بغداد ـ«القدس العربي»:سجل مركز “حقوق لدعم حرية التعبير”، خلال عام 2020 تراجعاً في حرية التعبير، في العراق، لكن مع ذلك فهو أقل بكثير من عام 2019 الماضي الذي شهد ربعه الأخير احتجاجات عامة في البلاد.
ووفقاً للتقرير السنوي للمركز غير الحكومي، فإن “ما يزال القمع ينمو خلال كل احتجاج أو تسليط الضوء على كل ملف تم إخفائه أو التعتيم عليه من قبل السلطات الحكومية، ولا تزال الخسائر الإجمالية في تلك الأمور غير قليلة مقارنةً بالدول الديمقراطية، إذ إن السلطات يبدو أنها لا تريد منح حرية التعبير مساحة واسعة، التي تعد الواجهة للممارسات الديمقراطية”.
وأشار إلى أن “عدد الانتهاكات وصل أرقاماً ليست منخفضة، رغم إغلاق البلاد بسبب تفشي فيروس كورونا منذ مطلع العام الجاري”.
وتضمّنت إحصائية المركز “مقتل 17 شخصا من المتظاهرين والصحافيين بينهم مدير قناة فضائية، ومئات الجرحى غالبيتهم من إقليم كردستان، ونحو 226 معتقلًا أطلق سراح معظمهم ونحو 37 محتجزاً أطلق سراحهم أمنيا دون المرور بالقضاء، وحوالي 15 اختفوا أو اختطفوا وأطلق سراح عدد منهم وآخرون مازالوا غير معلومين المصير”.
واستند التقرير إلى أكثر من 126 مقابلة رصدية، مع متظاهرين تعرضوا لانتهاكات وصحافيين “تم إرهابهم والاعتداء عليهم للفترة من 2 يناير/ كانون الثاني، ولغاية 24 ديسمبر/ كانون الأول 2020 حيث لوحظ أن جميع السلطات ومنها الأمنية لا تعتني على الإطلاق في حرية التعبير ولا توفر بيئة آمنة للصحافيين في ظل ظروف التظاهرات، ما يعني أنها في حاجة إلى مراجعة هذا الأمر للحفاظ على النظام الديمقراطي”.
هجوم مستمر
وأضاف: “كما في كل مرة، أن الحكومة العراقية لم تسمح لفريق مركز حقوق لدعم حرية التعبير بالحصول على إحصاءات رسمية أو التجاوب في الاستفسار عن أسباب الانتهاكات خلافاً للدستور والقوانين النافدة، وفيما يتعلق بأسلوب السلطات مع وسائل الإعلام، لقد تعرضت حرية التعبير لهجوم مستمر، من خلال الاعتداءات على الصحافة والمدونين، انخفضت درجات حرية الصحافة بشكل ملحوظ وأصبحت الانتهاكات (صارخة) إذ وثق (حقوق) 60 تجاوزاً تمثل في 20 حالة اعتداء بالضرب ومنع وعرقلة الطواقم الإعلامية في تغطيتها للاحتجاجات الدائرة في معظم محافظات البلاد، بالإضافة إلى إغلاق 4 مقار محطات إعلامية وأكثر من 30 إذاعة محلية بدعوى عدم تسديد أجور الطيف الترددي والتشويش على بث قنوات تلفزيونية أخرى، فضلاً عن تسجيل عشرات حالات التهديد بالقتل واحتجاز صحافيين وناشطين بارزين أثناء تغطية التظاهرات خلال الفترة المذكورة”.
سابقة خطيرة
ورصد المركز “تراجعاً كبيراً في التعبير الشخصي للصحافيين والمواطنين، إذ اتخذت السلطات الأمنية حملة على النقاش النقدي بين المواطنين، وخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبراً ذلك “سابقة خطيرة وتأسيس جديد للقمع والديكتاتورية، حيث أن الدعاوى القضائية تلاحق معظم الناشطين والمدونين بتهم تخص التحريض على النظام وتكدير الأمن العام، كما أن الهجوم ضد حرية التعبير يتم فرضه بواسطة شكل جديد وأكثر فعالية من الاستبداد الرقمي الذي يشكل خطراً كبيراً على الديمقراطية في العراق”.
وانتقد تقرير المركز “السلطة التشريعية” وخصوصاً سعيها لتشريع قانون عدّه “يقيد حرية التعبير تحت مسمى (الجرائم المعلوماتية)، وبعد الضغط عليها عملت على تغيير اسم القانون إلى (مكافحة الجرائم الإلكترونية) ومازالت تصر على تمرير هذا المشروع الذي يحمل في طياته مواد عقابية كثيرة تصل إلى الزج بالسجون، فضلا عن غرامات مالية كبيرة لا ترتقي إلى حجم الأفعال في مواقع الإنترنت”.
زعم «التحريض»
وزاد: “ألقى عدد من القوى السياسية المشاركة في الحكومة العراقية اللوم على وسائل الإعلام تحت مزاعم عدة بينها أن بعض المحطات تعمل على التحريض الذي يسبب غضباً شعبياً، وتسخّر تلك القوى منصاتها الإعلامية المختلفة للعمل على مهاجمة المحطات والشخصيات التي تناغم وتتفاعل مع الشارع وتبعث لهم رسالة بأن هؤلاء هم المسؤولون عن العنف الذي تخلل التظاهرات، بالإضافة إلى شنّ حملات تخويف عبر مجهولين باستخدام طرق متعددة، ما جعل بعض الصحافيين يهاجرون من مناطقهم إلى أماكن أخرى، (أي أن هاجر الإعلاميون من المحافظات الوسطى والجنوبية إلى العاصمة بغداد والمتواجدين في العاصمة غيّروا محل اقامتهم بين إقليم كردستان والبلدان المجاورة) وهو ما يعزوه الصحافيون إلى حماية أنفسهم وخشية أن يكونوا عرضة للغدر والتصفية الجسدية”.
انتهاكات
وشهد عام 2020 انتهاكات كثيرة، “ففي يناير/ كانون الثاني، تم قتل طاقم قناة دجلة في محافظة البصرة أحمد عبدالصمد ومصوره صفاء غالي ولم تتمكن السلطات حتى اللحظة من العثور على القاتل، وبعد مرور عشرة أيام قتل المصور الصحافي يوسف ستار في بغداد، ومازالت الشرطة لم تعثر على الجاني رغم أن السنة شارفت على الانتهاء”.
وكان أبرز تلك الانتهاكات هي “اعتقالات متكررة لصحافيين يعملون في قناة إن أر تي الكردية في إقليم كردستان، وأخطر تلك الحالات توقيف بهروز علي على خلفية شكوى من رئيس الجمهورية برهم صالح بسبب مقال في فيسبوك، وإغلاق مؤسسة ناليا للإعلام التي تضم قنوات إن أر تي، بالإضافة إلى تهديد مدير عام صحة ديالى مراسل قناة السومرية هادي العنبكي عبر رسالة نصية، وممارسة تحرشات من قبل قوات أمنية وحمايات مباني المؤسسات الحكومية، فضلا عن التهديدات المبطنة والتلميحات بالترهيب على خلفية إعداد تقارير صحافية أو تصوير مواد مرئية، ومحاكمة عدد من الصحافيين والمتظاهرين، وأغلق القضاء عدد من الدعاوى وأخرى مازالت معلقة بانتظار مواعيد المحاكمات.
بلاغات
ووردت إلى “مركز حقوق لدعم حرية التعبير”، عدة بلاغات من مدونين تعرضوا إلى ملاحقات عشائرية على خلفية آرائهم في مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الإفصاح عن أسمائهم يعرض حياتهم للخطر.
وفي الوقت الذي أبدى المركز تخوفه من زيادة عدد الانتهاكات، طالب الجهات ذات العلاقة بـ”توجيه الموظفين وعناصر القوات الأمنية خصوصا بضرورة التعاون مع الصحافيين والمدونين وناشطي المجتمع المدني، واحترام عملهم وفق الدستور والقانون”، لافتاً إلى أن “النصف الثاني من عام 2020، شهد تعامل عناصر الأمن بقسوة مع الصحافيين والناشطين وحتى المدونين، ويرجع استخدام هذا الأسلوب إلى التظاهرات التي خرج بها المواطنون في إقليم كردستان المطالبين بدفع الرواتب وإصلاح النظام السياسي، كون الديمقراطية لها جاذبية دائمة كوسيلة لمحاسبة القادة وخلق الظروف لحياة أفضل، لكن هذا ليس مبرراً لاستخدام القوة والعنف ضد الصحافيين وقادة الرأي، وكان يجب أن يتصرف القادة الأمنيون بحكمة وهدوء لتحقيق سلامة المتظاهرين والمواطنين في تلك الأحداث”.
وشهدت التظاهرات التي انطلقت في الثالث من ديسمبر/ كانون الأول “أحداثاً دموية ترتقي إلى الوصف كمجازر، بسبب استخدام القوات الأمنية للذخيرة الحية القاتلة، الأولى تمثلت في الأيام الأربعة الأولى من شهر ديسمبر، والثانية مجزرة الناصرية التي هاجم فيها مجهولون المتظاهرين بالرصاص الحي وأسفر عن مقتل وإصابة العشرات من المتظاهرين”.
وأشار “حقوق”، إلى اتخاذ الحكومة العراقية عدداً من الخطوات نحو مساءلة عناصر الأمن وتم اعفاء ضباط من مهامهم إثر تجاوزات على حقوق الإنسان، لكن إجراءات الحكومة لم تكن بالمستوى المطلوب”.
ورأى أن “الضغوط التي تعانيها المؤسسات الديمقراطية في معظم البلدان هي حالة اعتيادية، وإن استمرار الحراك من أجل العدالة والاندماج في البناء هو ما يمكن أن يتوقعه المواطنون وما يجب أن يتوقعوه من الديمقراطية، ولقد ساهمت التطورات في زيادة الغضب والقلق في نفوس المواطنين بشأن عدم المساواة الاقتصادية، وفقدان الأحوال الشخصية وفشل مركز الطيف السياسي، في معالجة الاضطرابات التي تسببت فيها. وأدى ذلك إلى احتكار فرص العمل والوظائف الحكومية للأحزاب والذين كانوا قادرين على وصف النخب الحالية بأنها متواطئة أو مستفيدة من تآكل مستويات معيشة المواطنين وتقاليدهم الوطنية”.
وتابع: “الأساليب العقابية هذه، تؤدي إلى انتهاكات في حقوق الإنسان وتلحق الضرر بالديمقراطية من الداخل من خلال الموقف الرافض للحقوق المدنية والسياسية الأساسية، مع الأخذ بالحسبان أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن النظام الديمقراطي مقبل على الانهيار في حال لم يتم مواجهة الفساد المتفشي في مؤسسات الدولة بشكل جاد، من قبل القوى السياسية التي ترفض المبادئ الأساسية مثل الفصل بين السلطات، وانهاء العمل بالمحاصصة السياسية وتطبيق القانون على المزاج السياسي لا على الجميع”.
تخفيف القبضة
ودعا السلطات في البلاد إلى “تخفيف قبضتها على حرية التعبير وعدم ملاحقة الصحافيين والناشطين وقادة الرأي العام والإفراج عن المعتقلين منهم وخلق مساحة أكبر لوسائل الإعلام”، مطالباً في الوقت عينه السياسيين بـ”الاستجابة للمطالب العامة للمواطنين المتظاهرين في مناطق مختلفة من البلاد، الذين تصدوا لأيام طويلة من القمع وأنهم مازالوا يواصلون السعي من أجل الحرية والمساءلة والكرامة كون أن التغيير والإصلاح يحقق مطالبهم”.
وزاد: “في هذا المعنى، فإن اللحظة الحالية لا تحتوي على خطر فحسب، بل تتضمن أيضاً فرصة للديمقراطية ويجب على الأشخاص ذات العلاقة جعل حماية الكرامة الإنسانية أكثر عدلاً وأن يبذل القادة السياسيون جهداً مستمراً لتحقيق الازدهار للمواطنين”.