خيار يدعي التنازل عن التنازل !

حجم الخط
0

خيار يدعي التنازل عن التنازل !

جواد البشيتيخيار يدعي التنازل عن التنازل ! في الصراع مع الخصم، لا يكفي أن يكون لكَ مصلحة حقيقية في حل محدد، وأن تعي هذه المصلحة، وأن تسمح لهذا الوعي بأن يحكم ويقود هذا الصراع، فإن من الأهمية بمكان، أيضا، أن تصارع خصمك في طريقة تتمكن من خلالها من أن تجعل له هو أيضا مصلحة حقيقية في هذا الحل الذي تريد، فهنا، وهنا فحسب، يصبح في مقدورك أن تعرف النجاح من الفشل في خوضك الصراع. لقد اعتدنا أن نفسر فشل خيار الحل عبر التفاوض السياسي علي أنه نتيجة لانتفاء الرغبة لدي إسرائيل في التوصل إلي السلام مع الفلسطينيين، ولاشتداد الميل لدي الإسرائيليين إلي الإبقاء علي الشارونية، بصفة كونها نهجا في الصراع والحل، غالبية شعبية وانتخابية، وكأنها إسرائيل التي تعي مصالحها الحقيقية جيدا في عالمنا اليوم، الغني عن الوصف والتعريف. ولكن هذا التفسير يجانب الواقع بحقائقه الموضوعية، فالفلسطينيون، ومعهم العرب، فشلوا في خوض صراع من ذاك النمط، فهم لم يعرفوا من أساليب وطرائق الصراع ما يمكِّنهم من أن يخلقوا لإسرائيل مصالح حقيقية في الحل الذي يريدون، وإذا كان من نجاح أحرزوه فهذا النجاح إنما هو نجاحهم في أن يخلقوا لإسرائيل مصالح حقيقية في نبذ خيار الحل عبر التفاوض السياسي، وفي التعويل المتزايد علي الأحادية في الحل، أي علي الشارونية، في وجهيها السياسي والعسكري. خيار الحل عبر التفاوض السياسي فشل، وأصبح أثرا بعد عين، ولكن القول بذلك ليس من الحقائق المطلقة، فهذا الحل ممكن وواقعي الآن، أو من الآن وصاعدا، إذا كان الفلسطينيون والعرب مهيأون لحل نهائي يقوم علي المزاوجة بين الأحادية، التي يتوعدنا بها اولمرت، ورسالة الضمانات التي تسلمها شارون من بوش. وبالميزان نفسه، نزن خيار الحل عبر المقاومة العسكرية، فهذا الخيار مُجدٍ ومثمر إذا كان الهدف هو “تحرير” السكان الفلسطينيين، مع مدنهم وقراهم ومخيماتهم فحسب، من الاحتلال، أو الحكم العسكري، الإسرائيلي المباشر. وأحسب أن ضآلة النتائج التي يمكن أن يتمخض عنها هذا الخيار إنما تقيم الدليل العملي والواقعي علي ضآلة الأثر الإيجابي العربي في صراع الفلسطينيين مع إسرائيل، فالمشهد في أريحا إنما كان المرآة التي رأينا فيها في وضوح تام صورة العرب في صراعهم مع إسرائيل. الصراع بسيط، وبسيط جدا، فإسرائيل تريد الضفة الغربية بلا سكان، أي بلا فلسطينيين، فمقتلها يكمن في أن تضم إليها الضفة الغربية مع سكانها، أي مع تحويل أهلها إلي مواطنين إسرائيليين. هنا، وهنا فحسب، تكمن المشكلة الإسرائيلية الكبري، فإسرائيل علي جبروتها لا تستطيع قتل هؤلاء السكان جميعا، أو ترحيلهم من حيث يعيشون. الحل عندها يكمن في الفصل بينهم وبين قسم كبير، أو القسم الأكبر، من أراضي الضفة الغربية، ثم في الانفصال عنهم، وكأن الأرض التي يستحقون أن تبقي لهم هي المدن والقري والمخيمات، التي لن تعرف من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لها إلا السجون الجماعية تُقام حيث تنهي إسرائيل حكمها العسكري المباشر للسكان. وبما يتفق مع هذا “الحل” يبني الجدار، وتُعيَّن الحدود الدائمة لإسرائيل مع الفلسطينيين. ما معني هذا “الحل” الذي يعتزمه اولمرت بالنسبة إلي خيار الحل عبر المقاومة العسكرية؟ معناه الأول أن الفلسطينيين قد تحقق لهم ما يمكنهم الحصول عليه عبر المقاومة العسكرية في الوقت الحاضر بكل ما تعنيه عبارة “الوقت الحاضر”، فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا، فمدنهم عادت إليهم، وليس في داخلها من إسرائيلي، أكان جنديا أم مستوطنا، يمكن رميه بحجر أو برصاصة، أو طعنه بسكين. والمقاومة العسكرية الممكنة بعد ذلك، وبسبب ذلك، إنما هي العابرة للحدود والجدار، أكان هذا العبور بقنبلة بشرية أم بقذيفة أو صاروخ محلي الصنع. ومع تصعيب أعمال عسكرية فلسطينية من هذا القبيل، لن تجد إسرائيل رادعا يردعها عن اتخاذ الحرب عن بعد وسيلة للصراع. ولا شك في أنها تعول كثيرا علي هذا النمط من الحرب، وتري في نشرها لمزيد من الموت والدمار في داخل تلك السجون الجماعية، أو المعازل، ما قد يخلق للفلسطينيين مصلحة في تحويل التهدئة الممدَّدة إلي ما يشبه، في نتائجه العملية، الهدنة طويلة الأجل، ولكن من دون تلبيتها الشروط السياسية التي حددتها حركة حماس لإحلال هذه الهدنة. أما إذا أراد الفلسطينيون تحويل تلك المعازل إلي دولة، أو إلي ما يشبه الدولة، فلن تكون دولتهم في هذه الحال إلا دولة في داخل دولة، فإسرائيل ستحدُّ هذه الدولة من كل جهاتها الخارجية والداخلية. حتي معبر رفح يمكن أن تستعيد إسرائيل السيطرة الكاملة عليه إذا ما غادره المراقبون الأوروبيون بدعوي أن أمنهم بات عرضة للتهديد والخطر، فما حدث في أريحا قد يكون البداية لإنهاء كل وجود دولي في الأراضي الفلسطينية. إن إسرائيل تنظر إلي خطة اولمرت علي أنها الخطة التي بفضل تنفيذها، والنتائج والعواقب التي ستتمخض عنها وعن تنفيذها، ستضطر الفلسطينيين، مهما أوتوا من صلابة المبادئ والإرادة السياسية، إلي إنتاج الشريك الذي يفاوض إسرائيل توصلا إلي حل نهائي يقوم علي المزاوجة بين النتائج المترتبة علي الحل الأحادي الجانب ورسالة الضمانات. وقد يظهرون هذه المزاوجة علي أنها العودة بعد طول غياب وانتظار إلي خريطة الطريق! هناك حل مرفوض إسرائيليا، وحل مرفوض فلسطينيا. وليس من حل لهذه المشكلة الكبري، تُبذل من أجله الجهود والمساعي، سوي الحل الذي يقوم علي تحويل الحل المرفوض فلسطينيا إلي حل مفروض علي الفلسطينيين فرضا. وغني عن البيان، أن العرب لا عمل لهم يؤدونه في هذا السياق سوي تذليل كثير من العقبات من طريق حل كهذا، فهم لديهم من العجز، ومن المصلحة في الاحتفاظ بهذا العجز، ما يحملهم علي تفضيل الحل المفروض علي الفلسطينيين علي الحل المفروض علي إسرائيل. الأحادية، والأحادية وحدها، هي أُمُّ الخيارات الإسرائيلية حتي يغيِّر الفلسطينيون ما بأنفسهم، أي حتي يخلقوا الشريك الذي يري خلاصهم في الاستخذاء للشروط الشارونية للحل النهائي. ويكفي أن يقتنع الفلسطينيون بهذا الحكم، أو الاستنتاج، حتي يغدو نبذ الأحادية الفلسطينية مع ما ترتب عليها من نتائج هو أُمُّ الخيارات الفلسطينية. وهذه الأحادية إنما هي الأحادية في التنازل، فإذا كان من تنازل فلسطيني ضروري الآن فهذا التنازل إنما هو التنازل عما تنازل عنه الفلسطينيون من قبل، فالأحادية الإسرائيلية هي إنهاء للأسباب التي دعت الفلسطينيين إلي الاعتراف بحق إسرائيل في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وإلي الوفاء بالتزاماتهم، والتزام كل ما وقعوه من اتفاقات معها. الأمم المتحدة، وليس السلطة الفلسطينية، ولا حكومة حماس، ولا فتح، ولا منظمة التحرير الفلسطينية، هي المدعوة إلي أن تكون السلطة الانتقالية في الأراضي الفلسطينية. وإذا كان من مهمة كبري وحقيقية ينبغي للفلسطينيين إنجازها فإن هذه المهمة ليست بناء الدولة، وإنما إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بصفة كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، فليس من حجارة ولا من مواد بناء لبناء الدولة. وفي هذا السياق، علي فتح أن تعمل من أجل إلغاء الاعتراف بإسرائيل، وعلي حماس أن تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية بصفة كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، قبل، ومن أجل، إعادة بناء المنظمة، فالفلسطينيون لا يحتاجون إلي سلطة تدير شؤونهم بما يتفق مع نتائج الأحادية الإسرائيلية، فليظهر الاحتلال علي حقيقته العارية؛ لأن في ذلك تقصيرا لعمره! لا “سلطة مقاوِمة” وإنما شعب مقاوِم، تقوده منظمة التحرير الفلسطينية، التي أعيد بناؤها، واعترفت بها حماس وانضمت إليها، والتي عرفت كيف تعري الاحتلال الإسرائيلي، وكيف تُثمِّن كل تنازل مجاني، أي تجعل له ثمنا حقيقيا، وكيف تجعل التدويل، أي وضع الملف بين يديِّ الأمم المتحدة، ردا علي الأحادية الإسرائيلية، وكيف تُلزم العرب باتخاذ الهدم في التطبيع وسيلة لإعادة بناء التعريب للصراع. المجانية في التنازل الفلسطيني والعربي أفضت إلي الأحادية الشارونية، فلتكن هذه الأحادية بلا ثمن فلسطيني أو عربي. لتكن مجانية. وليس من سبيل إلي جعلها مجانية سوي إلغاء كل ما كان تنازلا فلسطينيا، أو عربيا، مجانيا.ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية