التوتر بين الدولة العراقية والفصائل الولائية: مواجهة أم تكتيك؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

شنت القيادات الشيعية، حملة اتهامات على حكومة الكاظمي، بالتهاون في إعلان نتائج التحقيق بملف اغتيال سليماني، ورفضها تدويل القضية، إضافة إلى المطالبات بالإخراج الكامل للقوات الأمريكية من العراق.

 

بغداد-“القدس العربي”:دخل العراق عام 2021 وسط أجواء توتر أمني جراء تصاعد مخاوف المواجهة بين القوات الحكومية والميليشيات، إضافة إلى القلق من احتمال وقوع المواجهة الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على العراق، بالتزامن مع تحشيد شيعي لاحياء الذكرى الأولى لاغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في بغداد.

وجاء تصعيد الفصائل الولائية، للموقف الأمني في هذه المرحلة، مع حكومة مصطفى الكاظمي والإدارة الأمريكية، عبر إطلاق التهديدات والانتقادات الجارحة للكاظمي وعودة القصف بالكاتيوشا للسفارة الأمريكية وضرب قوافل نقل معدات التحالف الدولي، في إطار استعراض القوة والاستعدادات لأي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، وتزامنا مع ذكرى اغتيال الجنرال قاسم سليماني ومعاونيه في بغداد التي تصادف اليوم، الثالث من كانون الثاني/يناير، وسط تهديدات إيرانية وميليشياوية بحتمية الرد والثأر على العملية.

ورغم ان العلاقة المتشنجة بين حكومة الكاظمي والفصائل المسلحة، ليست أمرا جديدا، إلا ان تهديدات ميليشيا العصائب وكتائب حزب الله تجاوزت المستوى المعتاد هذه المرة، حيث قوبلت خطوة الحكومة باعتقال بعض قادة الميليشيات المتورطين بعملية قصف السفارة الأمريكية مؤخرا، بنزول مقاتلي بعض الميليشيات إلى شوارع بغداد إضافة إلى إطلاق حزب الله اتهامات للكاظمي بالعمالة لأمريكا مع إهانات جارحة له، مما دفع الأخير للرد حفاظا على الحد الأدنى من هيبة حكومته رغم سعي الكاظمي إلى تجنب الصدام مع الفصائل. وجاء رد الكاظمي عبر نشر القوات الأمنية الحكومية في المنطقة الخضراء وأحياء متفرقة من العاصمة بغداد، بعد تصريحاته بالسعي ” للتهدئة لمنع زج بلادنا في مغامرة عبثية أخرى، ولكننا مستعدون للمواجهة الحاسمة إذا اقتضى الأمر” حسب قوله.

وانسجاما مع قناعة الجميع، بأن الفصائل المسلحة في العراق وبدون استثناء، تنصاع لتوجيهات طهران ولا تجرؤ على التصرف من تلقاء نفسها، فإن الكاظمي أرسل وفدا إلى طهران برئاسة قيادي في منظمة بدر المقربة من إيران، للتهدئة بين الحكومة والفصائل مع تأكيده عدم رغبة بغداد بالتصعيد.

ولأن الخيوط الأمنية والاقتصادية والسياسية والدينية، تتشابك بقوة في العلاقات العراقية الإيرانية، فقد وصل إلى العاصمة العراقية وفد إيراني برئاسة وزير الطاقة رضا ادركانيان، للضغط على حكومة الكاظمي لإطلاق المزيد من الديون العراقية لإيران، مقابل إعادة الغاز الإيراني المقطوع عن محطات الكهرباء العراقية ولتهدئة الفصائل الولائية. ورغم ان العراق سدد 400 مليون دولار هذا العام عن قيمة الغاز الإيراني، إلا ان إيران، التي تعاني من ضائقة اقتصادية، استثمرت التوتر الأمني بين الفصائل والحكومة من أجل المزيد من الابتزاز، ليس من أجل إطلاق العراق كافة الديون البالغة نحو مليارين و 600 مليون دولار فحسب، بل ومطالبة العراق بمضاعفة المبلغ ليصل إلى 6 مليارات دولار بحجة الغرامات على تأخير تسديد الديوان، رغم ان سبب تأخير حكومة بغداد، تسديدها هو الخوف من شمولها بالعقوبات الأمريكية على إيران. وقد جاءت تصريحات وزير الطاقة الإيراني، عقب المفاوضات مع بغداد، بأن بلاده تدعم حكومة الكاظمي في مواجهة (السلاح المنفلت) وتأكيده أن العراق سيقوم بدفع تكاليف شراء طهران لقاح فيروس كورونا وسلعا أخرى، عبر ديون العراق لإيران، إضافة إلى حصول إيران على قسط جديد من الديون. وهو ما أكد الشكوك بان تصعيد الموقف الأمني واستفزاز الفصائل الولائية للحكومة العراقية الآن، هو جزء من خطة طهران لإجبار حكومة بغداد على تسديد الديون الإيرانية إضافة إلى الأهداف السياسية الأخرى ومنها تهديد الولايات المتحدة.

ولم تكن بعيدة عن ذلك، زيارتان خلال شهر واحد قام بهما قائد الحرس الإيراني الجنرال اسماعيل قاآني إلى بغداد، واجتماعه مع قادة الميليشيات، لبحث الاستعداد لشن هجمات على مصالح أمريكية في العراق في حال تم استهداف إيران من قبل الولايات المتحدة، في رسالة مزدوجة لبغداد وواشنطن، بأن أمن العراق في يد إيران، وانها الوحيدة القادرة على ضبط الميليشيات وتحركاتها.

وانسجاما مع سياسة القوى الشيعية باستغلال المناسبات الدينية والسياسية، في ممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة وفرض الهيمنة على المشهد العراقي وترهيب المعارضين، فإن ذكرى اغتيال قاسم سليماني ومعاونيه، تعد فرصة ذهبية لتحقيق هذا الهدف، لذا حشدت القوى الشيعية والفصائل المسلحة عناصرها، لتظاهرة كبيرة في ساحة التحرير وسط بغداد بهذه المناسبة، وأقامت نصبا تذكاريا في موقع اغتيال سليماني، ونشرت مئات الصور له في شوارع بغداد والمحافظات، ونظمت جلسة تأبينية له في البرلمان، كما شنت القيادات الشيعية، حملة اتهامات على حكومة الكاظمي، بالتهاون في إعلان نتائج التحقيق بملف اغتيال سليماني ومعاونيه، ورفضها تدويل القضية، بالتزامن مع مغادرة بعض قادة الحشد الشعبي إلى طهران للمشاركة في حفل تأبيني فيها، إضافة إلى تشديد المطالبات بالإخراج الكامل للقوات الأمريكية من العراق.

وكالة “آنا” الإيرانية، ساهمت في تحريض الفصائل العراقية، عندما ذكرت إن “تحركات عسكرية مهمة” ستتم في العراق، تزامنا مع ذكرى اغتيال سليماني وأبو مهدي المهندس، مدعية أن “إيران ربما لن تقدم على أي إجراء في الذكرى، لكن العراقيين مصرون على القيام بتحرك ما ضد القوات الأمريكية!”.

وعموما فإن مظاهر التوتر الأمني بين القوات الحكومة والفصائل الولائية، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، مادامت حكومة الكاظمي، الغارقة بالأزمات، عاجزة عن اتخاذ قرار مواجهة تغول الفصائل التي أصبح واضحا انها مجرد أداة لتنفيذ أجندات محلية وخارجية، وهو ما عزز قناعة العراقيين بضعف موقف حكومة بغداد وفشلها، ليس في ردع السلاح المنفلت فحسب ، بل وفي إدارة البلاد والاقتصاد والانتخابات المقبلة ومواجهة الفساد وغيرها من الملفات الحساسة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية