■ شرب القهوة الأخيرة أوأكمل، كما قال البعض كأسه الأخيرة قبل أن يشرع في التنفيذ. رعب النهاية الحزينة نقلته صحف الصباح المحلية باختلاف الروايات بين النادل والمحققين. لكن التفاصيل لم تعد تعني الآن أحدا من الأحياء، بعد أن غادر الشاب الذي أكمل بالكاد عامه الخامس والعشرين إلى عالم الموتى، وصار رقما جديدا في السجل الواسع والمفتوح للمنتحرين في شارع الحبيب بورقيبة بقلب العاصمة تونس. قد يكون هو من اختار عن سابق قصد طريقة موته ومكانها، أو على العكس من ذلك فقد يكون قراره النهائي من وحي اللحظة، بعد أن جلس طويلا في المقهى العلوي وألقى نظرة على العابرين من تحته في الشارع، فوجد أن افضل الطرق الآمنة والسريعة للانتحار هي أن يحاول عبر نافذة الطابق العاشر للفندق وفي غفلة من الناس خرق الحقيقة الفيزيائية المعروفة لقوانين الجاذبية. هل دار بخلده في الأثناء ولو للحظات بأن يوم موته هو اليوم نفسه الذي تعلن فيه الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية؟ وهل تراه شارك أصلا في تلك الانتخابات وأدلى بصوته، أم كان واحدا من السبعين بالمئة من الشباب الذين قرروا مقاطعتها لأسباب مجهولة للبعض ومعلومة للبعض الآخر، كما تقول الأرقام والإحصائيات؟
لن يكون للجواب كذلك من معنى فلا يبدو أن أحدا في تونس ما يزال منشغلا بأمر الشاب، وأمر مئات سبقوه وآخرين لا تعرف أعدادهم بعد، قد تضعهم الأقدار يوما على قائمة المرشحين لخوض التجربة القاتلة. فما يشغل رجال السياسة ونساءها والإعلام أيضا ويستحوذ على اهتمامهم الآن هو قبل كل شيء قراءة الطالع والبحث عن ملامح الرئيس الأوفر حظا من بين مرشحين اثنين يخوضان جولة الإعادة للوصول آخر هذا العام إلى قصر قرطاج، أما عدا ذلك فلا شيء يستدعي الاستعجال أو تحريك مياه ركدت منذ زمن طويل.
من يعرف الفندق يدرك قصر المسافة التي تفصله عن المسرح البلدي، وربما ما يزال البعض يذكر أنه في مدخل ذلك المسرح الذي بناه المستعمر الفرنسي قبل أكثر من مئة عام، أحرق عشريني آخر نفسه في مارس/ آذار من العام الماضي أمام العابرين، في سابقة أولى يصعب أن تمحى من ذاكرة الحاضرين. اشتعل جسد الشاب لكن العقول والضمائر ظلت على سكونها، رغم الصدمة والصخب الذي رافق الإعلان عن حكومة جديدة كانت تستعد في اليوم نفسه لأداء اليمين أمام رئيس الدولة.
لم يجد الرئيس في ذلك الوقت وهو يستقبل أعضاء الحكومة الجديدة مناصا من الحديث عن فاجعة الصباح، فقال في كلمة خرجت عن عبارات الترحيب الرسمية، «إن احتفالنا اليوم بمراسم تعيين الحكومة الجديدة لا ينسينا فجيعتنا في فقدان أحد أبنائنا الأبرار هذا الفجر، بالكيفية المؤلمة المرعبة نفسها، التي توفي بها شهيد ثورتنا ـ أي البوعزيزي ـ وربما للأسباب نفسها نتيجة فقدانه الأمل وانسداد الأفق في عينيه كغيره من شبابنا الذين لا يرون من بصيص لحل مشاكلهم ومعاناتهم». قبل أن يضيف أن «هذا الانتحار الأخير هو صيحة غضب وصيحة استغاثة وصيحة للتسريع في التعاطي مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية… كي يدرك الشباب والشعب أننا لا نراوح مكاننا ولا ندور في حلقة مفرغة، وانما بدأنا نمشي بخطى ثابتة على طريق يفتح باب الأمل الذي طال غلقه».
لكن بؤس الشباب وقنوطه الرهيب وفورات يأسه التي قادت وتقود إلى المحارق والمهالك، ليست فقط عملا ذاتيا وطوعيا معزولا ووليد اللحظات الطائشة والمجنونة، بل صناعة مركبة شديدة التعقيد تختلط فيها مصالح المال بمصالح السياسة، وطموحات الداخل بمطامع الخارج. الخدعة الإعلامية التي ظلت تلك الصناعة تروج لها على امتداد الأعوام، هي أن الثورة التونسية قام بها الشباب وحدهم بلا قائد أو مرشد أو موجه. والغاية من وراء العملية كانت واضحة ومعلومة، وهي عكس ما قد يبدو في الظاهر من تضخيم لدور الشباب، عزل تلك الفئات الأوسع امتدادا والأشد تأثيرا على المستقبل وتحييدها عن المشاركة الفعلية في الحياة السياسية وإدارة الشأن العام، وليس مهما بعد ذلك الانزعاج الموهوم والمصطنع من عزوفها وابتعادها عن ساحة يحتكرها غيرهم، ويعدها ملكية حصرية له وحده. التناقض الصارخ والمحرج في الآن معا هو في انسحاب الشباب الذي قاد ثورة بلا رأس ولا فكر أو عقل ثم غادرها بذلك الشكل المفاجئ والسريع والغامض. وما أثبته الواقع بالمقابل هو أن مجرد الانفعال أو الشعور بالضيم ليس شرطا كافيا ووحيدا لقيام الثورة، ولكنه ضروري ومطلوب فقط لانطلاقها. هذا ما حصل في تونس منذ أربع سنوات عندما تحول احتراق البوعزيزي إلى شرارة أولى سرعان ما خمدت في ما بعد، لأن النار التي اكتوى بها في سوق سيدي بوزيد توقفت تماما بمجرد أن شعر الصناع المحليون والدوليون «للثورة» بأنها قد تخرج عن حدود النص المكتوب وقد يسبب ارتجالها حرجا بالغا لهم. هنا انتقل الجميع إلى مشهد آخر لم تعد فيه مطالب الكرامة الوطنية أو دعوات «خبز وماء وبن علي لا» سوى اوهام من الماضي زال مفعولها وانتهت صلاحيتها الزمنية، ولم تعد لها من قيمة أو جدوى على الأرض لتتحول المطالب على الفور إلى «الخبز والماء» بدون بن علي وفي غيابه أو حتى بوجوده وفي حضوره مجددا. لم يعد الفرق مهما أو ذا معنى، ولم تعد هناك حدود تفصل الاستبداد عن الحرية، بل صارت أيام الرغيف المر والمهين زمن بن علي أفضل من أيام الكرامة والعزة بلا رغيف بعد هروبه. وحتى تكتمل آخر فصول المشهد استفاق أنصار الديكتاتور من سبات شتوي قصير لم يدم سوى شهور قليلة ليظهر وزيره الأول السابق في اجتماع نقله الإعلام، ويقول لأعضاء الحزب الذي خرب البلاد ونهبها طوال ستين عاما «ارفعوا رؤوسكم ليس لديكم ما تخجلون منه».
في الاثناء قلب سفير سابق للنظام معادلة الجاني والضحية وظهر على شاشة فضائية خاصة يطالب الشعب التونسي بالاعتذار منه بدلا من اعتذاره المفترض للشعب عن خدمته في تلميع صورة الاستبداد في الخارج. بدأ اللصوص الهاربون في العودة والسجناء الذين قتلوا ونهبوا في الخروج من سجون، أو إقامات الخمسة نجوم، التي وفرتها لهم الدولة، وحتى الإعلاميون الذين أشادوا ورحبوا في السابق شرعوا على الفور في نفض غبار الثورة والحديث عن مصالحة وطنية بلا محاسبة أو وجع دماغ، عدالة انتقالية أعلن الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية عن نيته نقلها قريبا إلى مكان آمن وأمين تحت التراب. عائلة المخلوع والدوائر القريبة منها التي هرّبت ثروات خيالية إلى الخارج رجعت أيضا لتستثمر في الديمقراطية وبعض المرشحين لانتخابات الرئاسة، كانوا شبابا صعدوا ايام الاستبداد إلى مصاف رجال الأعمال بعد تقديمهم تسهيلات في النهب. الصدمة الحقيقية هي أن الجميع تحدث ويتحدث الآن في تونس عن خطر الانقسام السياسي الذي صنعته نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية بين الشمال والجنوب، وبين الثوار والمستبدين، لكن لا أحد يتحدث عن الانقسام الحقيقي الحاد بين الشباب الذي صنع الثروة المشبوهة في ظل الاستبداد والشباب، الذي أطلق الثورة المغدورة باسم الحرية، ولم ينل بركاتها وآمالها رغم كل الوعود والأمنيات. شباب الثروة المشبوهة قد يكونون من بين كثيرين أسعدهم الحظ مساء السبت الماضي بالمرور فوق السجاد الأحمر الذي فرشه المشرفون أمام المسرح البلدي لنجوم أيام قرطاج السينمائية، أما شباب الثورة المغدورة فقد يكونون أيضا من بين كثيرين ماتوا كمدا وحسرة واحتراقا غير بعيد عن المسرح، وآخرهم ذلك المنسي الذي ألقى بنفسه من فندق لا يبعد سوى امتار قليلة عن مكان السجاد الاحمر… سجاد النجوم.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية