باريس: من : في الدورة 114 لصالون خريف باريس 2014 الذي شاركت فيه حسب تصريح رسمي 34 دولة و1600 فنان عالمي و800 من الكُتّاب والإعلاميين حاورت «القدس العربي» التشكيلية التونسية ريم عيّاري بوصفها منسّقة للجناح العربي في هذا المعرض الذي ضمّ إبداعات مجموعة من الفنانين التشكيليين في مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية والعراق وتونس.
فكان هذا الحوار:
المشاركة في هذه التظاهرة يعتبر حلما يتحقق ولكنه ليس الحلم النهائي، فأنا كلما أرتقي درجة من سلّم الحياة أفكر في الدرجة التي تليها، وهذا لا يبعدني عن بدايتي في عالم الريشة، بل في كل نجاح أتذكر العراقيل التي لم تنته وانما تغيرت. في البداية كان هاجسي الكبير كيف أجد لي موقعا صغيرا في هذا العالم الكبير، والآن هاجسي كيف أثبّت موقعي، ولذلك أعمل في كل لوحة على تحدي ذاتي، وأسعى أن أقدم الأفضل دائما، وأفاجئ نفسي بالدهشة.. لذلك أعتقد أنه كلما نتقدّم خطوة يشتد التحدّي وتزداد الصعوبات التي أستمتع بتذليلها من خلال المكابدة والاجتهاد في لوحاتي.
○ هاجرتِ الى فرنسا منذ عشرين سنة، ماذا بقي من تونس؟
• تونس باقية فيّ وإن كنت غادرتها إلاّ انها لم تغادرني وأحمل في داخلي ألوانها وروائحها وأفراحها وأحزانها، ففي تجربة البورتريه التي أحاول من خلالها أن أنقل المشاعر الإنسانية المختلفة أجد نفسي مولعة بوجوه تونسية وبملامح محليّة وإن كانت الهموم التي ألتقطها كونية..
○ ما الذي أضافته الهجرة المبكرة إلى اللوحة؟
• أضافت لي الكثير، فأن تقيم في واحدة من أكبر عواصم العالم وأهم المعاقل الفنيّة فيها، فإنك ستستفيد حتما وأعتقد أن انفتاحي على ثقافات متعددة هنا قد أثرى تجربتي الفنية وجعلها أكثر عمقا.
○ تهتمين في لوحاتك بالتعبيرات الانفعالية وتطغى عليـها كثيرا مشاهد الحزن والألم والقهر والصراخ.. لماذا ؟
•التعبيرات الانفعالية تعكس معاناة كونية يعيشها الإنسان الذي أجده يتعرض للظلم والقهر في كل مكان، فأنا أجد الألم أكثر التعابير الإنسانية انتشارا في العالم ولا يعنيني أن أرسم الفرح لأنني أهتم أكثر بأوجاع الإنسان .
○ المشاهد الإنسانية المؤلمة مثل الموت والرّحيل والغربة، لماذا كل هذا الإلحاح على رصد المعاناة؟
•ربما لأنه يصحّ قول الأديب التونسي محمود المسعدي من أن «الأدب مأساة أو لا يكون». فالفن أيضا تعبير أدبي بالريشة والألوان وقيمة الفن في التوغّل في الأبعاد الإنسانية ورصد مختلف العوالم الشعورية واللاشعورية للإنسان التي تنحت كيانه وتجعله متميزا عن كل ما في الكون.. ثم يكفي أن ننظر حولنا لنرى كم يدمّر الإنسان باسم العولمة، ويستنزف تحت أنظمة ديكتاتورية ويتشيأ في منظومات ليبرالية متوحشة، لذلك لا يمكن أن نعيش في هذا العالم من دون أن نلتقط أنين الإنسان ومن دون أن نعيش مشاهد البؤس، وبالنسبة لي أن أمشي في شوارع باريس لا تعنيني كثيرا فخامتها بقدر ما يعنيني مشاهد حزينة لأناس يبيتون في أنفاق القطارات وفي محطات السيارات، وأحيانا أصدم عندما يتعلق الأمر بعائلات تضم أطفالا يبيتون في العراء. ليس في الحياة الآن ما يدعو للفرح، ولذلك أعتقد أننا نعيش في عصر التقدم العلمي من جهة وأزمة الإنسانية من جهة أخرى.
○ في صالون خريف باريس 2014 الذي يضم حسب التصريحات الرسمية 1600 فنان تشكيلي من مختلف أنحاء العالم، أين هو موقعك؟
• في البداية أعتقد انه انتصار لي أن أقدم أعمالي ضمن هذا العدد الكبير من فناني العالم، ثم ان هذا العالم الذي نعيشه رحبا وزواياه تتعدد بتعدد سكانه، لذلك لكل فرد طريقته الخاصة في فهم الحياة وموقفه الشخصي مما يحدث حوله، وطريقته الذاتية في التعبير عن ذلك.. لهذا أعتقد أن العرض مع مجموعة كبيرة لا تعني اضمحلال الخصوصية لكل مبدع، وكما يقول الشاعر سعدي يوسف «أمشي مع الجميع وخطوتي وحدي».
○ تنوّعين في أساليب الرسم بين الانطباعي والتجريدي، إلا ان تأثير المدرسة الانطباعية يبدو طاغيا كثيرا في لوحاتك لماذا؟
• من المهم أن يلاحظ المتلقي أنني أنوّع في التعاطي مع المدارس الفنية، وربما تلك إحدى الطرق لتقديم موهبتي في التعامل مع اللوحة، ولكن بحكم أنني متأثرة كثيرا بالجوانب الشعورية في الإنسان، فإنني اجد نفسي أميل أكثر إلى المدرسة الانطباعية التي توفر لي مساحة أكبر لترجمة التعبيرات الإنسانية.
○ هناك إشكاليات تطرح دائما على المسألة الفنية وهي المفارقة التي تجعله يتأرجح بين الفن لذاته والفن للتجارة. كيف تتعاملين مع هذه المعادلة الصعبة؟
• بالنسبة لي ورغم حصولي على بطاقتي الاحترافية من فرنسا، ورغم معارضي المختلفة في غاليريهات عديدة في تونس وفرنسا وغيرهما، إلاّ أنني أشعر دائما بأنني هاوية لأني لازلت أتعامل بشغف كبير مع الألوان، ويهمني أكثر أن تنجح اللوحة في الوصول إلى عمق الإنسان، وأنجح في التواصل مع المتلقي ولفت انتباهه إلى حالات وقضايا الإنسانية، ثم اعتقد أنه عندما نفكر بشكل تجاري في اللوحة فإننا نخرج بها من سياقها الجمالي ومن عمقها الدلالي.. أظن أن التقدير المادي لا يكون للوحة فكل لوحة لا تقدّر بثمن وإنما هو تقدير لمجهود الفنان وحرفيته فقط.
○ هل لديك طقوس خاصة أثناء الرسم؟
• نعم أحب أن ترافقني الموسيقى اثناء الرسم ويروقني أحيانا كثيرة أن أرقص وأنا بصدد الرسم، فأنا اعتقد أن لحظة الرسم هي لحظة متعة خاصة، وأعتبر أن حركة الريشة على سطح اللوحة هي حركة راقصة بالأساس.
فاطمة بن محمود