مهرجانات سينمائية وأفلام سريعة التحضير والتدويل والأرباح

حجم الخط
0

قبل ظهور الوسائل التكنولوجية المساعدة على التواصل السريع والفوري بين مختلف الدول والأقطار والأشخاص، كانت إقامة المهرجانات السينمائية وتنظيمها عملية معقدة للغاية، فهي تستلزم تنسيقا وتدقيقا واتفاقا بين عدة أطراف للوصول إلى الفعل والغرض والنتيجة، في ضوء دراسات مُعدة سلفا، لإقناع الجهة المعنية وهي اتحاد المنتجين الدوليين، بجدوى النشاط وأهميته ومدى الحاجة الثقافية والفنية إليه، ولهذا كان عدد المهرجانات المحلية والدولية محدودا، وكان كل مهرجان موجودا يشار إليه بالبنان ومتعارفا على خصوصيته وطبيعته والدولة التي يتبعها.
أما الآن، وفي ظل الطفرات المتلاحقة تكنولوجيا وتقنيا، صارت إقامة أي مهرجان من أي نوع عملية سهلة ومتاحة ولا تخضع لأي شيء سوى التواصل الفردي مع بعض الشخصيات والهيئات، ومصادر التمويل التي عادة ما ترحب ويكون لها في الأنشطة الثقافية والإبداعية مآرب أخرى، وبناء علية لا تحتاج المسألة إلى إجراءات وأوراق واعتمادات كما كان الأمر في السابق إبان الشروع في تأسيس المهرجانات الكبرى كمهرجان القاهرة، ومهرجان الإسكندرية، ومهرجان السينما الروائية، حيث استغرق تدويل هذه الأنشطة والاعتراف بها كمهرجانات مُعتمدة، سنوات طويلة من المراسلة والتحقيق والتأكد من جديتها وانتظامها، للسماح لها بالانطلاق والتمتع بميزة الشعار الدولي كمسوغ قانوني لوجودها وبقائها وتفاعلها، وقد بذل القائمون على المهرجانات المذكورة والمؤسسون لها، وقتا وجهدا في سبيل ترسيخها وتثبيتها والمحافظة على هويتها الثقافية والسياسية، وحاربوا طويلا للحيلولة دون اختراقها وغزوها برأس المال الموجه، لقاء التطبيع الثقــــافي مع الكيانات غير المرغوب فيها.
وقد جعلت المهرجانات السينمائية القديمة والعريقة من لوائحها الداخلية، صمامات أمان مُحكمة للحماية الذاتية من أي تدخلات خارجية من شأنها العبث بالمكون الثقافي، أو الإضرار بوعي المواطن عبر رسائل سينمائية مسمومة ومدسوسة داخل المصنف الفني، وكثيرا ما تم ضبط أفلام ومصادرتها رأت لجان المشاهدة الحصيفة أنها غير لائقة، وتحتوي على مضامين سياسية معادية وأزيحت جانبا ومضت الأنشطة في مسارها الصحيح.
أما وقد تغيرت المفاهيم والمعايير وتبدلت الشخصيات والثقافات والمعارف، وتعددت وسائل الاتصال، وأصبح من الصعوبة بمكان السيطرة على الوافد من الفنون والثقافات وتحجيم الخطر المحيط بأشكال الإبداع المختلفة، فالأمر أصبح مشاعا، والمشاركات والمهرجانات والتفاعلات لم تعد مُقننة ولا مشروطة، لا يحتاج كل راغب في تأسيس مهرجان سينمائي سوى القليل من الوقت للتنسيق والتشاور وحساب المزايا والأرباح والعائد المادي الرقمي، كنتيجة لأيام وليالي الفعاليات المُقررة، حسب المُبين على الخريطة الفنية المصرية والعربية، خلال السنوات القليلة الماضية، التي ظهرت فيها عشرات المهرجانات والأنشطة والاحتفالات، وكلها ممولة ومدعومة ومربحة وغير قابلة للخسارة! ففي مصر وحدها، على سبيل المثال، يُقام على مدار السنة أكثر من عشرة مهرجانات سينمائية، لا يعرف عنها المواطن البسيط شيئا إلا ما يطالعه في صفحات الدعاية والإعلان مدفوعة الأجر، حيث تقيم المدن الساحلية كالغردقة والساحل الشمالي وشرم الشيخ والعين السخنة، عددا وفيرا بحجة دعم النشاط السياحي، وتتلقى تمويلات تحت هذا البند، وفي النهاية تُقتصر الفعاليات الفنية المزعومة على بعض الأيام لزوم إثبات الحالة، فمن مهرجان شرم الشيخ إلى مهرجان الغردقة إلى مهرجان العريش إلى مهرجان العين السخنة، تتعدد الشعارات والحالة واحدة، مجرد لعب وفرجة من دون أدنى إضافة للملف السينمائي الحقيقي.

أما الآن، وفي ظل الطفرات المتلاحقة تكنولوجيا وتقنيا، صارت إقامة أي مهرجان من أي نوع عملية سهلة ومتاحة ولا تخضع لأي شيء سوى التواصل الفردي مع بعض الشخصيات والهيئات، ومصادر التمويل التي عادة ما ترحب ويكون لها في الأنشطة الثقافية والإبداعية مآرب أخرى.

ومن الجونة إلى أسوان مرورا بالإسماعيلية ومرسى مطروح والإسكندرية، تعلو الصيحات وتتوافد الشخصيات، وتمتد السجاجيد الحمر وتُلتقط الصور التذكارية وتُعرض الأفلام الطويلة والقصيرة والمتوسطة والتسجيلية والوثائقية، وأفلام الموبايل مجهولة التصنيف والتسمية، كي تتوافر جوانب الإقناع لجهات التمويل والدعم المادي بالدولار واليورو، وبعد انقضاء الساعات الأولى لحفلي الافتتاح والختام، يذهب كل شيء أدراج الرياح وتعود السينما المصرية سيرتها المعهودة، مشكلات إنتاجية وأزمة في دور العرض، وفقر في الصناعة وهجرة جماعية للكوادر البشرية المتخصصة إلى بلاد النفط، بحثا عن فرص أكبر وأفضل للإبداع خارج المدار الإقليمي. والمشكلة ذاتها تتكرر في بعض البلدان العربية التي عرف فيها الشباب طريقهم إلى الاستثمار الكرنفالي والمهرجاني عن بُعد، فالمملكة المغربية تشهد نحو 50 انطلاقة سينمائية خلال العام، وكلها ما بين مهرجانات عريقة ومرموقة، ومهرجانات أخرى صغيرة ومُستحدثة كمهرجان فاس السينمائي، الذي أعلن عن دورته الأولى قبل عامين ولم يكتمل، ومهرجان تارزه لسينما المقهى، الذي بلغ دورته الرابعة، ويحاول جاهدا التغلب على مشكلاته بزيادة موارد الدعم واستقطاب النجوم والحصول على الأفلام، وكذلك مهرجان العودة في مدينة غزة في دولة فلسطين، يبذل القائمون أقصى جهودهم للمحافظة عليه وإبقاء رسالته النضالية قائمة، لكن القليل من الأماني فقط هو ما يتحقق، في ظل الأزمات المتلاحقة، بالحصار الإسرائيلي تارة وكورونا تارة أخرى.
عينات قليلة من نماذج كثيرة للمهرجانات المصرية والعربية المنسوبة للسينما هي ما تتوافر لها أسباب النجاح، فتؤدي الرسائل الثقافية المنوطة بها وتفي بالغرض المطلوب، بينما تبقى معظم الفعاليات والتظاهرات الأخرى مجرد أشباه لتنظيمات مشكوك في صحتها وجدواها، لا يُستثنى منها غير ما ترعاه الدول القادرة ماليا بشكل رسمي، كمهرجان جرش السينمائي التونسي، وأبو ظبي في الإمارات والدوحة، وعمان السينمائي.. وأخيرا المهرجان السعودي الناشئ على ضفاف البحر الأحمر والمُسمى بالاسم نفسه كآخر حبة في عنقود المهرجانات العربية الشابة والوليدة.

٭ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية