الاختبار الحقيقي سيبرز عندما تقوم كوريا الشمالية، بتجربة صاروخية بعيدة المدى أو استمرار هجمات القرصنة الإلكترونية الروسية والصينية أو أي استفزاز إيراني في الخليج العربي.
واشنطن-“القدس العربي”: سيركز الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، عندما يتولى منصب الرئيس السادس والأربعين، على التحديات الداخلية، وتنفيذ شعار “إعادة البناء بشكل أفضل” في التعامل مع جائحة كوفيد- 19 وإعادة تنشيط الاقتصاد الأمريكي، والتصدي للعنصرية النظامية وعدم المساواة الاقتصادية، ولكن التحديات التي تواجه الولايات المتحدة والعالم، من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط لن تنتظر، كما يقول العديد من المحللين الأمريكين، مع التأكيد على أن إدارة بايدن المقبلة ستواجه أزمات السياسة الخارجية بينما تحاول معالجة القضايا المحلية.
ولاحظ المحللون الأمريكيون أن أعمال الإصلاح تمثل القلب بالنسبة لسياسة بايدن الخارجية، إذ تحدث الرئيس الديمقراطي مراراً خلال الحملة الانتخابية حول تحالفات أمريكا، لا سيما في أوروبا وآسيا، وحول الدور القيادي للولايات المتحدة في منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ، ولكن الاختبار الحقيقي، بحسب رأي الخبراء، سيبرز عندما تقوم كوريا الشمالية، على سبيل المثال، بتجربة صاروخية بعيدة المدى أو استمرار هجمات القرصنة الإلكترونية الروسية والصينية أو أي استفزاز إيراني في الخليج العربي.
وقد حددت إدارة الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، الصين باعتبارها أكبر تهديد طويل الأمد للولايات المتحدة، وهو موقف يتزايد الإجماع بشأنه من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، حيث أظهرت الصين مزيداً من الحزم في المنطقة عبر توسيع وجودها العسكري في بحر الصين الجنوبي ومحاربة القوات الهندية في جبال الهملايا إضافة إلى القمع الداخلي، لا سيما في هونغ كونغ وضد أقلية الأويغور المسلمة.
وقوبلت التصرفات الصينية برد فعل عنيف من واشنطن يقترب الآن من حالة الفصل، ولكن من المتوقع أن يتخذ بايدن أسلوباً مختلفاً عن استراتيجية “أمريكا أولاً” التي أدت إلى نفور حلفاء الولايات المتحدة قبل خصومها، على الرغم من أن بايدن سيحافظ على بعض التعريفات التي فرضها ترامب ضد الصين.
ومن المتوقع أن تنسحب إدارة بايدن تماماً من “المعارك التي لا داعي لها” في السياسة الخارجية، مثل المعارك حول القوات الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا ورسوم الأمن القومي المفروضة على كندا والاتحاد الأوروبي. وقال انتوني بلينكين، الذي اختاره بايدن لمنصب وزير الخارجية، إن هذه التحالفات هي المفتاح لحل “المشاكل الكبيرة التي تواجه أمريكا كدولة”.
وفي حين أن الضغط على الصين يمثل “لعبة طويلة” إلا أن الرد على الاستفزازات الروسية يتطلب استجابة قصيرة المدى من واشنطن، على حد تعبير كوتور فينيجان في تقرير لقناة “إيه بي سي نيوز” بشأن أهم تحديات السياسة الخارجية لجو بايدن في عام 2021.
وهناك توقعات بأن يتخذ بايدن موقفاً أكثر تشدداً من ترامب ضد روسيا، ومن المرجح أن يواصل الرئيس المنتخب العديد من سياسات ترامب، بما في ذلك العقوبات على التدخل الروسي في أوكرانيا وسوريا، وفي الواقع، هذا ما تتوقعه موسكو تماماً، إذ قال المتحدث باسم بوتين الأسبوع الماضي إن الكرملين لا يتوقع “أي شيء إيجابي” من التغييرات في الإدارة الأمريكية، ولكن خبراء العلاقات الأمريكية-الروسية أشاروا إلى أن العلاقات بين البلدين ستكون مدفوعة إلى حد كبير بالسياسات الداخلية لكل دولة.
ولم تفشل ثقة ترامب في دبلوماسيته الشخصية مع كيم جونغ أون في نزاع السلاح النووي لكوريا الشمالية، بل أعطت للزعيم الشاب وقتاً لبناء المزيد من الأسلحة النووية وتطوير القدرات الصاروخية البالستية، في حين قال بايدن إنه لن يتفاوض مع كيم بل مع نظامه، حتى يتم التوصل إلى اتفاق مؤقت يجمد البرنامج النووي للبلاد، كما أعلنت الإدارة المقبلة بأنها ستعمل على تعزيز عقوبات الأمم المتحدة على بيونغ يانغ.
وبالنسبة لإيران، فقد أعلن بايدن في أيلول/سبتمبر الماضي أنه “إذا عادت إيران إلى الامتثال الصارم للاتفاق النووي، فإن الولايات المتحدة ستعود للانضمام إلى الاتفاقية كنقطة انطلاق لمفاوضات المتابعة” مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستعمل مع الحلفاء على تعزيز وتوسيع بنود الاتفاق النووي، مع معالجة القضايا الأخرى ذات الاهتمام.
وأشارت إيران من جهتها إلى أن بعض شروط بايدن غير ممكنة، وقالت أنها لن تعيد التفاوض على شروط الاتفاق النووي الإيراني فحسب، بل إنه يجب أيضاً تعويضها عن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن عقوبات ترامب، كما أقر برلمان طهران مشروع قانون لزيادة تخصيب اليورانيوم وطرد المفتشين الدوليين إذا ما لم يتم رفع العقوبات المفروضة على البلاد.
وأوضح بايدن أن معالجة تغير المناخ ستكون أولوية قصوى في السياسة الخارجية والداخلية، خاصة مع تعيين وزير الخارجية السابق جون كيري في دور المبعوث الخاص، ولكن أزمة المناخ المتنامية ستتطلب أكثر من الالتزامات على الورق، وفقاً لما قاله العديد من المحللين، الذين أشاروا إلى أن قضية المناخ تتشابك مع العلاقات مع الصين.
وسيتعين على إدارة بايدن التعامل مع قضية الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق، وأشار بعض الخبراء إلى أن ترامب، في الواقع، قدم هدية لا تصدق إلى فريق بايدن عندما أمر بقرار سحب القوات، وعليه فإن إدارة ترامب ستتحمل كل اللوم إذا سارت الأمور في أتجاه خاطئ، وأفادت بعض الصحف الأمريكية أن بايدن سيعمل على إبطاء عملية الانسحاب الكامل.
ومن غير المتوقع قطعياً أن تقوم إدارة بايدن بعكس أي من قرارات ترامب بشأن تطبيع الدول العربية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي كما أنها لن تقوم بالتراجع عن أي قرار اتخذه ترامب لمصلحة إسرائيل، بما في ذلك نقل السفارة والاعتراف “بالسيادة” الإسرائيلية على مرتفعات الجولان وغير ذلك، ووفقاً لمصادر قريبة من الإدارة المقبلة، فإن بايدن ينوي مواجهة حالة عدم انعدام الأمن والفوضى في سوريا وشمال موزمبيق وعبر منطقة الساحل والصحراء.