لماذا لا تتخوف إسرائيل إلا من الإسلاميين؟

حجم الخط
0

مالك التريكي

جاء في الأنباء أن رئيس الهيئة الأمنية والسياسية بوزارة الحربية الإسرائيلية الجنرال عاموس غلعاد أنذر، الأربعاء، أن سقوط نظام بشار الأسد سوف تترتب عليه كارثة تقضي على إسرائيل!

وفسر الجنرال غلعاد ذلك بأن سقوط نظام حكم آل الأسد من شأنه أن يفضي إلى تشكيل تكتل إسلامي كبير في مصر والأردن وسورية، وأن هذا التكتل سوف يمثل خطرا وجوديا على إسرائيل لأنها ستكون مهددة على الدوام بالحرب مع جماعة الإخوان المسلمين في الدول الثلاث. ونسب غلعاد إلى الإخوان المسلمين السعي إلى محو دولة إسرائيل وإلى إقامة إمبراطورية إسلامية تهيمن على الشرق الأوسط. وأكد غلعاد أن وجود نظام بشار الأسد ‘يمثل مصلحة لإسرائيل’. وبهذا يكون المسؤول العسكري الإسرائيلي قد أكد علنا صحة الأنباء التي نسبت، قبل بضعة أعوام، إلى دوائر الحكم في إسرائيل أنها هي التي خففت من غلواء إدارة بوش التي كانت متحمسة، خاصة في أعقاب مقتل رفيق الحريري عام 2005، لـ’تغيير النظام’ في سورية على نحو فعلت في العراق. وقد تمثل الموقف الإسرائيلي خلف الكواليس في إفهام إدارة بوش بأن الضغط على النظام السوري لإضعافه مسعى مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يصل إلى حد ‘تغيير النظام’ لأن نظام الأسد ‘ضامن للاستقرار الإقليمي ولهدوء الحدود السورية الإسرائيلية’. وسواء كان رامي مخلوف مطلعا على حقيقة هذا الموقف الإسرائيلي المتعاطف مع النظام السوري أم لا، فإن من المعروف أنه صرح لنيويورك تايمز في أيار/مايو الماضي بأن ‘الاستقرار في سورية هو أهم شيء لـ[ضمان] الاستقرار لدى… إسرائيل’. وبصرف النظر عن أن هذا الكلام قيل بقصد استثارة الخوف، أو استجداء العطف، الغربي، فإنه يتسم بالموضوعية لأنه يقرر حقيقة مشهودة، هي حالة التعايش السلمي السوري الإسرائيلي القائمة منذ حوالي أربعة عقود. مفهوم، إذن، رثاء إسرائيل لنظام مبارك وجزعها من احتمال سقوط نظام آل الأسد (بل حتى أسفها العلني على سقوط نظام بن علي بعد يومين فقط من فراره). لكن فيم خوفها من الإسلاميين بالتحديد؟ لماذا لا تتخوف إسرائيل من أن يصل إلى السلطة في الدول العربية المحورية أي من أحزاب المعارضة الأخرى (القومية منها واليسارية والليبرالية)، بينما تعدّ حكم الإسلاميين خطرا وجوديا؟

هذه مسألة يجدر بالقوى المنافسة لقوى الإسلام السياسي أن تنتبه إليها: وهي أن الاقتناع راسخ لدى الجماهير العربية أولا، ولدى العدو الإسرائيلي ثانيا، بأن مواجهة الكيان الصهيوني العنصري، عندما تتحقق الشروط التاريخية المؤاتية، مبدأ ثابت (لا مجرد شعار) لدى قوى الإسلام السياسي. صحيح أن آخر عملية استرجاع لرفات الشهداء من إسرائيل قد كانت مناسبة ليتذكر الناس أن القوى اليسارية والقومية قدمت، تماما بمثلما قدم ‘حزب الله’، كثيرا من الشهداء. غير أن هذا لا يغير من حقيقة أن ما قرّ في وجدان الأمة العربية أولا، وفي وعي الطبقة السياسية والعسكرية الإسرائيلية ثانيا، هو أن قوى الإسلام السياسي تؤمن أن تحرير فلسطين واجب حضاري وغاية استراتيجية. أي أنها، بلغة أخرى، ‘لا تلعب سياسة’ في مسألة الموقف من الكولونيالية الإسرائيلية. وليس إصرار حزب النهضة في تونس (مع القوى القومية) على تجريم التطبيع وتحريمه إلا أحد الأدلة الكثيرة على ذلك.

لهذا أصدر معلق جيروزليم بوست البريطاني الأصل جوناثان سباير، الذي عمل مستشارا سياسيا للحكومة الإسرائيلية، قبل حوالي عام كتابا قال فيه بأنه لم يعد هنالك نزاع عربي إسرائيلي بالمعنى المتداول، بل إن ما أصبحنا نشهده منذ بضعة أعوام هو بروز صراع بين الإسلام وإسرائيل، أو ما سماه بـ’الصراع الإسرائيلي-الإسلاموي’. أي أن إسرائيل لم تعد طرفا في ‘نزاع عقاري’، على حد تعبيره، بل إنها دخلت في ‘صراع وجودي’. على أن العجيب أن الكاتب الإسرائيلي يقدم هذا المعطى على أنه ‘اكتشاف’ ذو بال، بينما هو لا يعدو أن يكون إحدى أجلى بديهيات الوعي السياسي العربي المعاصر. حيث أن من أكثر المقولات العربية شيوعا، منذ عقود، أن الصراع مع إسرائيل ليس صراعا على الحدود بل إنه صراع على الوجود. بهذا المعنى يكون الوعي الإسرائيلي متخلفا، زمنا وجوهرا، عن الوعي العربي بحقيقة الصراع ومآلاته. تفصيل جليل ما كان ليبرز بهذا الوضوح لولا نجاح الثورات الشعبية العربية في إثبات شدة التخوف الإسرائيلي من الإسلام السياسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية