ليس ردا علي د. عبد الوهاب الأفندي.. إنما وقفة مع النفس: دمار النوبة مهمة من مهام منظومة الدمار الشامل لكل مصر!!
محمد عبدالحكم ديابليس ردا علي د. عبد الوهاب الأفندي.. إنما وقفة مع النفس: دمار النوبة مهمة من مهام منظومة الدمار الشامل لكل مصر!!الكاتب المتميز د. عبد الوهاب الأفندي عهدناه مدققا وعميقا فيما يكتب ويطرح، هذا بجانب صفات أخري عديدة فيه.. تتعلق بانفتاحه ومرونته في تناول قضايا ومسائل شائكة وحساسة. وأري أن مقاله المنشور في القدس العربي يوم الثلاثاء الماضي غلبت عليه السرعة في موضوع يحتاج التأني والتمحيص، فعنوان المقال عن كارثة تدمير الوطن النوبي: دروس وتأملات أعطي الانطباع وكأن الوطن النوبي شيء منفصل عن الوطن المصري الجامع. وقد يكون السبب هو محاولته إنصاف الأديب المصري، وهو من عرفه الأفندي بـ النوبي الأصل ، حجاج حسن أدول، في وجه حملة يتعرض لها من قبل مثقفين وسياسيين وطنيين، لمشاركته في مؤتمر طائفي عقده عدد من أقباط المهجر في واشنطن مؤخرا، وانتقاد أدول لم يكن بسبب نوبيته ولم يُنتقد غيره، في السابق، لصعيديته أو منوفيته.. نال ما نال علي سالم وسعد الدين إبراهيم وغيرهما. لأسباب يعرفها القاصي والداني.ونحن جميعا، وليس الأفندي وحده، نقع في أخطاء عند تناولنا لمكوناتنا الوطنية والثقافية والقبلية، ونبدو مختلفين عن غيرنا من الشعوب والأمم. ولأضرب علي ذلك مثلا بالمكونات الوطنية البريطانية، الموزعة علي أربع جماعات قومية: الإنكليز والاسكتلنديين والإيرلنديين والويلزيين، لا تجد في الثقافة البريطانية وصفا لأي من هذه المكونات الأربعة بالأقلية. ووصف الأقليات يقتصر علي ذوي الأصول الأسيوية أو الإفريقية أو الأفروكاريبية وهكذا. ومنذ انغماس كثير من مثقفينا فيما أسميه ثقافة الفتنة ، بوعي أو بدونه، نجد أن منهم من ينظر إلي المكونات الثقافية والقبلية والمذهبية في الوطن العربي، باعتبارها أقليات بغض النظر عن تجذرها وتاريخها، ومدي استقرارها واندماجها في المجتمع.والمثل العراقي يسعفنا في تأكيد ما نصبو إليه، فبدخول قوات الاحتلال سادت هذه الثقافة بين القادة والمسؤولين، وأصبحت أيديولوجية من وفدوا مع الاحتلال.. نظروا لمكونات الشعب العراقي كأقليات، فنجد أن الكتلة الرئيسية للمكون الوطني العراقي من العرب انشطرت إلي أقليتين رئيسيتين: سنة في الوسط والشمال، وشيعة في الجنوب، مع أقليات أشورية وصابئة في بغداد والجنوب والشمال. ولو أن الأمر اقتصر علي الأكراد والتركمان لكان مقبولا.. أقول هذا لأؤكد أن الوطن المصري، بمكوناته الأساسية منذ توحيد الملك مينا للوجهين، القبلي والبحري، لا يعرف الأقليات، وتظهر النعرات المناطقية والقبلية والمذهبية وتسود كلما ظهر النفوذ الغربي وانتشر، وبتأثير ليبراليته (التقليدية والجديدة)، وتفضيلها التعامل مع مكونات المجتمع العربي علي أساس الفسيفساء، التي لا انسجام بينها ولا ترابط، بل تنافر في الألوان، وتناقض في المقاصد، وتصادم في الأهداف.وبالنسبة لمنطقة النوبة، في أقصي جنوب مصر، ولدي بعض الخبرة بشؤونها، من عملي بالقرب منها وفي قلبها، في بداية حياتي العملية بعد تخرجي من الجامعة، حيث تنقلت ما بين أسوان وكوم امبو ودراو، في الفترة ما بين 1963 و1965، وهي الفترة التي يشير فيها الأفندي إلي الظلم الذي وقع علي سكان هذه المنطقة، ويري أنهم لم يحتجوا علي ما حدث لهم لأنهم انطلقوا من حس وطني قبل بالتضحية من أجل المصلحة الوطنية العليا وهذا توصيف صحيح، لكن الصحيح أيضا أن غياب الاحتجاج كان بسبب شيوع نوع من الرضا العام في ذلك الزمان.. فقد كان زمن الأحلام الكبيرة، والإنجازات العملاقة، والعزائم القوية. ومنها السد العالي، الذي ضحي النوبيون من أجله.عشت في هذه المنطقة التي أطلق عليها الأفندي وادي جهنم ، وجهنم، ذلك الوقت، لم تكن قاصرة علي هذا الوادي، كانت تشمل أسوان نفسها، ومواقع العمل في السد العالي، قبل ظهور بحيرة ناصر العملاقة، وما أحدثت من تغييرات مناخية خففت، فيما بعد، من وطأة هذه الجهنم .. وكانت مرتعا للثعابين والحيات والعقارب. وأذكر أن اليوم الأول لنا في دراو أصابنا الرعب، بعد أن لدغ عقرب زميلي في العمل والسكن، وكان من محافظة الشرقية، وأصبح أديبا مرموقا، فارتفاع الحرارة، غير الطبيعي، دفع عقرب للبحث عن مكان أقل سخونة يحتمي به، ولم يجد إلا حذاء الزميل، وفور أن أدخل المسكين قدمه فيه كانت اللدغة التي استدعت الاستعانة بخبراء في الوصفات الطبية الشعبية، وتم إنقاذه وشفي تماما. وأذكر أثناء إقامتي في أسوان، وقبل نقلي إلي كوم امبو، كنا نبلل مراتب الأسِرّة التي ننام عليها للتخفيف من وطأة الحر، وأزعم أنه كان أشد وطأة من هجير مكة مما قرأنا عنه في كتب السيرة.والسؤال هو لماذا تحملنا وتحمل الناس كل هذا العناء دون شكوي؟، وعند مراجعة النفس نجد أن كلا منا كان مندمجا ومجسدا لمتطلبات النهضة العامة، ولم يكن زملاؤنا النوبيون استثناء.. فمن انتقل إلي مناطق التهجير كان موقنا أنها ضريبة واجبة. وأن المناطق التي انتقل إليها كانت جزءا من البيئة العامة، وأختيرت نتيجة دراسات عن المناطق الأكثر ملاءمة لنقل القري، فالسلطات حرصت، في ذلك الوقت، علي تلبية مطالب النوبيين في نقل القري كاملة، أي نقل المجتمع بما فيه من بشر وحيوان وجماد. وحملت القري نفس أسمائها في الموطن الأصلي، وقامت منازلها علي نفس التصميم، حفاظا واستمرارا لتماسك ووحدة المجتمع النوبي، وهذا يحسب للمسؤولين وليس عليهم. لم يكن الإخوة النوبيون منفصلين عن الحراك النهضوي.. المجتمع بأسره والوطن بمكوناته يتغير، من أقصاه إلي أقصاه. الوطن كان ورشة كبيرة كل من فيها يعمل ويكدح ويضحي. ومثلهم مثل كثيرين انتقلوا إلي مواقع العمل الجديدة، المحيطة بهم أولا، في قري ومستعمرات السد.. في قري السيل و الشيخ هارون وغيرهما، أو في المستعمرات الأخري. وكانت مستعمرة شركة كيما ، نموذجا بهرني، عندما دخلته لأول مرة.. لرقيه ومستواه ونظافته وتنظيمه.. شوارع فسيحة، وحدائق واسعة، وسكن راق مكيف للعاملين، بكافة درجاتهم، من العامل حتي كبار الخبراء والمهندسين والإداريين، اندمج النوبيون في هذا الحراك، كباقي أبناء المناطق الأخري والوافدين من باقي محافظات مصر.. حياة كانت واعدة، وصارت أثرا بعد عين، دخلها جراد بشري، سرق الكحل من العيون كما يقول المثل الدارج. المصريون، بكل مكوناتهم، عاشوا واقعا جعلهم يقبلون بالتضحية، فالبلد عادت ملكا لهم، والمستقبل كان واعدا أمامهم.لم تكن مشاكل المصريين قبلية ولا مذهبية ولا مناطقية، وما زالت ترن في أذني وتلمع في عيني الأنغام والأغاني والرقصات النوبية، واظبت علي حضورها، اسبوعيا، علي مسرح مركز الثقافة الجماهيرية بأسوان. و وادي جهنم ، كان يراد له أن يصبح فردوسا، في عصر اقتحام الصحراء، وتهذيب قسوتها وشدتها، وخلق مجتمعات جديدة عليها، في مديرية التحرير والوادي الجديد، وجاء الدور علي وادي كوم امبو ومناطق النوبة الجديدة. وإذا ما تصحرت النفوس والأفكار، وتحجرت المشاعر والأحاسيس، يعم السعار، ويتوقف العمل من أجل الناس. وتتعطل ساعة التقدم وتعود إلي الوراء، ولا يستثني من هذا إلا مستوطنات اللصوص وأثرياء الخصخصة والانفتاح ومتعهدو الخراب النفسي والروحي والمادي، وتجار الموت، في شرم الشيخ ومارينا وقلاع وقصور المترفين، هذه فقط هي محل الاهتمام. أما الملايين التي تعيش في المقابر والـ45% من سكان المدن الذين يعيشون في العشوائيات، يتركون للبطالة والضنك والمرض والموت. وسأحكي كواحد، كما يقولون بحراوي.. عائلتي وأصولي من محافظة البحيرة، فإن ما حل بهذه المحافظة قد لا يصدق.. كانت أول محافظة وقع عليها اختيار الثورة لاقتحام الصحراء، حيث مساحتها الصحراوية أكبر من مساحتها المزروعة، وفي جنوبها الغربي بدأ مشروع مديرية التحرير .. بقراه النموذجية. اخضرت صحراء البحيرة وأثمرت مديرية التحرير ، وعلي الفور منحها أنور السادات لأبناء محافظته، وبدلا من تحويلها إلي محافظة جديدة، تخفف من وطأة الزيادة المطردة للسكان في محافظات وسط الدلتا المزدحمة، سن السادات سنة شريرة.. مكنت محافظة مصرية من غزو محافظة أخري بقرار منه، ودق بذلك إسفينا، وخلق حساسية بين أبناء المحافظتين. وكان من المفترض أن يأتي حسني مبارك مصححا إلا أنه زاد من تعقيد الوضع، وأطلق الجراد البشري حتي انتهي به الأمر إلي تسليم هذا المنطقة بالكامل لأحمد عز.. شريك الرئيس الموازي ، جمال مبارك، في المال والأعمال والسياسة.هكذا تدار مصر، بعد أن تحولت إلي إقطاعية خاصة، وما تم تجاه هذا الجزء المغتصب من محافظة البحيرة يكشف إلي أي مدي وصلت ثقافة الفتنة .. وعندما اعتصم أهل قرية البريجات ، مسقط رأسي، وأضربوا عن الطعام رفضا لهذا التصرف الجاهلي، وضعتهم السلطات تحت طائلة العقاب الجماعي.. انحسرت عنهم الخدمات وفرض عليهم الحصار من الجهات الأربع. وبقيت وحدها تابعة لمحافظة البحيرة وسط حصار منوفي كامل!!.. هل هذا يعطيني أو يمنح غيري حق التحدث عن كارثة تدمير الوطن البحراوي مثلا؟.. والسبب بسيط هو أن الأغلبية الكاسحة من المصريين يعتبرون الدمار العام موجه للجميع، بما فيهم أهل المنوفية، الذين أساء لهم تصرف السادات كثيرا، فليس فيهم من استهجن هذا التصرف المعيب. وأضافت عائلة مبارك ومواليه، ما هو أكثر من الإساءة.. بسبب ما تخصصوا فيه.. من خطف اللقمة من أفواه أصحابها، واغتصب الأرض من يد زارعيها، وسرقة الأحلام من رأس مبدعيها. وساووا بظلمهم بين الجميع، بحاروة وصعايدة ونوبيين.. مسلمين وأقباطا، فقلما نجا أحد من فسادهم وبطشهم، والمهمة الكبري، المطلوبة من الجميع، هي استعادة مصر، المختطفة، من يد هؤلاء.والمثل الذي ضربه الكاتب بأهل منطقة قناة السويس الذين أعيدوا بعد تهجيرهم. أرجوه أن يتابع أخبارهم، ويطلع علي معاناتهم، باستثناء مدينة الاسماعيلية، أحد منتجعات السادات، وصفيه عثمان أحمد عثمان، المفضلة.. مصانع السويس صفيت وأهلها يئنون من وطأة البطالة والفقر، وسكان بور سعيد تحت حصار ظالم، منذ سنوات، فالمدينة، التي عرفت بستالينغراد العرب، لاستبسالها في مقاومة العدوان الثلاثي، سنة 1956، تتعرض لعقاب جماعي غاشم، لأن واحدا من أهلها، وصفته أجهزة الأمن، في وقتها، بأنه مختل عقليا، اعتدي علي حسني مبارك، وكان العقاب هو إلغاء المنطقة الحرة، وتجفيف منابع وموارد العمل والرزق، صورة بربرية لا تنافسها إلا الصورة الأمريكية في غوانتنامو وأبو غريب، وهي صورة لم تعشها مصر منذ أيام المماليك. ومعني هذا أن الكارثة ليست تدمير الوطن النوبي .. بل هي تدمير مصر. وإذا لم نر الأمور بهذا الشكل، فعلينا جميعا السلام.. 9