قبل ساعة من السنة الميلادية الجديدة أنهت بريطانيا علاقة 47 عاما مع القارة الأوروبية وقررت أن تسير في طريقها في العالم وحيدة وتواجه فترات صعبة تستنزف حيويتها وطاقتها على الساحة الدولية.
ورغم أنها توصلت مع الاتحاد الأوروبي إلى معاهدة تجارية في اللحظة الأخيرة إلا أن الثمن الاقتصادي سيكون باهظا. وللمرة الوحيدة لن يجد دعاة الخروج من الاتحاد الأوروبي أو بريكست في حزب المحافظين والحركة التي قادها بوريس جونسون، رئيس الوزراء الحالي “شماعة” أوروبا لكي يلقوا عليها المسؤولية ويحملوها فشلهم.
من الوعد إلى الالتزام
وظل مشروع بريكست قضية خاصة بحزب المحافظين ومنذ أن انضمت بريطانيا إلى الكتلة الأوروبية في 1973 والجدل لم يتوقف بين الأحزاب الحاكمة حول طبيعة العلاقة بين هذا البلد الذي يريد الحفاظ على سيادته وعملته ولا يريد أن يكون عرضة لتنظيمات بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي. وتسابقت الأحزاب سواء كانت عمالية أم محافظة لتقديم الوعود بضبط العلاقة مع أوروبا حسب ما تراه لندن لا بروكسل. ولكن العلاقة البريطانية مع أوروبا ظلت بين شد وجذب حتى عام 2013 عندما وعد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون لوضع الموضوع على استفتاء في محاولة منه لإرضاء المتشددين أو الشاكين من أوروبا. وكان كاميرون يأمل في وضعه القضية أمام استفتاء عام أن تكون النتيجة لصالح البقاء في داخل اللحمة الأوروبية لكنه خسر الرهان واستقال مخلفا وراءه أزمة سياسية استمرت أربعة أعوام. فقد كشف إعلان المذيع المعروف ديفيد ديمبلبي من “بي بي سي” انتصار الداعين للخروج في حزيران/يونيو 2016 عن بلد منقسم وموزع بين البقاء والخروج، مع أن الغالبية انحرفت نحو الخروج. وكان فوز هذا التيار الذي قاده بوريس جونسون وزعيم حزب الاستقلال، نايجل فاراج الذي بنى صعوده السياسي على فكرة العداء لأوروبا نتيجة لحملات تضليل وتزييف لحقيقة العلاقة وتخويف من المهاجرين كما تفعل أحزاب اليمين المتشدد. وصور الطلاق البريطاني من أوروبا على أنه استعادة للسيادة على القرار الوطني والسيطرة على الحدود والتحرر من قيود الاتحاد التجارية حيث سيكون العالم كله ميدانا لبريطانيا تتصرف فيه حسبما تشاء دون حاجة للعودة إلى مشاورة زملائها في الاتحاد. واقتضى قرار الخروج والمفاوضات الصعبة وتهديدات جونسون بالخروج بدون اتفاقية أربع سنوات عجاف. كل شيء قد انتهى ليلة الخميس وبات الفراق حقيقة، أصبحت بريطانيا مثل “الطوافة الحجرية” التي صورها الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو الذي تخيل فيه عالما تنفصل فيه الجزيرة الإيبيرية عن أوروبا وتبحر نحو المحيط الأطلنطي بحثا عن مكان جديد لها. فبريطانيا التائهة ستواجه مشاكل عدة داخلية وخارجية.
من الوحدة إلى التفكك
وخلافا للوعود التي قدمها جونسون ومن معه فبريطانيا كما قالت صحيفة “الغارديان” (31/12/2020) مهددة نفسها بالتفكك وليس الاتحاد الأوروبي كما توقع أنبياء بريكست، فاسكتلندا وشمال أيرلندا والشباب خاصة المتخرجين الجدد صوتوا لصالح البقاء. والوزيرة الأولى في اسكتلندا، نيكولا ستيرجين مصممة على العودة إلى الاتحاد الأوروبي، وكان واضحا في تغريدة لها عشية الخروج حيث وعدت أوروبا بالعودة.
وترى “الغارديان” أن خروج بريطانيا وإن أنهى دراما طويلة عمرها 8 أعوام إلا أنه يعتبر فصلا مأساويا وحزينا. ولن يلغي علاقة بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي التي ستظل أوروبية ولن تستطيع الحياة بدون القارة العجوز. وقالت إن مشروع بريكست قاده الإعلام الذي كان جونسون جزءا منه وهو من يقرر مصيره الآن. وبالنسبة لرئيس الوزراء وزعيم العمال، كير ستارمر فقد انتهى الفصل وعلينا النظر للأمام، وهذا صحيح إلى حد ما، لكنهما مخطئان وبشكل كبير لأن بريطانيا أخرجت نفسها من أوروبا وستظل منقسمة دائما حولها “فقد انقسمنا في الماضي وسنظل منقسمين في المستقبل”. و”الحديث عن إنهاء بريكست هو فتنازيا. وهي حل مفترض سيخلق مشاكل تاريخية جديدة” مضيفة أن “الوهم الذي غذى وقوى بريكست لا يزال حيا وواضحا من الخطابات المتفاخرة والمتشفية التي ألقيت في البرلمان يوم الأربعاء”. مع أن جونسون تبنى نبرة تصالحية عندما تحدث عن بريطانيا كأفضل صديق وحليف لأوروبا، لأنه يفهم أن العالم مترابط مع أن التيار المتشدد الذي قاده لا يهتم بالتسويات ولا بالتنازلات ويتغذى من فنتازيا العظمة والسيادة. وأي مراجعة لصحف اليوم الأول من هذا العام تظهر حجم الوهم الذي يعيشه الإعلام المؤيد للحكومة الذي بشر بعهد جديد من الحرية وقيادة العالم، مع أن خبر “الطلاق” جاء في معظم الصحف بعد خبر كوفيد-19 الذي زادت حالاته في الشهر الماضي، وباتت السلطات الصحية تتحدث عن أزمة، وهو مظهر فشل لجونسون في تعامله مع فيروس كورونا.
لن يلوم إلا نفسه
وكما ذكر تقرير في موقع “بلومبيرغ” (31/12/2020) فبعد بريكست على جونسون ألا يلوم إلا نفسه. وقالت تيريز رافائيل إن الناخبين فيما عرف بالجدار الأحمر في الشمال من القواعد العمالية السابقة هم من قدموا لجونسون الدفعة لإكمال مشروع بريكست عندما تخلوا عن دعم زعيم حزب العمال جيرمي كوربن. وقالت إن هذه القواعد تضررت كثيرا نتيجة الوباء- اقتصاديا وتعليميا وفي قطاع العمل- وهي وإن رغبت في إنهاء فصل بريكست إلا أنها ليست مستعدة للتصديق أن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيضر بها. ولهذا فجونسون المعروف بمراوغته للحقيقة بحاجة لأن يقول الحقيقة لهم. ويمكنه لوم الوباء على فشله، إلا إن تعاطفهم معه وخيبة أملهم من حزب العمال الذي تركوه لها حدود. وكما شاهدنا في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، فالولايات التي حملت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016 هي التي أخرجته منه في 2020. ومن هنا تحتاج الحكومة لأن تكون واضحة فيما تريد أن تنجزه خاصة على مستوى الخارج، ومنذ الاستفتاء تغير العالم بطريقة لا رجعة فيها، وتغير أكثر منذ ظهور الوباء الذي أثر على اقتصاديات العالم وحرية الحركة، وضمن هذا يأتي الحديث عن موقع بريطانيا في العالم كما قالت مجلة “إيكونوميست” (2/1/2021) حيث تناولت شعار “بريطانيا العالمية” التي قالت إنها فكرة جيدة ولكنها بحاجة إلى خيارات صعبة وتعاون مع أوروبا.
وهم العالمية
وقالت إن اتفاقية اللحظة الأخيرة في 24 كانون الأول/ديسمبر وإن جنبت الطرفين المصاعب والاحتكام لمنظمة التجارة العالمية إلا أنها اتفاقية الحد الأدنى وتجاوزت الخدمات. فبريطانيا التي ستنظر إلى البحار وحيدة بعدما وضعت أوروبا خلف ظهرها بحاجة للتساؤل عن الدور الذي يجب أن تلعبه في العالم؟ وهو سؤال طالما تصارعت معه بريطانيا خلال القرون الماضية وفي العقود الماضية ارتبط التفكير البريطاني بالحنين إلى الإمبراطورية الضائعة ووضع القوة العظمى. ومنحت العضوية في النادي الأوروبي جوابا على هذا السؤال. وكما قال رئيس الوزراء السابق توني بلير، فبريطانيا هي جسر بين أمريكا وأوروبا وتؤثر في واشنطن وبروكسل. وبعد بريكست ترى المجلة أن واحدا من الخيارات أمام البريطانيين هو القبول بأن تأثيرهم قد تراجع والتفكير على مستوى صغير كالتصرف مثل دانمارك كبيرة ودولة شمال أوروبية بدون تظاهر بأنها قوة عظمى. وفي استطلاع أعدته مؤسسة إبسوس- موريس في أيلول/سبتمبر قالت نسبة 38 في المئة إن على بريطانيا “التوقف عن التظاهر بأنها قوة مهمة في العالم” وخالفت نسبة 28 قي المئة هذا الرأي. لكن على البريطانيين ألا يتعاملوا مع منافع التأثير كأمر واقع، وعليهم والحالة هذه حرف العالم بطريقة تخدم المصالح البريطانية سواء كانت في التجارة أو التغيرات المناخية أم الديمقراطية وعبر النموذج القوي، تماما كما فعلت الدانمارك. وتشير “إيكونوميست” إلى أن شعار حكومة المحافظين عن “بريطانيا العالمية” الذي يقترح طموحات أبعد من أوروبا يظل شعارا. ولا حاجة للحديث عن أمر كهذا لأنه يمكن الحديث عن ملامح عدة من تأثير بريطانيا في العالم، فهي عضو في مجموعة الدول السبع والعشرين ولديها مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي كما هي قوة نووية ولديها جيش قادر، وستكون بعد الولايات المتحدة من ناحية الإنفاق العسكري بين دول الناتو. ولديها الكثير من ملامح القوة الناعمة، مثل النفقات الكبيرة على الدعم الأجنبي واستطاعت عبر علمائها تطوير لقاحات ضد كوفيد-19 وستستضيف قمة المناخ في الخريف المقبل. ويمكن لبريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي أن تكون قوة رشيقة وتتحرك بسرعة بعيدا عن مناقشات بروكسل، مثل فرض عقوبات على بيلاروس أو توقيع اتفاقيات تجارية مع اليابان وتركيا. وكذا التحرك قبل أي دولة في العالم للمصادقة على عقار فايزر- بيونتك. وهذا فيض من غيض يمكن لبريطانيا عمله على الساحة الدولية. وكل هذا يعتمد في النهاية على معالجة المشاكل الداخلية، فقوة التاتشرية والبليرية التي جعلت بريطانيا تضرب فوق حجمها نابع من نجاحها في الداخل. وأصبح هذا صعبا بسبب فشل الحكومة في التعامل مع فيروس كورونا. وهناك سبب آخر وهو اقتصادي، فأداء بريطانيا كان فقيرا في الفترة الأخيرة وسيزيد خروجها من الاتحاد الأوروبي من تراجع الوضع. ونتيجة للغضب من بريكست هناك دعوات متزايدة لاستقلال اسكتلندا وأيرلندا موحدة. ولن يتم التعامل مع بريطانيا بجدية في الخارج إذا كان بيتها متهالكا. وعلى بريطانيا تطوير ثقافة سياسية تقوم على الخيارات الصعبة وليس التوسع فوق الطاقة، فمن السهل استعراض القوة في آسيا وتجاهل الخطر القريب للبيت. وفرنسا مثلا، جيدة في تركيز مصادرها الدبلوماسية في المناطق التي تترك فيها أثرا مثل منطقة الساحل. وفي النهاية تظل أوروبا هي المكان الأقرب لبريطانيا. فقد كان طموح رئيسة الوزراء السابقة تيريزا مي عقد “شراكة طموحة” مع الاتحاد الأوروبي في الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية، لكن جونسون يفضل التعامل من خلال سياسات مرتجلة وعبر الناتو وعلاقات ثنائية مع فرنسا وألمانيا. وكما يقترح التاريخ فستجر بريطانيا مرة أخرى نحو أوروبا. فالمصالح المشتركة والحاجة إلى المصادر تدعو إلى الشراكة.
اكتشاف الخطأ
وكما لاحظت “واشنطن بوست” (29/12/2020) فالخروج البريطاني لن يكون بدون ثمن اقتصادي، وبحسب أرقام الحكومة البريطانية فسيكون الناتج المحلي العام أقل بنسبة 4 في المئة بعد 15 عاما من الآن. كما أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيجعلها شريكا استراتيجيا أقل للولايات المتحدة. وأضافت أن جونسون قد يتباهى بأن السيادة الوطنية قد تكون تعويضا عن كل هذا، وكلما بدأت آثار الخروج بالظهور في الأشهر المقبلة، فستتزايد نسبة من البريطانيين التي ترى أن الخروج كان خطأ، وهناك غالبية حسب استطلاعات وستتزايد.
الجميع خسر
وفي النهاية يرى المعلق في صحيفة “نيويورك تايمز” (31/12/2020) روجر كوهين أن الجميع خسر من صفقة بريكست، فقد خسر الاتحاد الأوروبي واحدة من أكبر الدول الأعضاء فيه، واقتصاد رئيسي، وجيش قوي، وتقاليد الليبرالية البريطانية. وخسرت بريطانيا الثقل الدبلوماسي في عالم من التنافس المتجدد بين القوى العظمى ولبعض النمو الاقتصادي في المستقبل والوضوح بشأن الوصول الأوروبي لصناعة الخدمات المالية الكبيرة وفرص لا حصر لها للدراسة والعيش والعمل والحلم في جميع أنحاء القارة. وأضاف كان قرار بريطانيا بالمغادرة جوهريا. فعل مستوحى من ماض خيالي ويرفعه مستقبل خيالي إلى مستويات عالية وتغذيه وسائل التواصل الاجتماعي ويمكنه من تلافي الحقيقة. لقد كان فشل حلم “الولايات المتحدة الأوروبية” – في القارة التي ماتت القوات البريطانية والأمريكية لتحريرها من النازيين – الذي تحدث عنه لأول مرة ونستون تشرشل في عام 1946 عندما تخيل قارة توفر “الأفراح والآمال البسيطة التي تجعل الحياة تستحق العيش”. لقد فقد الجميع في أوروبا وبريطانيا شيئا ما. ولكن كما أشار جان مونيه، أحد الآباء المؤسسين لما أصبح الاتحاد الأوروبي: “من الأزمات أوروبا تصنع نفسها”. وفي النهاية خسرت بريطانيا نفسها، ولم تعد ملجأ للهاربين وتحاول أن تتظاهر بأن أوروبا ليست موجودة مع أن الهوية الأوروبية ليست بالضرورة أن تكون ضمن ناد سياسي، فقد تغيرت بريطانيا من خلال الطعام والشراب والسفر الرخيص بين دول القارة. وماذا سيفعل البريطانيون إن لم تتوفر جبنة “البريه” التي تعودوا عليها، فهل عليهم العودة مرة ثانية إلى البطاطا المقلية والسمك أو كتف الخروف المشوي يوم الأحد؟