الرباط ـ «القدس العربي»: تتأسس الكتابة الشعرية عند الشاعر المغربي محمد بلمو على تكثيف الدلالة وتركيب الأسلوب التصويري الفني والمراهنة على الانزياح المفارق المتاخم لعوالم القلق والمعاناة والحنين. كما تقوم الصورة الشعرية المركبة عنده على استحضار الذاكرة، بما تحيل إليه من بساطة وأمل وعفوية وبراءة؛ ما يجعل تلك الصورة حافلة بمميزات الدهشة الجمالية لانسجام عناصرها التركيبية، على الرغم من اختلافها ومفارقاتها أحيانا.
وكان حفل توقيع الديوان الجديد لمحمد بلمو الموسوم بـ»رماد اليقين»، الخميس الماضي في العاصمة المغربية، ضمن فعاليات الدورة الثانية لملتقى الرباط/ بغداد للشعر، فرصة لمقاربة خصائص التجربة الشعرية عند بلمو، من خلال المداخلة التي قدمها الباحث مصطفى الشاوي تحت عنوان: «مستويات الدهشة الجمالية في ديوان (رماد اليقين)».
وفي مواكبة لوكالة الأنباء المغربية لحفل التوقيع، نقلت عن صاحب القراءة قوله إن «الديوان المحتفى بها يعدّ من الأعمال الشعرية التي تستفز القارئ وتدهشه، فالجديد يخلق الدهشة دائما، والدهشة من منظور نظرية جمالية التلقي صفة جمالية، إذا ما امتلك النص نظاما داخليا يؤطره، أي إذا كانت هذه الدهشة مبررة داخليا، لأنها تحفز القارئ على إثراء أفق توقعه القبلي. وفي الديوان المقروء مستويات متعددة للدهشة الجمالية» محاولا «تحيين أهمها على مستويات فكرية وفنية وجمالية مختلفة».
وتوقف الباحث عند «دهشة العتبات المؤشرة» التي تتمثل في عنوان المجموعة «إذا كان الرماد ما يتبقى من الشيء بعد احتراقه مما يرمز إلى الموت والنهاية والعدم وكل ما هو سلبي، فإن اليقين يدل على الثبوت والحقيقة والوجود وكل ما هو إيجابي».
ولوحة الغلاف للفنان محمد المنصوري الإدريسي ذات «الطابع التشكيلي التجريدي الذي يضيء الموضوع ويراهن على تقنيات جديدة»، و»هكذا يراهن الشاعر محمد بلمو على القارئ في الكشف عن أسرار رماد اليقين التي تسكن جميع عتباته».
كما توقف الناقد عند «دهشة البناء المشكل»، موضحا أن الديوان يضم عشرة نصوص شعرية، و»يعمد الشاعر إلى التصرف بحرية في توزيع سواد الكتابة على بياض الصفحة فتجنح جل النصوص الشعرية نحو اليمين فتطول وتقصر غالبا وقلما تشرد الكلمات عن اليمين وتنزاح إلى الوسط كلمة كلمة لتؤشر إلى مدلولها، كما يندهش القارئ لبنية النصوص من حيث تعدد أشكالها، خاصة النصوص الشذرية القصيرة جدا، وغالبا ما يقحمها الشاعر تحت عنوان مركزي يكون بمثابة الأصل الذي تتفرع عنه الشذرات.»
وبخصوص «دهشة المدلول المقلق»، أفاد الناقد بأن «مختلف قصائد الديوان تحقق مستوى عاليا من الدهشة على المستوى الدلالي، لأن النصوص لا تقول ما يفهم بقدر ما تفرض على القارئ أن يفهم ما يقال، نظرا لخصائص الكتابة الشعرية عند الشاعر محمد بلمو، التي تنبني على تكثيف الدلالة وتركيب الأسلوب التصويري الفني والمراهنة على الانزياح المفارق وعلى الاستفهام كأسلوب بنائي أساسي يعلن عن القلق والمعاناة والحنين».
أما بخصوص «دهشة الصورة المركبة»، فإن الصورة الفنية، حسب الباحث، «تستمد مقوماتها التركيبية من الذاكرة في أجل استحضاراتها والأمل في أرقى تجلياته والطفولة البريئة في أبهى أحلامها، ومن الطبيعة الجميلة في بساطتها ومن الواقع اليومي بمفارقاته الغريبة ومن الأسطورة بدلالاتها وأبعادها العميقة، وتتحقق للصورة مميزات الدهشة الجمالية لانسجام عناصرها التركيبية، على الرغم من اختلافها ومفارقاتها أحيانا». وخلصت المداخلة إلى القول «ترفد نصوص الشاعر محمد بلمو من معين مرجعيات مختلفة تتفاعل داخل الديوان فتكسبه الثراء والغنى والانفتاح على التراثي والحداثي والذاتي والاجتماعي والتاريخي واليومي والفلسفي والعابر والفني والجمالي، وتصدر نصوص الشاعر عن حس تصويري وتأشيري وأيقوني ورمزي ملحوظ يجمع بين النفسي والعقلي، والبصري والسمعي، والذوقي والحركي».
من قصائد ديوان «رماد اليقين»، التي تلا الشاعر بلمو خلال حفل التوقيع القصيدة التي يحمل عنوانها، «سيشمت الزرنيج في الورد» و»هل أنا الريح أيها المداد» و»لا موطئ قلم لي « و»ورشات مرتبكة … ضد الموت».
صدر للشاعر محمد بلمو ديوان أول بعنوان «صوت التراب» سنة 2000، وديوان ثان بعنوان «حماقات السلمون» باشتراك مع الشاعر عبد العاطي جميل سنة 2007.