إفتتح بنيامين نتنياهو أمس الحملة الانتخابية باستعراض شعاره «أكلوا وشربوا عندي». وقد تحدث بتفصيل زائد أمام العدسات في مكتبه عن الاحداث التي مرت عليه كقائد يقف على رأس حكومة غير لطيفة، مع وزراء وقحين قاموا باهانته وحرضوا ضده. وتحدث كيف أنهم فرضوا عليه المصادقة على ضريبة قيمة مضافة صفر، وكيف أجبروه على الموافقة على فرض عقوبات جنائية على طلاب المعاهد الدينية الذين لا يتجندون، وكيف تلفظوا ضده مرة تلو الاخرى.
طول الوقت قاموا بلي ذراعه. ونحن ببساطتنا اعتقدنا أنه قوي، قوي، قوي. وتبين لنا أمس أن رئيس حكومتنا مُهان ومضروب. كان وصف نتنياهو متكدرا جدا،ً إلى أن خطر بالبال أن نقوم بملاطفته على رأسه ومواساته على الآلام والاحداث المريرة التي مرت عليه. مسيرة انتهت باقالة متوقعة لرئيس يوجد مستقبل، وزير المالية يئير لبيد، ورئيسة الحركة، وزيرة العدل تسيبي لفني.
ولكونه السياسي الأكثر قدرة في المحيط، فقد قام نتنياهو بمناورتين سياسيتين قياديتين في الايام الاخيرة، وعمليا بادر وفرض تسلسل الاحداث. الاولى كانت في يوم الاثنين ليلا من خلال الخازوق الذي تسبب به ليئير لبيد عند لقائهما. والثانية كانت أمس بعد الظهر عندما أرسلً إلى شركائه الاثنين اللذين تحولاً إلى أعداء، كتب الاقالة. وليس واضحا لماذا لم يستقل لبيد ولفني أمس صباحا. كان على لبيد أن يستقيل لأنه أُهين جدا أول أمس ليلا.
سبب محتمل يتعلق بلفني: التقت وزيرة العدل أمس ظهرا نتنياهو في مكتبه. جلسا ساعة وتحدثا عن الوضع. وقد كان منكسرا. حدثها كيف عض على شفتيه عندما لم يقم باقالتها بعد لقائها مع أبو مازن في الصيف الماضي بدون إذنه.
قالت له: قمت بالعمل القذر من اجلك عندما منعت قوانين قومية وعنصرية كان من شأنها أن تعطينا سمعة سيئة في العالم. وقد افترقا بطريقة معقولة، وبعد الظهر وصلتً إلى منزل رئيس الدولة في القدس للقاء يتعلق بالاتجار بالنساء. نتنياهو ايضا حضر اللقاء، وقد جلساً إلى جانب بعضهما البعض 45 دقيقة، وفي نهاية الحدث افترقا بسلام ودخلً إلى سيارته واتصل بها بعد ثلاث دقائق وأبلغها أنها مُقالة.
ضحكت لفني: «أنت جبان»، قالت له «لا تستطيع النظر في عيني وإقالتي». وأوضح لها أن سبب الاقالة هو الخطاب المعارض الذي ألقته أمس صباحا. فردت عليه: «لم تقم باقالة نفتالي بينيت عندما اتهمك باضاعة المباديء».
وللحقيقة، من الصعب اتهام نتنياهو كونه قرر وضع حد لهذه المهزلة التي هي حكومته الثالثة. فهو لم يُخف أبدا أن هذه ليست الحكومة التي يريدها لنفسه، بل هي فرضت عليه، يا للمسكين، بعد الانتخابات الاخيرة وكانت عالقة في حلقه ولم يستطع بلعها أو لفظها بالضبط كما كان في حلق لبيد ولفني. لقد تحرروا الآن الواحد من الآخر.
بدأت الحملة الانتخابية بأفضلية تكتيكية لنتنياهو. فهو الذي هاجم أولا، وهم الذين دافعوا عن أنفسهم، ولكن أمس ظهرت مؤشرات تبشر بالسوء له: استطلاعات سريعة نشرت في القنوات العاشرة والثانية أظهرت أن نسبة كبيرة من الجمهور تعتبره المسؤول عن حل الحكومة، وفي المقابل يعتقد معظم الجمهور أن تبكير موعد الانتخابات أمر لا داعي اليه، وهذا الامر سيلازمه في الفترة القريبة. الناس لا يفهمون لماذا على اسرائيل الذهابً إلى الانتخابات بعد سنتين من الانتخابات السابقة في ظل وجود مشكلات كثيرة عالقة.
لقد رسم أمس مباديء حملته الانتخابية: من يريد حكومة مستقرة وتعمل وقوية عليه أن يصوت لليكود برئاسته. يفهم نتنياهو، مثل باقي اللاعبين، أن الحملة الانتخابية ستكون حول السؤال: هل يجب أن يستمر بيبي لفترة رئاسية رابعة. ألم يحن الوقت بعد تسع سنوات كرئيس حكومة ومنها ست سنوات متواصلة، بأن يتفضل ويذهبً إلى البيت. في الاشهر القادمة سيكون هناك استفتاء عام وشخصي حوله. الجميع سيكونون ضده. الجميع سيطلقون عليه النار من جميع الاتجاهات، من اليمين ومن الوسط وبالطبع من اليسار.
لديه مشكلة صعبة. فهو لا يوجد له علم في هذه الانتخابات. إيران ستصبح عما قريب دولة نووية. حماس لم تُهزم ولم تختفي. الاقتصاد، كما قال أمس، سيء «بسبب لبيد». العمليات عادت وفي القدس ايضا، عاصمتنا الموحدة. الدول الاوروبية تحاربنا الواحدة بعد الاخرى. العلاقات برئيس الولايات في الدرك الأسفل، وعملية السلام هي نكتة محزنة، حتى لو لم يكن هو المسؤول الوحيد عن ذلك.
وبالنظرً إلى هذا الوضع، فان ما كان يوجد لنتنياهو لتقديمه أمس هو ذكريات من حكومته السابقة المليئة بالانجازات. ولا يجب أن ننكر أن فيها اشخاصا مميزين، مجربين وذوي فائدة: اهود باراك، دان مريدور، بني بيغن، ميخائيل ايتان، جدعون ساعر وموشيه كحلون. وباستثناء الاخير الذي يخطط للعودة على رأس حزب مستقل، فلا أحد من هؤلاء الجنتلمانات سيكون في الحكومة القادمة، واذا قام نتنياهو بتشكيلها، للاسباب المعروفة، فسيكون فيها وفي أساسها رجال البيت اليهودي والحريديين.
على ذكر الحريديين، اليكم ملاحظة صغيرة تروي القصة كاملة: في يوم الاثنين ظهرا، في الوقت الذي كانت فيه الساحة السياسية بانتظار لقاء نتنياهو – لبيد في المساء، تحدث عضو من الكنيست مع شخص حريدي له تأثير كبير في يهدوت هتوراة، وكان لديه توقع: سيقول بيبي ليئير، تعال نجمد قانون ضريبة قيمة مضافة صفر والاموال التي سنوفرها، نحو 3 مليارات شيكل، سنستغلها لاهداف فعالة أكثر مثل تقليص ضريبة القيمة المضافة على المنتوجات الغذائية الاساسية.
وبعد ذلك ببضع ساعات ظهرت هذه الجُمل حرفيا في التصريح الهجومي لوسائل الاعلام الذي أرسله مكتب نتنياهو بعد انتهاء اللقاء بدقيقة واحدة. أي: التنسيق بين الحريديين ونتنياهو يشبه التعاون الأمني بين اسرائيل والولايات المتحدة. وقد علموا مسبقا كيف ستنتهي الازمة الائتلافية، وبأنهم سيكونون جزءً من الائتلاف القادم.
تصرف يئير لبيد مثل الهواة ولم يتصرف حسب التسريبات والمؤشرات التي كانت تقول إن نتنياهو لن يؤيد قانون ضريبة قيمة مضافة صفر، وسار بعيون مفتوحة لكن مثل جندي جديدً إلى الشرك الذي نصبه له نتنياهو من اجل توجيه الاهانة له قبل ترك الوزارة.
ألم يأخذ في الحسبان أن اللقاء سيذهب في هذا المنحى؟ مقربو وزير المالية قالوا إنه فهمً إلى أين تتجه الامور قبل اللقاء بدقائق. اذا لماذا لم يقم ويترك اللقاء ويذهبً إلى وسائل الاعلام مع بيان مُعد مسبقا لقلب الطاولة وتحميل رئيس الحكومة مسؤولية حل الحكومة، هكذا كان سيتصرف أي سياسي مُحنك في ملابسات مشابهة. قد تكون هذه سياسة قديمة في نظر لبيد، لكنها سياسة مفيدة.
لم يخجل نتنياهو من أن يتحدث مطولا عن امور السكن وغلاء المعيشة. وقد طرح هذه المواضيعً إلى جانب التآمر، وكسبب لحل الحكومة. ولكن منذ متى يهتم نتنياهو في موضوع السكن خلال العشرين شهرا الاخيرة؟ متى عقد اجتماعا حول غلاء المعيشة؟ لقد عقد اجتماعات أكثر حول جرثومة الايبولا. كان همه داعش وإيران، إيران وداعش. وفجأة يطلب من لبيد الاستدارة وترك المبادرة الاقتصادية الأهم بالنسبة اليه، هذه المبادرة التي أيدها نتنياهو وصوت لها، وكذلك الحكومة. من الواضح أن هذه مجرد ذريعة، ومن الواضح أن هذا مخجل.
هآرتس 3/12/2014
يوسي فيرتر