زمان الرعب
د. عبدالوهاب الافنديزمان الرعب(1)في وقت سابق من هذا الاسبوع كان علي أن أحضر لقاء نظمته رويترز بالتعاون مع مركز السياسة الخارجية مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يتحدث فيه عن سياسة حكومته الخارجية حول مكافحة الارهاب والعراق.وكانت علامة غير مشجعة حين أبلغنا في رسالة الدعوة ان مكان انعقاد الاجتماع لن يبلغ لنا الا قبل 24 ساعة من موعد اللقاء. وكان الانطباع هو كأننا كنا ذاهبين الي اجتماع سري او لقاء مع المافيا.(2)عندما وصلنا الي مكان الاجتماع كان من السهل الاستدلال عليه بكثافة رجال الشرطة المسلحين، المنتشرين في كل مكان، ولكن عددهم كان يتزايد، واسلحتهم تظهر كلما اقتربنا من مدخل مقر الاجتماع. ويمكنك بعد ذلك ان تتخيل التفتيش والتدقيق في الهوية الي درجة اننا كدنا نمنع من الدخول لأننا لم نكن نحمل جوازات سفر!(3)بعد الاجتماع كان علي الذهاب الي مجلس العموم البريطاني لحضور لقاء ينظمه مركزنا حول الانتخابات الفلسطينية، وكان علي مرة اخري ان اعبر دشم الاسمنت القبيحة التي اصبحت تحجب المدخل، ثم غرفة التفتيش، وبعد ان خرجت من الغرفة كان هناك شرطي يحمل مدفعاً رشاشا موجهاً مباشرة الي صدري، بحيث انه لو تحرك حركة مفاجئة لا ارادية ربما أمطرنا بالرصاص وألحقنا بالبرازيلي جان دي مينديس الذي قتلته الشرطة بزعم انه ارهابي.(4)تحسرت علي الأيام الخوالي وأول زيارة لي للبرلمان حين لم يكن هناك تفتيش ولا حراسة ولا سؤال عن الهوية. الشرطي الوحيد الذي رأيته كان داخل قاعة البرلمان نفسها، ولم يكن يحمل السلاح. وأذكر انني دخلت معه في حوار حول السماح لي بالجلوس علي مقعد رئيس الوزراء، فرفض قائلا: انه كرسي مثل أي كرسي آخر.(5)قيل زمان الرعب الحالي هذا كان يمكن لأي شاء ان يزور البرلمان بلا حرس ولا تفتيش، وكان يمكن لأي مجموعة ان تتظاهر امام مكتب وسكن رئيس الوزراء في رقم 10 داوننغ ستريت، هذه الأيام اصبح التظاهر امام مقر حاكم عربي ايسر بكثير من ذلك.(6)لم يكن هذا لأن بريطانيا لم تكن قد خبرت العنف الارهابي، وما زلت اذكر جيدا اليوم الذي تعرض فيه مكتب رئيس الوزراء (جون ميجور آنذاك) للقصف بقذائف المورتر اثناء اجتماع الحكومة، وذلك لسبب بسيط، هو ان مكتبي في السفارة السودانية اهتز كما لو أصابه زلزال. وقبل ذلك بعام (1991) هز زلزال آخر منزلي في شمال لندن بعد تفجير قنبلة ضخمة في مجمع تجاري قريب.(7)المسؤول في الحالين كان الجيش الجمهوري الايرلندي الذي ظل يقود حرباً ضد الحكومة البريطانية لأكثر من ربع قرن ـ ولكن هذه الحملة لم تؤد الي خلق حالة الرعب التي تشهدها حاليا، حتي بعد ان قرر الجيش الجمهوري نقل حملته الي انكلترا وقلب لندن.(8)هناك تصريح لأسامة بن لادن يقول فيه ان الحكومات الغربية تساعد حملته الارهابية بخلق مناخ للرعب والتخويف يكون له وقع أكبر بكثير من هجمات القاعدة. ويبدو انه علي حق في هذا، وخاصة في حق الحكومة البريطانية ورئيسها بلير الذي ظل يبشر بالارهاب حتي اصبح حقيقة.(9)هناك علاقة طردية بين الأمن والعدل تجلت في المقولة المشهورة للزائر الفارسي الذي وجد عمر بن الخطاب نائماً في العراء بلا حراسة فقال متعجباً: عدلت فنمت يا عمر. وبالمقابل نجد الحكام الظلمة أشد الناس رعباً، بل انهم يعيشون في حالة من الرعب أشد من ضحاياهم. ولهذا يكثفون الحراسة والاجراءات الأمنية.(10)العدل بالطبع لا يمنع عدوان المجرمين ـ فقد قتل عمر بن الخطاب ظلماً وكذلك عثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب ـ ولكن المجتمعات السلمية لا تتخذ مثل هذه الأمور ذريعة للتحول الي دولة بوليسية، السويد مثلا التي قتل رئيس وزرائها الأسبق وهو عائد من السينما بدون حراسة، ووزيرة خارجيتها التي كانت تتسوق بمفردها، رفضت ان تغير طبيعة مجتمعها المفتوح، وبالمثل فان تشديد الحراسة لا يعطي الأمان كما تشهد بذلك كثرة محاولات الاغتيال التي يتعرض لها الحكام العرب. ولكن اشاعة الطمأنينة والانفتاح افضل للمجتمعات مهما كانت التكلفة. وليتنا نستعيد انفتاح وطمأنينة المجتمع البريطاني قريباً.9