كاتب أمريكي: معاناة العراقيين من الأزمة الاقتصادية أقوى من ظلم أمريكا لهم

حجم الخط
1

نيويورك: ربما يعطي الغضب الشعبي العراقي من قرار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب، العفو عن أربعة مرتزقة أمريكيين مدانين بقتل 17 عراقيا في بغداد في عام 2007، لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي والنخبة السياسية في البلاد فرصة لالتقاط الأنفاس، من خلال توجيه الغضب الشعبي للعراقيين نحو الرئيس ترامب، بعيدا عن المصاعب الاقتصادية التي يعانون منها.

ولكن الكاتب الأمريكي بوبي جوش يرى أن الإهانة والظلم اللذين يمثلهمها العفو الرئاسي الأمريكية عن أربعة من مرتزقة شركة الخدمات الأمنية الأمريكية “بلاك ووتر”، لن يشتت انتباه الشعب العراقي طويلا عن الإهانات والأضرار التي ألحقها به قادته. فالعقول التي تركز الآن على مذبحة “ساحة النسور” – عندما فتح مسلحو “بلاك ووتر” النار على مدنيين عراقيين يوم 16 أيلول/سبتمبر 2007 مما أسفر عن مقتل 17 عراقيا وإصابة 20 آخرين، وفقا البيانات الرسمية آنذاك- ستعود سريعا لمتابعة الحقائق القاتمة لحياتهم في الوقت الحاضي، والآفاق الكئيبة للسنوات المقبلة.

وظهرت بوادر الرياح العاتية التي يواجهها العراق الأسبوع الماضي، عندما خفضت الحكومة قيمة العملة المحلية، الدينار، بنحو 20% مقابل الدولار الأمريكي. وبذلك يمكن للحكومة الحصول على مزيد من الدينارات من صادراتها النفطية المقومة بالدولار، والتي تمثل حوالي 90% من نفقات الدولة.

ودافع الكاظمي عن تخفيض قيمة الدينار – وهو الأول منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003 – بالقول إنه كان “خطوة استباقية” للسيطرة على التضخم. لكن معظم العراقيين يواجهون الآن ارتفاعا حادا في تكاليف المعيشة، لأن الكثير مما يستهلكونه، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية، يتم استيراده بالدولار، بحسب وكالة بلومبرغ للأنباء.

ليس هذا فحسب، بل إنه لا تزال هناك أنباء أكثر كآبة تنتظر العراقيين في مشروع موازنة 2021 الذي أقرته حكومة مصطفى الكاظمي هذا الأسبوع، وينتظر موافقة البرلمان. فمشروع الموازنة يتضمن فرض ضريبة جديدة على دخل موظفي القطاع العام من المستوى المتوسط والعالي. وقد سعى رئيس الوزراء إلى تخفيف حدة هذه الضريبة بإعلانه خفض راتبه بنسبة 40% ، وراتب الوزراء وأعضاء البرلمان بنسبة 30%. لكن ليس من المرجح أن تنجح هذه الخطوة في تهدئة غضب الشعب الذي يعتبر الطبقة السياسية بأكملها فاسدة، بشكل عصي على الإصلاح.

ويواجه العاملون في الحكومة والقطاع العام حاليا ضربة ثلاثية، حيث خفضت الحكومة التي تكافح من أجل دفع رواتبهم قيمة دخلهم بخفض قيمة الدينار، كما تقترح الحكومة في مشروع الموازنة، فرض ضريبة جديدة بنسبة 10% على أجور موظفي الدولة من المستوى المتوسط والأعلى. والمعروف أن أكثر من 4 ملايين عراقي يعملون في الحكومة والقطاع العام إلى جانب حوالي 3 ملايين متقاعد ومليون شخص يحصلون على مساعدات الضمان الاجتماعي وهو ما يعني أن جميع هؤلاء يعانون من تداعيات قرار خفض قيمة الدينار، ومن الأزمة الاقتصادية الراهنة بشكل عام.

وبالفعل اتسع نطاق الغضب المتصاعد بين العاملين في الدولة والقطاع العام بالفعل إلى الساحات العامة التي اكتظت بالمحتجين المناهضين للحكومة منذ أكثر من عام. وفي وقت سابق من الشهر الجاري، فتحت قوات الأمن النار على موظفين حكوميين كانوا يطالبون برواتبهم في شمال العراق مما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص، على الأقل.

وكان المتظاهرون قد أضرموا النار في المكاتب الحكومية ومقار الأحزاب السياسية. ولذلك تستعد الحكومة العراقية في بغداد لمواجهة المزيد من هذه الحرائق في جميع أنحاء البلاد. وسيتجه أغلب الغضب الشعبي صوب رئيس الوزراء، في الوقت الذي يحتاج فيه الكاظمي إلى الدعم من الشارع لدفع خطط الإصلاحات الاقتصادية الحيوية قدما. ونظرا لأن الكاظمي رئيس حكومة تسيير أعمال ولا يمتلك قاعدة سياسية خاصة به، لا يمكنه أن يتوقع الكثير من التضامن من الأحزاب السياسية العراقية، التي تعتمد على السيطرة على الوزارات والمؤسسات الحكومية من أجل الحفاظ على شبكات المحسوبية الخاصة بها.

وقد بأتي ما هو أسوأ بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، إذا ما استمر تراجع أسعار النفط العالمية في ظل المخاوف من سلالة جديدة من فيروس كورونا المستجد، وما يعنيه ذلك من استمرار التداعيات الاقتصادية للجائحة. فمشروع ميزانية العام المقبل العراقية تفترض أن سعر النفط سيكون 42 دولارا للبرميل. وحتى مع تنحية تأثيرات الجائحة جانبا، فإن سعر النفط قد لا يستمر عند مستوياته الراهنة إذا ما قرر الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن تخفيف العقوبات الأمريكية على إيران والسماح لها بزيادة صادراتها من النفط خلال العام المقبل.

ويعاني العراق بشدة من تداعيات أسعار النفط المنخفضة نظرا لاعتماده على صادرات الخام كمصدر لمعظم إيراداته من العملات الأجنبية. وفي نفس الوقت، لا تستطيع البلاد زيادة صادراتها النفطية حاليا بسبب القيود التي تفرضها منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) على سقف الإنتاج للحد من تدهور الأسعار.

ولمواجهة نقص السيولة لديها، لجأت الحكومة العراقية إلى الحصول على جزء من ثمن الصادرات النفطية مقدما مقابل عقود تصدير طويلة المدى. وحتى الآن، وقعت الحكومة عقدا طويل المدى مع شركة “تشاينا تشينهوا أويل” بقيمة ملياري دولار.

ولكن الكاتب بوبي جوش يرى أن هذه المحاولات لن تكفي لإنقاذ الاقتصاد العراقي الذي عانى من الانهيار خلال العام الحالي، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي انكماشه بنسبة 12% من إجمالي الناتج المحلي خلال 2020، مع وصول عجز الميزانية إلى 22% من إجمالي الناتج المحلي وتضاعف معدل الفقر إلى 40%.

واختتم الكاتب بالقول إنه في ظل الاضطرابات السياسية القادمة ووصول بايدن إلى البيت الأبيض لن يكون لدى الكاظمي عناصر الإلهاء المشينة التي كانت توفرها له سياسات ترامب.

(د ب أ)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية