الكويت: إنجاز هادئ للاستحقاقات الداخلية

حجم الخط
0

كان لافتاً إقبال المجتمع الكويتي على الانتخابات بكثافة، رغم غزارة الأمطار وكورونا، ما أدى إلى تغيير نحو 62 في المئة من تركيبة المجلس وصعود عنصر الشباب.

الكويت-“القدس العربي”: وفاة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح رمت بثقلها، ليس على الكويت فحسب، وإنما على منطقة الخليج أيضاً، نظراً لدوره الذي كان يلعبه في رأب الصدع الخليجي، رغم أن الكويت في عهده شهدت صداماً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، دفعه لحل المجلس مرّات عدة.

لكن السلاسة التي تمّت فيها عملية انتقال مقاليد الحكم من بعده إلى أخيه الشيخ نواف الأحمد، ومن ثَـمّ اختيار الشيخ مشعل الأحمد ولياً للعهد (خرّيج كلية هندون للشرطة في بريطانيا) والذي شغلَ مناصب أمنية بارزة، جاءت بمنزلة التعويض عن الفراغ الذي خلّفه غيابه نظراً لما تمتّع به من حنكة سياسية اكتسبها من خلال توليه منصب وزير الخارجية لأربعة عقود متتالية قبل ارتقائه العرش، مما أكسبه لقب “عميد الدبلوماسية العربية”.

ونالت تزكية الأمير نواف لأخيه مشعل، نائب رئيس الحرس الوطني، ليكون ولياً للعهد، مباركة سريعة من أعضاء الأسرة الحاكمة، فاجأت حتى الكويتيين أنفسهم، وكرّستها موافقة مجلس الأمة الكويتي على عملية التزكية هذه بموجب الدستور الكويتي، الذي أعطاه صلاحية رفض أو قبول تزكية الاسم المقترح لولاية العهد. ففي حالة رفض المبايعة يُصبح الأمير مُجبراً على تقديم ثلاثة أسماء لمجلس الأمة يختار منهم الأعضاء واحداً، فللمجلس الصلاحية في تعيين ولي العهد وعزل الأمير. وهذا حصل في عهد الأمير سعد العبد الله الذي عَـزَلَه المجلس، وعَيَّن الشيخ صباح أميراً للبلاد.

“انتقام” شبابيّ

بعض المتابعين الكويتيين كانوا يخشون تعثّر عملية انتقال السلطة، وبعضهم الآخر كان قلقاً من الخلفية الأمنية التي تُحيط بالأمير الجديد. وازداد الهاجس على الحريات مع اختيار الأمير ولي عهده من خلفية أمنية أيضاً، إلا أنه سرعان ما تبدّد هذا الهاجس. فالأمير نواف (83 عاماً) كان واضحاً عندما أعلن عبر خطابه في مجلس الأمة عن “التزامه بالديمقراطية منهجاً، واحترامه للدستور مبدأ، ودولة القانون والمؤسسات نظاماً” كما حثّ شعبه الكويتي على “ممارسة حقه الانتخابي والإقبال على الانتخابات، فهي أمانة ومسؤولية وطنية”. كان لافتاً للمراقبين إقبال المجتمع الكويتي على الانتخابات بكثافة، رغم غزارة الأمطار وجائحة كورونا، بحيث أن كثيرين انتظروا لساعات أمام مراكز الاقتراع للإدلاء بصوتهم، ما أدى إلى واقع جديد في المجلس الجديد تمثل بتغيير بنحو 62 في المئة من تركيبته مع صعود عنصر الشباب.

هذه الانتخابات، والتي أُجريت بناء لقانون “صوت واحد للرجل الواحد” والمتوقع تعديله في مرحلة لاحقة حسب مطلعين، جاءت لتؤكد تمسّك الشعب الكويتي بديمقراطيته، ولتزيل هواجس التأجيل التي كانت تُحيق بالاستحقاق في موعده الذي جاء بعد وقت قصير من وفاة الأمير صباح مع ما شكّلته كورونا من تحدّيات.

محللون وصفوا نتائج الانتخابات بأنها عملية “انتقام” مارسها الشباب الكويتي بحق المجلس السابق، فهو خذلهم ولم يُفلح في مقاومة الفساد ولم يحاكِ تطلعاتهم. نجحوا في إدخال 31 نائباً جديداً إلى مجلس الأمة من أصل 50، ثلاثون منهم دون سن الـ45.

هناك مَن يعتبر أن التركيبة الجديدة للمجلس سمحت لجماعات تُصنّف في خانة المعارضة بتعزيز موقعها من خلال رفع عدد مقاعدها من 16 في الدورة السابقة إلى 24، فيما يرى آخرون أنه ليس دقيقاً الحديث عن وجود تكتل للمعارضة إنما هناك مواقف معارضة، واصفين حقيقة ما يجرى بأنه ظهور “الصوت القبلي” الذي أصبح يعلو على كل الأصوات، وصارت الدعوة للتصويت للقبيلة، التي هي بمنزلة “الردّة” هي السائدة. فتهافتَ أبناءُ القبائلِ بمختلف قواعدهم، سواء أكانت قبلية أم إسلامية، على صناديق الاقتراع، بمعنى أن القبيلة هي التي تحكّمت في المشهد السياسي في المناطق القبلية (القبليون حصلوا على نصيب الأسد من مقاعد البرلمان بواقع 29 مقعداً).

من المبكر الجزم بمآل العلاقة بين المجلس والحكومة، ومدى قدرة السلطتين التشريعية والتنفيذية على التعاون سوياً، خصوصاً أن المراحل السابقة من عمل المجلس اتّسمت بسياسة الاستجوابات التي عطّلت إنتاجية الحكومة ودفعت بأمير البلاد إلى حلّ المجلس. ولا يُخفي مراقبون توقعهم ألا يكون عمر المجلس طويلاً.

بالطبع، ثمّة تحديات اقتصادية ماثلة أمام الكويت، كما غيرها من الدول النفطية، في ظل انخفاض أسعار النفط وتداعيات وباء كورنا على الاقتصاد عموماً وسط غياب الشفافية، واصطدام محاولات مكافحة الفساد الإداري والحكومي بعوائق وعقبات. عنوان “مكافحة الفساد” شكَّل تحدياً وهدفاً ويستمر كذلك.

المصالحة والربع الأخير

الاعتقاد السائد في الكويت أن السياسة الخارجية لن تشهدَ تبدّلات في النهج الذي كان مُتّبعاً زمن الأمير صباح. فعلى خط المصالحة الخليجية، حيث تدفعُ واشنطن بالكويت لتولي الدور الأمامي المتقدّم فيه، يرغب الشيخ نواف المضي قدماً بما أحرزه سلفه من حلحلة ونتائج إيجابية خرجت إلى العلن مؤخراً، ويريدُ العمل على إتمام المصالحة في منطقة الخليج، كإنجاز يُسجّل في سجله السياسي. وتتّجه الأنظار إلى القمة الخليجية التي تُعقد على مستوى القادة، المفترض أن تحتضنَ حدث المصالحة المُنتظَر بين الدول المُقاطِعة الثلاث (السعودية والإمارات والبحرين) وبين قطر، إلا إذا حدث ما لا ليس في الحسبان في ربع الساعة الأخير. سُيعطي وجود إدارة جو بايدن العازم على محاورة إيران مزيداً من الدفع لسياسة الحياد الإيجابي والتوازن النسبي التي تنتهجها الكويت في النزاع بين السعودية وإيران، مع حقائق الجغرافيا التي تضغط على هذه الدولة الصغيرة الواقعة بين مثلث: العراق شمالاً، والسعودية جنوباً، ومن الشرق إيران.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية