثانية خالد الفاضلي في مسرحية الدرس ليونسكو .يشاع عن بنغازي ـ أم اليتامي ـ أنها مدينة الكساد، وأن الموتي يمشون في شوارعها في وضح النهار، ويشاع عنها أيضا أنها غولة مدينة لأن بنغازي الحقيقة ماتت مقتولة في الحرب.. والاشاعة بالطبع تتسرب الينا من مصادر الدعاية التي تهدف لخدمة الصهيونية والنوادي الليلة في أثينا علي حساب غولتنا، ولكنها ـ للأسف ـ تلقي قبولا واسعا بين صفوف مواطنينا البسطاء حتي أنه تردد ـ بهدف الايحاء النفسي ـ أن أحد الأطفال الليبيين ولد مكفنا.. تلك الكذبة غير المعقولة التي لا تعني شيئا في الواقع سوي أن احدي مواطناتنا وقعت تحت تأثير الحرب النفسية وبدأت تخلط بين سجل المواليد وسجل الوفيات.. لكن بنغازي ليست مدينة مملة أعني ليس إلي هذا الحد علي الأقل.. وإذا كان المرء يسمع أحيانا عن حدوث بعض الخوارق في الأزقة الخلفية، أو خروج أحد الموتي من قبره المعترف به لكي يزاحم مواطنيه علي صلاة الفجر، أو اصرار ملك الجن علي احتلال أحد بيوت دكاكين حميد دون اذن من مصلحة الأملاك معتقدا أن الدنيا عندنا فوضي فإن ذلك لا يعني شيئا في الواقع سوي أن بنغازي ـ التي تعتبرها الدعاية المضادة مدينة ميتة ـ ما تزال تعج بالحياة من تحت ومن فوق. هذا وجه الحق.. وتموت الدعاية المضادة بعد ذلك بغيظها، وتموت أثينا أيضا.. فأسطورة الكساد لا تستطيع أن تقف علي قدميها في مدينة مثل بنغازي ينقلب عاليها سافلها ألف مرة كل يوم، ويستطيع المواطن فيها أن يجلس علي عتبة الباب الجواني عاما كاملا وهو يتسلي بمشاهدة ملك الجن يتمرغ في الخرارة. أين تذهب هذا المساء: إذا تعب المواطن في بنغازي من الفرجة علي الملك في فناء بيته، فإنه يستطيع ـ هكذا في غمضة عين ـ أن يستدير للجلوس علي عتبة الباب البراني وينعم بمشاهدة غولة المنطقة التي تقف علي أهبة الاستعداد لتلبية نداء المتفرجين في كل الأوقات. وسوف يكون بوسعه أن يري جاره الميت يخرج للوضوء في الخربة المقابلة ويري جاره الآخر يركض أمامه بدون رأس في غمرة تسرعه لتلبية النداء، ويري الحاجة امدللة تشرب حصتها من النبيذ بعد سنوات الحرمان في دار الفناء. ويقضي عاما كاملا في الفرجة علي أشباح المنطقة، ويقضي كل سهراته بالمجان وسط برنامج حافل تتضاءل بجانبه كل برامج النوادي الليلية في أثينا. ان ذلك لا يتوفر في أية مدينة أخري، أعني حتي إذا دفع المرء وزنه ذهبا، فإنه لن يري قط ما يراه مواطننا علي عتبة الباب البراني في أي شارع في بنغازي، وإذا كانت بعض الأشباح تظهر أحيانا في بقية المدن الأخري ـ وخاصة في أثينا ـ فإنها في الواقع لا تصلح للتسلية بأي حال، لأنها تظهر وتختفي في غمضة عين كأن وراءها ما يشغلها دائما، ثم إنها لا تظهر بدون رأس، أما عندنا في بنغازي فإن الأمر يختلف كلية، وكل أشباحنا ليس لديها ما يشغلها وكلها تخرج في جميع الأوقات وتتحدث معك وتنزع لك رؤوسها وتقول لك: بخ، وتصلي معك الفجر. وذلك بالطبع دون مقابل فميزة بنغازي عن بقية مدن العالم أنها مدينة لقضاء السهرة بالمجان. الشاعر جيلاني طريبشانأين تذهب هذا المساء: يستطيع المواطن في بنغازي أن يعرج في طريقه علي سوق الظلام، وينعم بالظلام ومشاهدة أشباح الجنود الايطاليين الذين حصدتهم طائرات الحلفاء في الحرب الماضية، ويتبادل معهم الشتائم بشأن الاستعمار ويتمتع بالشماتة فيهم، ثم يذهب إلي شارع بوغولة بعد منتصف الليل، ويشق طريقه وسط الاشباح إلي المسجد نفسه الذي يصلي فيه صاحب الشارع دون رأس.. أعني إذا كان المواطن يرغب في متابعة السهرة.. أما إذا كان يملك ما يفعله في الصباح، فإنه يستطيع بالطبع أن يعود إلي بيته موقنا من أن بنغازي لن تحرمه من حصته علي أي حال، وانه سيجد في الطريق ثمة من يخبطه بحجر علي ظهره أو يتظاهر بالرغبة في اشعال سيجارته ثم يقول له: بخ !.أين تذهب هذا المساء بعد أن هدم سوق الظلام، ما بناه الترك علي شكل محلات مقوسة في ممر طويل مسقوف، تتفرع عنه ممرات قصيرة، حافلة بأسواق أصغر مختصة بين الذهب والحلي المحلية من سنيبرة ودملج وبين عطارة الدهر:ميدان السلفيوم قبالة قصر المدينة الذي من منارته اعلن استقلال البلاد، الجامعة الليبية، معهد الإدارة حاليا، مدرج رفيق مهرجان المدينة الثقافي، ميدان السلفيوم ما سماه جيلنا ميدان البيكاديلي: تفتش في ذكريات الليالي الطويلات / هل كنت أنا حقا ذلك المارد المتدفق بالأمنيات/ أيها الشعر: أسألك الآن / كيف تخبو الأماني الصغيرات / هل ذبلت زهرة القلب /أيها الشعر:آه… لو جئتني / قبل هذا السكون / حين كان القميص مشجرا. هكذا ينطق عني صديقكم الراحل جيلاني طريبشان، يلفني صمت، نبت في مكاني لا أتزحزح، في قبضة الكرب التالي لليقظة.الكاتب الصادق النيهومنبات السلفيوم أسطورة أثينا أفريقيا، قورينا: عند ذكر انها شحات حاليا، جال بخاطري أنها كذلك مجلة الجامعة الليبية حين كنت ذلك المارد المدجج بالامنيات، نبات السلفيوم دواء كل داء أو كما تذكر أساطير اغريق ليبيا، ومنحوتة زهرة السلفيوم محطوطة علي مسلة بالميدان ـ قبل أن تسرق ويوضع مكانها منحوتة فالصو / مزورة ـ قبالة الجامعة، حيث في المبني أرقب بنات بنغازي زرافات زهر: نرقب مجيء من يعدن للبيت عقب انتهاء دروس الادارة الليلية. مبني الجامعة تحولات الكائن.أترك مصرف الجمهورية بنك باركليز سابقا عن يمين وعمارة كانون عن شمال، اندلف في حديقة المجمع الاداري، ميدان الملح يوم كانت بنغازي تدعي كوية الملح، الحديقة غائصة في ظلمة مسرح المجاهد ينيرها، سينما الزني؛ ركس مثل أختها غصت بالأفلام القديمة كذا الفعل الوخيم المحتوم، مدخل قاعة المجاهد يغص بمحل للمشروبات كما يغص بالاعلانات ولوحة اعلاناتها ثملة تتعتع بصور وملصقات، غير ذلك من قبالة فندق عمر الخيام المجانب مسرح المجاهد تصم الآذان أغان لفرقة شعبية تحيي ليالي رمضان، في كباريه دون كحول زاهية بنغازي بهذا الترياق لعذابات الروح في غناء ورقص حلال، الاغاني التي تتردد في هذا الكباريه هي أغاني الوردة الليبية الفونشة المطربة الشعبية المتحجبة بالبيوت الخاصــــة، حيث تحيي حفلات الاعراس.يدفع البعض ليحصل علي تذكرة عروس البحر ندخل دون حاجة لدفع الثمن، جماعة المدينة : فرقة أنوار المدينة، أصدقاؤنا الباشون يرحبون بنا، فيما سالم العوكلي يكتب: يحاول علي بحيري في أعماله المسرحية أن يقترب من شجون الشخصيات الشعبية التي تحاصرها إخفاقات الحياة اليومية، الشخصيات الهامشية المشحونة بأسئلة الواقع المضاد والملاحقة من قبل مآزقها الداخلية المدفوعة بغموض الخارج والتباسه. في مسرحية عروس البحر يلقي بشخصياته الهامشية علي شاطئ البحر في علاقتها العبثية معه. وسيصبح الأداء الملفوظ هو الأساس في بنية هذه العلاقة التي تكتفي بدورانها في هذا الحيز المكاني والزماني الضيق .. ومن ثم دورانها داخل مجموعة من المنولجات التي تتقاطع في مناطق السخرية المتبادلة .. شخصيات معاقة في مواجهة بحر محايد. تبدأ من حالة متصاعدة لجلد الذات المتعلقة بأوهامها إلي روح التهكم علي أبنية الثقافة المزدراة، وعلي خطابات الشعر المتنطع بقول الذات في أوج فخارها .. وبمجرد دخول عروس البحر إلي الخشبة لتنعش وتيرة العمل، ومن ثم لتكون قناعا لمرسله الخجول بصدد ما يتعرض له الإنسان من تشوه وارتداد إلي غرائزه الأولي.هنا يحضر البحر كما في الذاكرة الليبية إلي مصدر أبدي للتشوه وللكائن الممسوخ، ومن هو البحر الذي ارتبط بكونه دربا للغزاة، حيث تطرح مسألة الآخر بوجهها التقليدي وبدون الدخول بها إلي مناطق أخري للمعرفة أو السؤال .. الذوات المتجذرة في العاهة والغائبة عن الوعي في مقابل بحر لا يجود سوي بالمسوخ والأحذية. وبالتالي سيكون الآخر المبهر في لا وعي المعالجة الآخر الغربي .. الهادي والمرتب والنظيف في يقظة الكتابة هو المسؤول عن تشوه هذه الذوات.في هذا العمل كان النص لعلي بحيري كذا الاخراج سيد اللعبة، ومن ثم الممثل منصور العيساوي، محمد الأمين، أحمد بوفردة، ميلود العمروني، مع مريم العجيلي، مع حرفية إخراجية حافظت علي مستوي الإيقاع المسرحي إلي نهايته، وبقدر ما كان هذا العمل ممتعا إلا أنه يقف دون التجريب، فبقدر ما يكون الملفوظ مهيمنا والسنوغرافيا خرساء بقدر ما يبتعد عن فكرة التجريب التي تحتاج إلي وضع كل المفردات المسرحية في حقل الاختبار، المناظر والموسيقي والإضاة والملابس كانت خارج اللعبة، واكتفت بكونها رديفا للنص المسيطر الذي كان يسعي إلي المتعة لا إلي الانعاش، اضافة إلي بعض الإجابات التي تخللت العمل وكسرت من تلقائية نموه الدرامي ومن أسئلته المواربة.وسيظل لمسرح بحيري سمته الخاصة التي تضيف نوعية لمسيرة المسرح الليبي. لوحة شهيرة للفنان عوض عبيدةنترك معتكف سالم العوكلي عنا مندفعين مغبوطين ضاجين بضحك غامر اجتاح نفوس النظارة وتصفيق حار يشعل أكفنا، لم نلتفت لما جري لقاعة المجاهد التي طالها مفرق اللذات فعل الزمان نالها بالإهمال وما علي منواله. طالعون عن المكان بمزاج رائق وروح حيية إلي معترك شارع جمال عبد الناصر عند منتصف ليلة من ليالي بنغازي الاستثنائية، للقاء في مقهي المنتدي الإذاعي بالأصدقاء لنكمل السهرة وبقية ما يتيسر من هذه الليلة.أعرج علي الشمال دائما صوب صهوة البحر ميناء بنغازي، محاذيا فندق عمر الخيام علي يميني الحديقة وقدامي سينما برنتيشي سينما بنغازي، في اليسار يمتد لسان شارع عمر المختار ليداعب البحر عند كورنيش المدينة حيث تغطينا الظلمة ونتبين مبني الكاتدرائية، يتلاطم موج رذاذه يستنهض الروح: سيكون ما يحدث في لحظة غارقة في المستقبل هو سبب ما يقع هنا والآن .. قصعة المدينة .. بياصا كاني!ميدان 9 آب السلفيوم من ظلم كمولود تخرج، فتعيد المدينة مولدها ضاوية قبيل ميدانها الأبرز، صرتها، حلمتها ما يحب أن يرضعه ساكنوها في اليوم مرة علي الأقل فإنه لزوم ما لا يلزم: ميدان الشجرة، بياصا كاني، ميدان عمر طمسون، ميدان الخالصة، لكن ناسه خلص لميدانهم المخلص لما عمدوه به من اسم، نعت، وصف، هوية وعرض حال، ميدان الشجرة تحب أو تكره، تموت الشجرة وتبقي حرة في تضاريس الذاكرة كوشم لا يزول، وأحب أو أكره هذا الممشي ما أستغرق بين التاسعة والربع والعاشرة من مساء كل ليلة.كل يصب في هذه القصعة الصغيرة التي ضاقت بما وسعت، كريم ميدان الشجرة، بضيق ذات اليد بصدر رحب، كعبة طقس مساء كل اليوم وعصرها ميدان الحوت والحوت والصبارص عليهما أو كما يقول مثل شعبي.من يحب مدينته كما يحب البناغزة مدينتهم ؟ .. هم يحبونها حتي الثمالة، وفي سكرهم يصبون جام غضبهم عليها لهذا يطوفون كل رمضان بين الشجرة والحوت، في عراك، يتداعكون، يخطون ويلوحون، يعربدون، يحششون، يتنابزون. وحيطه يحط في ميدان الشجرة علامة، أيقونة تهكمها وتهتكها وتزمتها وتعصب أهلها لها وهي عصبهم.عن الميدان غاب مقهي الرياضي الشهيرة ووقف كاتبه خليفة الفاخري هذا المخلوق يسكن في أحد الفنادق في بنغازي الضيقة الصدر، وكانت غرفته لا تحتوي سوي علي آلة كاتبة، وحزمة من الورق، ومنفضة سجائر، وبعض الأثاث القديم، وكان صامتا طول الوقت، ولكن عندما يطول الليل إلي حد تتمني أن تحكي فيه لأحد ما، تنبعث ـ عبر الصمت ـ أصوات الحروف فوق الآلة الكاتبة، ممزقة سكون الليل، وأحلام النزلاء في الغرف المجاورة. وطفق الرواد يشتكون بلا انقطاع، لأنهم يريدون أن يحلموا فقط، علي حين ظل يواصل حكاياته لآلته الكاتبة، شاعرا بصداقة الحروف التي ستقبل ذات يوم عيون الآخرين المستغرقة الآن في نوم عميق، ولم يعد أمامه سوي أن يغير غرفته في نفس الفندق .. وتكررت الشكوي، وتكرر تغيير الغرفة، بينما لم يحدث أي تبدل في مسلكه سوي أنه اكتشف حقيقة بالغة الأهمية هي أن الغرف كلها واحدة سواء في الفنادق أو منازل الأهل أو الأصدقاء، أو حتي في البيوت المهجورة هناك، في أقصي الأرياف، أثناء رحلة ما، الشيء الوحيد الذي يتغير هو الانسان نفسه. فعندما تفتح عينيك في الصباح في غرفة جديدة، تشعر فجأة بالذهول، وتحاول أن تتذكر جيدا، في لحظات استيقاظك الأولي، أين نمت ليلة البارحة، محاولا أن تتعرف علي الجدران، الاثاث، وجهة النافذة أو مكان الباب، إلي أن تكتشف أنك نمت في غرفة أخري أو منزل آخر، وليس في حجرتك المعتادة. ذلك المخلوق لم يعد يعتاده هذا الشعور، لم يعد يشعر بالحيرة حين يستيقظ، ذلك أنه أدرك أن السقف واحد، وأن الأرض واحدة، وأن الانسان وحده هو الذي يضع الفروق بين الغرف والمنازل والمدن، وبين البشر كذلك. حين تهب ريح القبلي في بنغازي، استرسل خليفة الفاخري في حكيه، بنغازي الضيقة الصدر، تصبح وجوه الناس حالكة كالحة .. وحين ينهمر المطر يكسوها شعور غامر بالاستياء، لأن الكثيرين لا يفكرون إلا في الغدران التي ستملأ الطرقات. ولكن انسانا ما، في مكان ما، يظل جذلا عبر انهمار المطر، مفكرا فقط في موسم الحصاد. فيما تقف أنت خلف النافذة، في الغرفة 211، رانيا إلي عروق المطر فوق الزجاج، منصتا بين حين وآخر إلي أولي الأصوات المنبعثة في المدينة عند الفجـــــر، إلي صياح الديكة، ونباح الكلاب عبر السكون، حالما بأن المطر قد غسل المدينة الآن، والناس … وجعلهم طيبين تماما. انك تنظر، وتسمع، وتحلم، مدركا، اثر انحباس المطر، ان الشمس ستنهض بعد قليل، وأن عليك أن تنهض أنت أيضا لكي تسعي في أرض الله. وتقول الحكاية الحادية عشرة .. ما أبعد الطريق!. 7