الناصرة ـ «القدس العربي»: تتوقع جهات فلسطينية وإسرائيلية غير رسمية أن تتعدل سياسات الولايات المتحدة فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي لتعود على ما كانت عليه في فترة الرئيس الأسبق براك أوباما، وأن تكون أكثر سلبية تجاه رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو بشكل شخصي بحال بقي في الحكم. فيما يلي بعض ما تقوله هذه الأوساط الفلسطينية والإسرائيلية علما أن الجانبين الرسميين قد اكتفيا بتصريحات عمومية حول سياسة بايدن المرادة حيال الصراع، وكرر نتنياهو مزاعمه بأنه يتمتع بصداقة عميقة مع بايدن فيما عبرّت السلطة الفلسطينية عن أملها بموقف منصف وغير منحاز. وضمن قراءة بخطوط عريضة ومبادئ عامة يتوقع “مدار” ركن “صفقة القرن” جانباً ما عدا ما تم تنفيذه منها، وتحديدا نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فيما عدا ذلك فإن بايدن لن يعتبر هذه الخطة أساساً للتسوية بين الطرفين، بل سيعمل على تسوية من خلال المفاوضات بين الطرفين مبنية على أساس “حل الدولتين”. وبرأيه لن يقبل بايدن بسياسة الضم الإسرائيلية لمناطق في الضفة الغربية، بل سيؤيد أي ضم ضمن تسوية نهائية بين الطرفين مرجحا أن تلجم الإدارة الجديدة الاستيطان في الضفة الغربية من دون تجميده نهائيا، ولن تسمح بهذه الكثافة غير المحسوبة للاستيطان كما يحدث الآن. كما يتوقع أن يعيد بايدن التفكير في القطيعة التي حدثت بين الولايات المتحدة ومؤسسات دولية ناقدة لإسرائيل، كما يمكن أن يعيد الدعم الأمريكي إلى وكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة. وضمن هذه الترجيحات يقول “مدار” إن بايدن سيجدد العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الإدارة الأمريكية والسلطة الفلسطينية، حيث يعتبرها بايدن مركبا أساسيا في المنطقة مثلما سيعيد بايدن التفكير في العلاقات مع إيران عبر التفاوض معها على اتفاق نووي جديد، ربما يكون من ناحية واشنطن أفضل من الاتفاق السابق المُبرم في فيينا. يشار أن بايدن قد شغل منصب نائب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وكان من الشخصيات التي صاغت السياسة الأمريكية الخارجية لإدارة أوباما وتعرض لعدة عمليات إحراج من قبل حكومة الاحتلال منها الإعلان عن مشاريع استيطانية كلما زار البلاد.
وفي النقاط التي تتعلق بإسرائيل ضمن هذه السياسة وضمن المقارنة بين الأمس واليوم يستعيد “مدار” دعم أوباما الثورات العربية، لا سيما بعد أن اتضح لها أن الأنظمة العربية السلطوية سوف تسقط في هذه الدول. كما يستذكر “مدار” عرض أوباما رؤيته لتسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني على أساس حل الدولتين، معارضا الاستيطان، ومراقبا له في أحسن الأحوال، ما لجم البناء الاستيطاني نسبيا، وفي أعقاب فشله في تسوية بين الطرفين أنهى أوباما ولايته بامتناع الولايات المتحدة عن التصويت في مجلس الأمن الدولي على قرار يدين الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. في المقابل قام ترامب بتبني الرؤية الإسرائيلية للتسوية، فارضاً “صفقة القرن” وما سبقها من نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل وملاحقة المؤسسات الدولية الداعمة للفلسطينيين، مثل وكالة الأونروا، المحكمة الجنائية الدولية، مجلس حقوق الإنسان، وغيرها. كما يستذكر أنه في موضوع الملف الإيراني، توصلت إدارة أوباما إلى اتفاق نووي مع إيران بالإضافة إلى الدول الخمس الكبرى، الأمر الذي عارضته إسرائيل بشدة، ما دفع نتنياهو إلى تجاوز البيت الأبيض وإلقاء خطاب ضد الاتفاق في الكونغرس مما عمق من التوتر بين الجانبين. في المقابل عندما جاء ترامب قام بالتراجع عن الاتفاق والانسحاب منه، فارضا على إيران عقوبات اقتصادية غير مسبوقة كما كانت تطالب إسرائيل دائما. وفي ملف العلاقة مع السلطة الفلسطينية يستذكر دعم إدارة أوباما السلطة الفلسطينية اقتصاديا، ولم تحاصرها سياسيا، في حين قطع ترامب الدعم الاقتصادي عنها. ويذكر “مدار” أن بايدن كان سابقا شريكا في كل هذا السياسات التي قام ترامب بإحداث قطيعة معها منوها أيضا إلى أنه في أعقاب الاتفاق النووي مع إيران، جددت الولايات المتحدة الاتفاق الاستراتيجي مع إسرائيل لمدة عشر سنوات، وهو الاتفاق الذي أعطى إسرائيل امتيازات في التسلح والدعم بصورة غير مسبوقة. غير أن هناك عوامل قد تساهم في تعكير الأجواء التي كانت بين إسرائيل وترامب في عهد بايدن وفق رؤية “مدار” وهي على النحو التالي: أولا: حالة التماهي غير المسبوقة بين اليمين الإسرائيلي والحزب الجمهوري الإسرائيلي، وهي ظاهرة غير مسبوقة في السياسة الإسرائيلية. حيث كان واضحا أن اليمين الإسرائيلي بات حليفا للحزب الجمهوري، وهذا ما عبرت عنه الصحافة اليمينية وكتابها وحتى سياسيون من اليمين، ورغم الحذر الذي يتبعه نتنياهو في هذا الشأن، إلا أن خطابه تجاه ترامب ومدحه الشديد له ونقده المبطن لإدارة أوباما جعل هذا التحالف واضحا، في الجانب الآخر كان الحزب الجمهوري يتحول أكثر فأكثر إلى حزب يميني متطرف وخاصة في عهد ترامب وموجها نقدا للحزب الديمقراطي تجاه مواقفه من إسرائيل واصفا إياها بالعداء لليهود ولإسرائيل. وهو طبعا يجافي الحقيقة. وفي العام 2012 تدخل نتنياهو لدعم المرشح الجمهوري ميت رومني، حيث أقلق هذا كثيراً من الدبلوماسيين الإسرائيليين الذين لم يشهدوا مثيلا له في الماضي.
ثانيا: الترسبات السلبية التي حملها بايدن من فترة إدارة أوباما وما شابها من توتر مع إسرائيل عموما، ونتنياهو خصوصا، في كل ما يتعلق بالملف الإيراني، التسوية مع الفلسطينيين، والاستيطان، وغيرها من قضايا ذات طابع مبدئي بين الطرفين. وتحديدا فيما يتعلق بالعلاقات الشخصية بين بايدن ونتنياهو، وفق “مدار” فقد شابها التوتر، أولا للدعم الواضح لليمين لترامب، وثانيا إهانة بايدن في إحدى زياراته لإسرائيل، حيث تعهد نتنياهو بعدم بناء وحدات استيطانية في القدس، وفي أثناء زيارته أعلنت إسرائيل عن البناء الاستيطاني في ذات المكان مما أغضب بايدن كثيرا وتسبب بشعوره بالإهانة الشخصية ناهيك عن السياسية من هذا السلوك. وثالثا تحولات في مواقف قواعد الحزب الديمقراطي من المسألة الفلسطينية وتسوية الصراع. ويستذكر التقرير استطلاعا نشره معهد الأبحاث الأمريكي “غالوب” أشار إلى أن أقل من نصف المؤيدين للحزب الديمقراطي عبروا عن تأييدهم لإسرائيل، بينما كانت نسبة الذين أيدوا الجانب الفلسطيني الأعلى منذ عشرين عاما وهذا يعود إلى تغيرات فكرية وديموغرافية حدثت في قواعد الحزب الديمقراطي.
كيف يبدو الشرق الأوسط بقيادة بايدن؟
يرى الباحث الإسرائيلي في معهد السياسة والاستراتيجية دكتور أودي أفينتال إنه مع دخوله إلى البيت الأبيض سيكون بانتظار الرئيس بايدن كمية من المسائل الخارجية المشتعلة خاصة في الشرق الأوسط. ومثلما جسد في مقال له بعنوان: “يجب أن تعود الولايات المتحدة إلى القيادة” فإن بايدن يولي أهمية كبيرة للسياسة الخارجية، وقد أعلن عن تعيينات في وزارته في مجال الأمن القومي قبل أي مجال آخر، بما في ذلك الاقتصاد والصحة، كي ينقل هذه الرسالة.
ويتساءل أفينتال ما خطط بايدن للشرق الأوسط؟ بأي دروس يتوجه إلى الموضوع؟ ماذا سيكون مكان منطقتنا في سلم أولوياته؟ ما هي التوترات والاضطرارات بين أهداف الولايات المتحدة ومصالحها وقيمها بالنسبة للشرق الأوسط، والتي ستضطر إدارة بايدن إلى المناورة فيها. وما المعاني التي تستخلصها إسرائيل؟
دروس الماضي
وفي محاولة لفهم المستقبل يعود الباحث للماضي بالقول إنه في مناصبه في الكونغرس والإدارة في العقود الثلاثة الأخيرة، تعرف بايدن عن كثب على إخفاقات الولايات المتحدة في إحداث تحولات إيجابية في الشرق الأوسط. ويقول أفينتال إن انهيار المفاوضات على التسوية الدائمة التي حاول الرئيس كلينتون العمل عليها أدى إلى انتفاضة مسلحة في الأراضي الفلسطينية وكل جهود تحريك المسيرة السياسية فشلت وعمقت أزمة الثقة بين إسرائيل والفلسطينيين. وتابع “سعى المحافظون الجدد في إدارة بوش لأحداث مسيرة تحول ديمقراطي في الشرق الأوسط. واصل الرئيس أوباما ذلك على خلفية أحداث الربيع العربي، وسعى لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع إيران. وبعد إسقاط نظام صدام حسين انطلقت إيران كقوة إقليمية صاعدة؛ وأدت أحداث الربيع العربي إلى انعدام الاستقرار والهزات والحروب الأهلية، وانتشار عظيم لـ “داعش” وعودة الحكام المطلقين إلى الحكم في غالبية دول المنطقة. ويعود على خلفية ذلك للتساؤل ماذا يقول بادين ورجاله عن مخططاتهم في الشرق الأوسط؟”.
وعن ذلك يتوقع أنه على أساس برنامج الحزب الديمقراطي وتصريحات كبار المسؤولين الذين عينهم بايدن في حكومته، وأقواله ومقالاته نفسه، يرسم الخطوط الهيكلية التالية بالنسبة للشرق الأوسط:
ستنشأ سياسة الولايات المتحدة في المنطقة من مبادئ السياسة الخارجية الأوسع: إعادة بناء النظام الدولي الليبرالي- الديمقراطي، الذي بنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية؛ وتعزيز الديمقراطية في أرجاء العالم من هونغ كونغ حتى السودان، ومن تشيلي حتى لبنان؛ والانتصار في المنافسة الدولية حيال الصين وروسيا. وبرأيه ورغم تعلقها المتقلص بالنفط في الشرق الأوسط، لا تزال للولايات المتحدة مصالح متواصلة في المنطقة، مثل: أمن إسرائيل، التدفق الحر للطاقة، ومنع التحول النووي لإيران، والحرب ضد الإرهاب. كما تسعى الولايات المتحدة إلى مزيد من التوازن بين مستوى التزامها بالاستقرار والحرية والأمن في المنطقة وبين الغرق في المواجهات (التي لا يمكن الانتصار فيها) والتي تقضم من القوة الأمريكية. كما يرى الباحث الإسرائيلي أن إيران في سلم الأولويات، وتسعى الإدارة لاستئناف الدبلوماسية، وعدم التصعيد، وإلى حوار إقليمي مع طهران. ويضيف “إذا عادت إيران إلى الالتزام التام بالاتفاق النووي، ستنضم إليه الولايات المتحدة مجدداً، وسترفع العقوبات ضمناً. وبعد ذلك، ستدير الإدارة مع إيران مفاوضات على تعزيز وتمديد المفعول لبنود الاتفاق، وستواصل ممارسة عقوبات محددة ضدها على خرق حقوق الإنسان، ودعم الإرهاب وتطوير الصواريخ”. ويتوقع ان يهتم بايدن بوجود إسرائيل قوية في حدود آمنة هو مصلحة أمريكية، وإلى جانبها دولة فلسطينية قابلة للعيش وان تعارض الإدارة خطوات من طرف واحد مثل ضم وتوسيع المستوطنات، والتحريض و” الإرهاب” واستئناف العلاقات الدبلوماسية (مكاتب م.ت.ف في واشنطن، قنصلية في شرقي القدس) والمساعدة الاقتصادية للسلطة ولغزة.
في عقدة التوترات
بين المثالية والواقعية- من جهة يصل بايدن ( بنظر الباحث الإسرائيلي) إلى منصبه مع التزام معلن بأجندة وسلم قيم ليبرالي من الحرية والمساواة المدنية وبين الجنسين وحقوق الإنسان، من مدرسة التيار التقدمي المتعزز في الحزب الديمقراطي. ويخلص للقول في هذا المضمار “من جهة أخرى، سبق لبايدن أن جرب نتائج غير مخطط لها لخطوات التحولات في الشرق الأوسط، التي تحفّظ على بعضها عندما كان نائب الرئيس. وإن من شأن أجندة الديمقراطية وحقوق الإنسان أن تثير احتكاكاً حقيقياً بين الإدارة وحلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة وعلى رأسهم السعودية ومصر. وتشير تعيينات بايدن في مجال الأمن القومي (بلينكن، ساليبن) إلى أن الرئيس كفيل بأن يفضل الخط الواقعي في السياسة الخارجية الأمريكية”.