لعل مشاهد العنف التي تخترق فضاءات التلقي صوتا و صورة و كلمة أصبحت من سمات هذا العصر، و لم تعد أذكى العقول محصنة ضد هذا الغزو اللامسبوق لانكسار الإنساني و تواريه أمام تغول العنيف و القاتل، لكن السؤال الذي يجب أن يطرح في ظل كل هذه المشاهد هو: هل نقبل بكل هذا العنف و نعتبره قدر عصر ازدحمت فيه الصراعات و تغذى بآمال مهشمة لمظلومين أبوا إلا أن يضيعوا موعدهم مع التاريخ و مع الفرص التي هيأوا أسبابها أوهيأت لهم عن قصد أو واتتهم بفعل الصدفة ؟ أم نقف في وجه انجراف نحو هاوية لا قرار لها؟
يبدو أن السؤال بهذا الشكل يفرض مسارين لا ثالث لهما:
مسار فيه استمرار للعنف و قبول به ، و مسار يناهضه و يحاول أن يسير ضد التيار و يقاوم صمت الحملان و الرغبة في الحلول السهلة الواقعية. فالمسار الأول – بالنسبة إلى العديد من الناس- أكثر واقعية و أكثر بساطة في وجوده و استمراره، إذ يكفي أن نؤمن بأن هناك خلافا و هناك صراعا يغذيه الخلاف و هناك طرفان شرير و خير، يجب أن ننتصر لأحدهما على حساب الآخر لكي نكتب شهادة الميلاد الأبدي لعنف لن ينتهي إلا بإبادة طوباوية لطرفٍ أي كان، و بتحقق توافق تام و أحادية في الفكر و التصور و المبادئ،…
أما الثاني فيفترض بدءا الإيمان بوجود خلل و بأن هناك رؤى يجب أن تتغير لتتقارب و أن هناك أرواحا يجب أن تُحجب عن منطق الموت القاسي و حيوات لابد أن تبقى عند مستوى يحفظ الكرامة و يحفز على الاستمرارية. وفي المقابل تضحيات يجب أن تبذل لنغير تعطشنا للتفوق و التعالي و نحطم نوازعنا نحو الاستغلال و تحقيق الرفاهية سيرا على جثث الفقراء و المستضعفين.
حقيقة، في كل من المساريْن صعوبة و تحد و قدر من الإغراء ؛ و الاختيار يبقى وليد احتياجات و إملاءات لها جذورها في التاريخ و السياسة و الثقافة ؛ يصعب أن نغير كل ذلك بين عشية و ضحاها، و نمسح بالنوايا الحسنة قرونا من التآلف مع العنف و التبرير له.لكن ألا يحق لنا أن نقف وقفة انتقاد و تأمل لنحسب خسائرنا و مكاسبنا من مواقف فيها الكثير من الصراعات و بحار من الدماء المراقة على الأرصفة؟
هل أجدى العنف في مختلف المواقف التي تم تبنيه فيها؟ و هل، فعلا، فلَّ الحديد الحديدَ؟ أم أنّ سياسة الحديد و النار لم تنتج لنا سوى الحديد و النار و الكثير من الضحايا و الدمار؟
طبعا للإجابة عن هذه الأسئلة يكفينا أن ننظر في صفحات الجرائد و نشاهد قنوات الأخبار لنتأكد أن لا شيء من أحلامنا الوردية قد تحقق أو قد يتحقق –على الأقل في المدى القريب، و أن دماءً تنتظر دورها لكي تراق و أجساما تصطف على جنبات مسالخ المعارك و الحروب لتخضع للبتر و التشظي و النسف دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل بقرب انفراج الأزمة و الوصول إلى بر أمان يستحق كل هذا القدر من القرابين الآدمية.
و نحن إزاء هذا المنظر السوداوي، لا يسعنا سوى الصراخ بشدة للحؤول دون إنهاء صوت المنطق المبحوح أمام هزيم المدافع و الانفجارات؛ فما قمنا به إلى حدود الساعة لم يؤدّ إلا إلى هزيمة «الجوهر الإنسانيّ» و محوه بمكّوك يتأرجح على الدوام بين عنفين: عنف مدان و عنف مبرر ، عنف نجمع على إدانته و نختار له من الأسماء ما يتناسب مع ثوب الإدانة و لبوس التجريم و الاستنكار و الاستهجان. و عنف مُبرَّرٌ نراه دفاعا و ردعا و مواجهة اضطرارية نلجأ إليها لنحمي أنفسنا و فلذات أكبادنا ، و المضحك المبكي أن هذه الرؤية لا تكاد تختلف بين الطرفين، و تتخذ عند الطرف الآخر- كما عندنا- نفس المسار و التصور فيصبح الإرهاب جهادا و العنف مقاومة…
و في الحالتين نحسُّ أننا لم نبرح دائرة العنف و الاقتتال و أننا رسمنا حدودا و وضعنا تنظيرات لنبرر ميلنا نحو العنف و تقديسنا له حلاًّ لا مندوحة عنه. لكن ماذا عن صوت السلام؟ و ماذا عن المدافع المحطمة؟ و عن الأموال التي يجب أن تصرف في تنمية الحياة الإنسانية و جعلها أجمل و أروع على هذا الكوكب؟ لا شيء يستقر في أذهان الناس من ذلك سوى أشباه أحلام لا تترجم إلى نوايا صادقة و محاولات للإنجاز و التجسيد على أرض الواقع في ظل صناعة الأسلحة و ضغوطات لوبيات السلاح و صناع الصراعات و المستفيدين منها.
الغريب أنه في إطار البحث عن تبريرات للعنف نلجأ إلى هذه الصورة المثالية للسلام المرتقب بعد تضحيات، فالخوف من الوحشية يولّد وحشية أكبر كما عبر عن ذلك «تودوروف» في كتابه «الخوف من البرابرة».
وننسى أنّ العنف ليس الطريق إلى السلام بل إلى مزيد من العنف و إلى سنوات عجاف مقفرة من المشاعر الإنسانية و من العيش الكريم لعدد كبير من سكان الكرة الأرضية.
و هذا ما تعترف به بعض القوى أحيانا أو تلمح إليه ، فحينما تشير الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن الحرب على داعش ستطول لسنوات و عندما يؤكد «أوباما» أن ليس هناك مهادنة مع النظام السوري إلا على سبيل التركيز على عدو مشترك، فإن ذلك يعني أجندة طويلة الأمد تستغرق سنوات و سنوات للقضاء على داعش، ثم البحث عن العدو القديم و محاولة الإطاحة بنظام كان حليف اليوم.
هذا يعني بلغة الأرقام حصيلة ثقيلة من الجثث و المشردين، و حربا طويلة قد لا تنتهي إلا لتشتعل من جديد، و صراعات يُخطّطُ لها على مسافات زمنية متوغلة في المستقبل. مما يجعل منطقة كالشرق الأوسط على فوهة بركان مستعر، قد يخمد بعد عقود و عقود و قد لا يخمد إلا ليقذف بحممه القاتلة من جديد.
و من ثم واجبنا أن نفكر في حل نتفادى به الانحدار نحو هاوية العنف، و نوجه كل اهتمامنا صوب هدف أسمى من مجرد الانتقام أو الأمل في القضاء على الطرف الآخر الذي نُقزمُه في دور عدو يجب تصفيته ليخلو لنا الجو و نعيش في أمان، فبمثل هذه الخطى لا يمكن إلا أن نرفع من وتيرة القتل و العنف و نحرم أنفسنا من ادخار مجهوداتنا الإنسانية صوب أهداف أكثر واقعية و ملامسة للحاجات و التطلعات من عدالة كوكبية و اقتصادات اجتماعية تقوم على مبادئ و قيم و أخلاق تحترم الحياة و تُبجّل حق الكل في التمتع بعيش كريم و صحي خال من التوتر و العداءات المُفبركة.
د.أنوار بنيعيش – كاتب وباحث من المغرب