نضال سيجري: ما بين الحلم والواقع، تبقي عظمة دون كيشوت
علاقتي بالتمثيل هي سلاحي لمواجهة الخوف والاستلابنضال سيجري: ما بين الحلم والواقع، تبقي عظمة دون كيشوت دمشق ـ القدس العربي ـ من يارا بدر: نضال سيجري فنان سوري شاب، يمتلك مفهوماً خاصاً لعلاقته بالمسرح والفن، وهو من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، الدفعة العاشرة، قسم التمثيل، تميّز منذ بداياته بأسلوبه الخاص في الأداء، فهو لا يستسهل العمل الدرامي التلفزيوني، حيث يعمل علي المزج بين تجربته الفنية ودراسته الأكاديمية، فتميّز عبر العديد من المشاركات التي نذكر منها أيامنا الحلوة ـ أنا وأربع بنات أو في اسكتشات لا يكفي ، في العمل التلفزيوني يعتمد مُلامسة النماذج الحياتية، من خلال الأعمال الاجتماعية التي تقترب من هموم الإنسان العادي، كما في مسلسل رجال خلف القضبان لهاني السعدي ومن إخراج الليث حجو، حيث طرح إشكالية الرجل الشرقي المطعون في شرفه حين يُعتدي علي زوجته التي يُحب ويحترم، وهي البريئة الخاطئة، المهشمة بلوثة العار…إلا أنه استطاع البقاء وفيّاً لعشقه الأول، المسرح وحلمه كرجل لم ينس بعد جمالية الطفولة، فشارك واخرج العديد من مسرحيات الأطفال، نذكر منها كان يا ما كان علي سبيل المثال، وآخر مشاركاته ممثلا في مسرحية حمام بغدادي للمخرج جواد الأسدي.في حوار تميّز بتعدد مستوياته، وانفتاحه علي حديث لم يعتمد صيغة السؤال والجواب التقليدية، فكان مُتدفقاً ناعماً، التقت القدس العربي الفنان نضال سيجري، وقد حاولنا هنا أن نعيد ترتيبه لسهولة القراءة فقط، حديث كان أشبه ما يكون بنضال سيجري نفسه، مُعقد وبسيط بآنٍ معاً. بداية إلي أي مدي تقترب في عملك المسرحي وفي مسرح الطفل تحديداً، من فروسية دون كيشوت ؟ أريد أن أوضح أمراً، يتعلق بالاعتقاد السائد بأنّ دون كيشوت أوروبي، ولكنني أري أنه عربي أكثر بكثير، من حيث عمق الحالة الدلالية التي يكشف عنها فارس سرفانتس ، ونعيشها نحن العرب عموماً والسوريون خاصة بانتشارٍ كبير، حتي أنني أعتقد أنّ المجتمع بذاته لدينا غدا يُشكل حالة دونكيشوتية. إنّ دون كيشوت مُلاصق للإنسان العربي المعاصر أكثر مما هو رمز لأي حالة إنسانية أخري، ونحن في سورية نعيش هذه الحالة في محاربتنا للأوهام والمسلمات التي نحيا بها منذ القديم، وفي حربنا هذه نبدو كمن يُحارب طواحين الهواء، لأن من يملكون الوعي لرفض هذه المسلمات هم أفراد غالباً، وفي ذات الوقت، عليهم هم أن يباشروا رسم خط الرفض. قد تبدو العملية سلبية، ونتائجها باهظة كثيراً، ولكن في أسوأ الأحوال سيبقي لهم شرف المحاولة. وبالنسبة لعلاقتك بمسرح الطفل، وتجربتك معه في سورية؟ من أحد الوجوه نعم. ولكن علاقتي بمسرح الطفل مركبة، فهي حلم أحاول أن أجعله واقعاً، ضمن معمعة الضوضاء والالتباسات المهنيّة في البلد، ومن جهة أخري هي بحث عن متعة إنسانية بسيطة. هنا في سورية فقدنا أنفسنا ضمن العديد من الاضطرابات الفردية والاجتماعية، حتي نسينا الكثير من مفردات الحياة الجميلة، كمتعة لقاء الآخر والحديث معه، رغمّ أنّ مُتعاً بسيطة كهذه ما يزال الوقت يُفسح لها مجالا في ثناياه، ولكنني أري أننا نسير إلي زمن ٍ خارج الوقت، زمن لا يعترف باللحظات في سرعته، زمن سينسي فيه الفرد يومياته البسيطة، ومن مثل هكذا بسيطة تبدأ المحاولة، وهنا أعود إلي دون كيشوت، فليس الأمر أن يحمل المرء سيفاً خشبياً ليحارب طواحين الهواء، عليه فقط إزالة الطبقات المتراكمة عبر عقود ٍ من التهميش ولاستلاب والخوف. الخوف بداية ً هو ما علينا أن نحاربه، في أنفسنا قبل كل شيء، إنّ الخوف والتسليم هو الشكل الأول لغياب الوعي الفردي والاجتماعي.وعلاقتي بمسرح الطفل هي شكل من الوعي الفردي، سلاحي الذي أحاول أن أحارب به، أن أعيش لحظات متعة بسيطة مع آخر ما يزال نقيّاً من كل التشوهات الحضارية، ما يزال غير عارف لمعني الخوف، عفوياً وصادقاً. إنه بشكل ٍ ما سلاحي لمواجهة خوفي من التسليم والاستلاب دائماً.هل يكون مسرح الطفل عملية خاسرة و بلا جدوي ؟! كلا، إنه ليس كذلك وأنا لن اسلم بهذا. أنا اعمل انطلاقاً من نفسي، في خلق متعة جمالية بسيطة، متعة أتشارك فيها مع الآخر. إنّ مسرح الطفل بالنسبة لي حالة من الاستمرار في العيش في الحلم الجميل ربما، إنه هاجس وعاطفة حب نحو فاعل ٍ ومؤثر يعمل المجتمع عبر العديد من خلاياه الاجتماعية علي تشويهه منذ البداية، بلا أي ذنب، وأنا أري أنّ علينا وقف هذا الاستلاب ولو للحظات فقط. في حمام بغدادي شاركت فايز قزق البطولة وهو فنان حقيقي، وتحت إشراف المخرج جواد الأسدي، كيف يري نضال سيجري لهذه التجربة؟ أريد أن أبدأ بالحديث عن أمر خاص جداً بالمسرح، ففي العمل التلفزيوني للممثل مجال واسع لإعادة اللقطة أكثر من مرة، ولاحقاً يخضع العلم كاملاً للمونتاج ومختلف العمليات الفنية والمعالجة التقنية. علي المسرح الأمر مختلف وأكثر صعوبة بكثير، إذ أنّك كممثل في حالة مواجهة مباشرة مع الجمهور، لا يفصل بينكما إلا ذلك الجدار الوهمي، وعلي مثل هكذا تماس يغدو المتلقي قادراً علي التقاط خلجات وجهك، تشنجاتك العضلية، وحتي خوفك أو رهبتك..في تجربة حمام بغدادي كان العمل جماعياً، كانت روحا واحدة تقود الجميع، لقد أحببت شريكي فايز قزق أحببته بعمق، وعكسنا هذه الحالة علي المسرح، الخوف الممزوج بالحب والاحترام، بالرهبة، لقد عملنا معاً لوقت طويل، في تواصل ٍ شبه يومي، حوارا وأداء مشتركا ونقاشات مفتوحة علي رأي الآخر… أن تحب العمل ومن تعمل معهم، هو أن تستمتع بما تقوم به، هو أن تؤديه بحب. أنا لا أريد أن أقيّم نفسي، ولا أريد أن أقيّم العمل، لقد كانت لي ملاحظاتي الخاصة علي العمل، وقد ناقشتها مع الأستاذ جواد الأسدي، ولكنني أعتقد أنّ هذا العمل قد نجح، علي الأقل بالنسبة لي، ونسبة كبيرة من هذا النجاح مرتبطة بفايز قزق، لأنه ممثل شريف، وعملنا كان مشاركة ولم يكن منافسة، أنا لا أحب هذه الكلمة، وإنما أؤمن أكثر بكلمة مشاركة، لقد تشاركنا الحياة داخل النص وأحببنا الحياة خارجه.. إلي أي مدي تختلف طبيعة عملك الفني بين خشبة المسرح العارية وتقنيات الشاشة الصغيرة؟ في المسرح تربطك علاقة خاصة جداً، مزدوجة مع الشخصية التي تعيد خلقها ورسم أبعادها، فعبر شهور ٍ من البروفات المتواصلة، تعيش مع الشخصية وترتبط معها بعلاقة حميمة، ولكن في ذات الوقت عليك أن تفسح مجالاً كي تبقي علي مسافة معينة بين ذاتك والشخصية، حتي لا تقع في مطب التكرار الدائم. علي الخشبة يكون الجسد هو مالك المساحة، ممتداً بأبعاده كاشفاً عن ملكاته. أما أمام الكاميرا فالأمر مختلف جذرياً، أنت أمام سرعة قاتلة، تنتقل بين مواقع التصوير، متواصلاً مع الشخصية لساعة أو اثنتان ثم تعود لتنقطع عنها لأيام ربما… أنا لا أحب هذه الطريقة في العمل، إذ تشعرني بالاغتراب عن الشخصية وانعدام التواصل بيننا، وهذا يُفقد الأداء روحانيته الجميلة، ولهذا أسعي إلي الانتقاء والتركيز علي عدد قليل من الأعمال في العام، إذ أنني أبحث في العمل التلفزيوني عن التواصل مع الشخصية ذاتها لتعوضني عن غياب الآخر وفقدان التواصل معه، فاعمل علي اكتشاف الشخصية وتلمس أبعادها، لتغدو كمتعة اكتشاف الآخر التي أتقاسمها مع شريكي علي الخشبة، متعة اكتشاف مشترك لأعماق إنسانية قريبة جداً منا. أريد أن أعود للتركيز علي مفهومك للجسد، لجسد الممثل، ففي حمام بغدادي علي سبيل المثال، شكل الجسد جزءاً حيوياً من سينوغرافيا المكان ؟ حين يُذكر الجسد تستحضر علي الفور مجموعة طويلة من المفاهيم الملتبسة لعلاقة هذا الجسد بالخطيئة والحرام والدين والشرف والمرأة والرجل…. إنّ الجسد شيء هش جداً، وقاسي جداً بنفس الوقت، معقد بدرجة عالية، مجنون وقاسي إذا سمحنا له أن يقودنا دون أن نقوده، متعدد المستويات، مُركب بأبعاده ما بين البعد المادي ـ الفيزيولوجي، والبعد الروحي المرتبط بالمفهوم الأسمي للوجود الإنساني، وأقصد الحرية ، ويتشكل هذا البعد من الوعي بالجسد، بحاجاته ومتطلباته، حقوقه وحدوده… إنّ جسد الممثل جزء لا يتجزأ من كينونة وجوده وأداءه، وفي المسرح تتداخل كل هذه المستويات وتتعدد العلاقة، علي الممثل أن يدع مجالاً الحرية جسده، وفي ذات الوقت عليه ضبط اندفاعات هذا الجسد، عليه التحكم بقسوته ومنع هشاشته الإنسانية من أن تعكس نفسها.. وفوق كل هذا عليه أن يرتبط بجسد الآخر، ففي حمام بغدادي مثلاً كان الجسد حاضراً بقوة، بكل تعقيداته كحامل لعلاقات أخري عديدة. وواحدة من جماليات العمل مع فايز قزق كانت ضمن حريّة هذا الجسد في علاقته مع جسد الآخر، لقد كان الجسد عاكساً لمفاهيم وهويات، لآلام هذه الشخصية وماضيه، أو تلك، راسماً علاقتها المضطربة بالآخر… أريد أن أتوقف مع شخصيتك في مسلسل أيامنا الحلوة التي رسمت صورة مختلفة عن ابن الساحل السوري التقليدية؟ لقد اختلفت كثيراً مع مخرج العمل حول هذه الشخصية، فقد رسم مؤلفا هذا العمل الشخصية بصورة مختلفة تماماً، ولكنهما كانا أكثر مرونة في تقبل تصوري، لقد أردت أن أقدم الشخصية العلوية بامتياز، وشخصية هذا الطبيب لم تكن مرسومة بهذا الشكل في الأساس، بل اقرب إلي التصور الذي تشكل منذ وقت عن ابن الساحل السوري، الفظ والريفي، الساذج القادم إلي ضجيج المدينة وتعقيداتها، المرتبط بالأمن بشكل أو آخر… ولكنه ليس هكذا دائماً، فهنا قدمت شخصية طبيب ريفي يزخر بالطيبة والأخلاق العالية، نقي وهادئ يُذكر بالطبيعة الجميلة التي ينتمي إليها. إنّ أبناء الساحل حالات إنسانية مستقلة في النهاية، لكل منها فرادتها وتنوعها الخاص النابع من استقلاليتها، ربما وجدت سمات مشتركة تربط أبناء منطقة واحدة، ولكنها ليست قانوناً إلاهياً… بل صورة اجتماعية حاملة بذاتها للكثير من الحالات الاستثنائية. هل تتفق مع المقولة التي أخذت في الانتشار والقائلة بترييف الفن ؟ إنّ الفن مديني في الأساس، وهو حين يزور الريف فبهدف نقل شيء ما إليه، وحتي حين يأخذ منه، يبقي الفن بجوهره مدينياً دوماً، مرتبط بازدحام المدن وطبيعة علاقاتها الاجتماعية والإنتاجية. إنّ الفن انعكاس للمجتمع بهزائمه وانتصاراته، خيبات أمله ولحظات فرحه، السلبي والإيجابي، الفن ملتزم بطرح القضايا الإشكالية التي تؤرق الإنسان العادي أو تثير تساؤلاته، ولا أري أنّ مهمته في امتلاك الجواب دوماً، بل القضية الأساسية في إضاءة الزوايا المظلمة، المغيّبة الممنوع الاقتراب منها… هذا الدور المرتبط بالفن ينعكس علي جميع أفراده موسيقيين أو تشكيليين، ممثلين أو مخرجين… من الفرد ينطلق الوعي، والفن روح الإنسان ومرآته التي تعكس وجوده، إنّ ارتباط الفن بالمدينة، عائد إلي طبيعة المدينة كتجمع سكاني كبير حامل لبذور الوعي والحركة منذ القديم، حيث التنوع والاختلاط والتبادل، فالمدينة مركز الجماعة والمؤسسة…. زاخرة بتنوّع إنساني هائل يحمل الجمال والقسوة بآن ٍ معاً. إننا محكومون بالأمل ؟ أجل، إنني أؤمن بهذا القول، نستطيع أن ننظر فلا نري سوي قتامة الوضع وسوداويته، نستطيع أن نستسلم لعجزنا وضعفنا، لخيبات أملنا ومسلماتنا، ولكننا لن نجني شيئاً إلا المزيد من كل هذا الألم، علينا التشبث بالأمل، والتجروء علي المحاولة، محاولة الرفض، محاولة التمسّك بالوعي الإنساني والحضاري، ففي النهاية علينا الاستمرار في العيش، إننا لا نخفي آلامنا وتاريخنا المليء بالانكسارات الموجعة، التي عكست نفسها بصورة أو بأخري علي أرواحنا، ولكنني أرفض السوداوية، ولا أفقد تفاؤلي أبداً، إنني اقرب إلي مصطلح متشائل حيث لا ننكر الماضي ولا ننسي الواقع، ولكننا نعمل علي بقاء الأمل بالحاضر…2