في خضم القراءات المختلفة لمنظر الوجودية الإسلامية علي شريعتي، المتفقة على تكدس أفكاره وعدِّها بالمتخلفة عن روح العصر، لاسيما بعد صعود نجم الراديكاليات الدينية في المنطقة، تطرأ على سطح الجدليات المعاصرة، قراءة مغايرة لمعلم الأجيال الإيراني، إذ تعده هذه القراءة، القدم الضاربة في ميادين التنوير الإسلامي عامة والشيعي خاصة، لا شأن له بالتنظيرات الراديكالية للإسلام، قراءةٌ نقلتْ لنا أفكاره من معينِ لغتهِ الفارسية الأم، وإسباغها برويّةٍ عالية على المزاج العربي بلغةِ الضاد الواضحة.
وهذا يكمنُ جلياً في كتابـيّ شريعتي «الصحراء» (كتاب فاز مؤخراً بجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي) و«ثالوث العرفان والمساواة والحرية» اللذين حملا بصمة المترجم الفارسي حسن الصراف. كتابان حظيا بتمايزٍ واضحٍ عن بقية كُتب ونتاجات شريعتي، لكون معظم إصدارته الماضية خلت من المنهجية الواضحة، وعمدت إلى ترجمة محاضرات المفكر الإيراني بدون تركيبٍ لغويٍّ صحيح، أو ترتيبٍ فكريِّ يتساوق وما يرنو إليه الكاتب، ناهيك من الإصدار والتقديم الخجول لمعظم تلك النتاجات، وذلك يُعزى إلى تلقي بعض المترجمين لمنهج شريعتي عبر التسجيلات الرثة، بدون الولوج إلى بيئتهِ ومواطن معارفه، الأمر الذي اختلف كلياً في كتابيهِ الأخيرين، اللذين سعى الصراف إلى تصديرهما بعينٍ فاحصة، تواكب الحداثةِ والتجديد. كاشفةً لنا عن اختمار أفكار المؤلف في لغة المترجم الطيّعة.
لخص المترجم الفارسي منهج المفكر الإيراني إلى ثلاثةِ أنواع ومستويات فكرية، فضلاً عن الجهات المخاطبة في تلك المنهجية، حيث يقسم مؤلفات شريعتي إلى الاجتماعيات الكامنة في نتاجاتهِ في علم الاجتماع الديني، والإسلاميات وهي أفكاره الناقدة للموروث الإسلامي، إلى جانب الصحراويات، وهي مذكراته الشخصية وتأملاتهِ الفلسفية والعرفانية، والأخيرة تمثل انفرادة حسن الصراف بخصوصية شريعتي على بقية المترجمين له.
أما في كتاب «ثالوث العرفان والمساواة والحرية» وهو الكتاب الذي يجابه به شريعتي، ثالوثاً آخر وهو ثالوث (المال والسلطة والخداع) إذ مثل الثالوث الأخير، كما يصفهُ الصراف في مقدمة الكتاب، أحد أهم المحاور في هموم شريعتي وآلامهِ وقلقه، وتضمن الكتاب تصوراً واسعاً عن الدين والعرفان، ويقدمُ مقاربةً لافتةً للنظرية الاشتراكية والنظرية الوجودية، مستخلصاً المشتركات الفكرية المتجذرة في هاتين المدرستين، ويحتوي الكتاب وهو من القطع المتوسط، وصادر عن دار الرافدين في لبنان، على ملحقٍ أردفهُ المترجم كردٍ على بحثٍ سابقٍ لعبدالجبار الرفاعي (مفكر إسلامي) الذي أكد انتهاء صلاحية مشروع شريعتي الأيديولوجي.
وفي نهاية هذا الثالوث حاول الصراف تصدير قابليات شريعتي السردية في مجال أدب الطفولة، من خلال ترجمةِ نصٍّ قصصيٍّ كان بمثابة تمرين للبدء بمخاطبة الأطفال بالقضايا الفكرية والمصيرية، وقد ضمن في نصهِ البسيط قراءة مميزة ولافتة عن التوحيد.
إذن علي شريعتي بنتاجٍ جديد للقرّاء العرب، عبر ترجمةٍ فاهمةٍ لروحيتهِ وفلسفتهِ في الميدان الفكري العام، فضلاً عن دعمِ أسرتهِ لجهود المترجم الشاب بكل ما يحتاجه من إسنادٍ وثائقي ومعرفي، خدمةً للذهنية العربية ولمشروعِ والدهم الشهيد.
كاتب عراقي