حدد الرئيس الأمريكي المنتخب جوزيف بايدن بمقال نشرته دورية “فورين أفيزر” عدد آذار/مارس- نيسان/أبريل 2020 معالم سياسته الخارجية بعد كانون الثاني/يناير 2021 وكان عنوان مقاله “لماذا يجب أن تعود أمريكا للقيادة مرة ثانية؟”. وبخلاف شعار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب الذي ظل يرفع شعار أمريكا أولا ولنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، قدم بايدن رؤيته عن قضايا العالم حالة انتخابه. واعترف أن اي رئيس سيأتي بعد ترامب سيواجه معضلة تجميع القطع التي بعثرها بسبب سياساته الفاشلة التي قوت أعداء أمريكا في إيران والصين وروسيا وسوريا. ويفهم بايدن أن مصداقية الولايات المتحدة وتأثيرها تلاشت منذ مغادرته والرئيس باراك أوباما السلطة في 20 كانون الثاني/يناير 2017 حيث قام ترامب بتقويض التحالفات الأمريكية والتخلي عن الحلفاء وهاجم المخابرات والدبلوماسيين والساسة المحترفين الأمريكيين وشن حروبا تجارية بدون تفكير وكانت فاشلة وأضرت بالطبقة المتوسطة في أمريكا وترك مقعد القيادة الأمريكية من أجل تعبئة العالم لمواجهة التحديات الجديدة، وفوق كل هذا تخلى عن القيم الديمقراطية التي كانت محلا لوحدة الأمة الأمريكية وهدفها. وتحت قيادته زادت التحديات التي تواجه أمريكا من التغيرات المناخية والهجرات الجماعية وانتشار الأوبئة وزحف الديكتاتوريات والأنظمة غير الليبرالية. وكرد على هذا الخراب الذي أحدثه ترامب على السياسة الخارجية والداخلية في أمريكا وضع بايدن أسس سياسته الخارجية التي تقوم على أهمية إصلاح الديمقراطية الأمريكية وتقوية تحالف الديمقراطيات التي تقف مع أمريكا حول العالم. وأكد على أهمية أن تظهر الولايات المتحدة القدرة على قيادة العالم ليس بالمثال ولكن بقوة النموذج. ولهذا اقترح عقد قمة للديمقراطيات في العالم بعد دخول البيت الأبيض. وهي فكرة تمت مناقشتها كثيرا بعد انتخابه وطرحت أسئلة حول جانبها العملي، مع أنه أكد أنها محاولة لإحياء الروح والهدف المشترك لدول العالم الديمقراطية وسيدعو إليه منظمات المجتمع المدني حول العالم التي تقف على الجبهة الأمامية للدفاع عن الديمقراطية.
دفاع عن الطبقة المتوسطة
وقال بايدن إن سياسته الخارجية ستكون من أجل الطبقة المتوسطة والفوز في التنافس ضد الصين وأي قوة أخرى. وهي سياسة تقوم على تحقيق الأمن الاقتصادي باعتباره مسألة أمن قومي. وهي تقتضي استثمارات واسعة في البنى التحتية من البرودباند إلى الطرق السريعة وشبكات الطاقة والمدن الذكية. ويفهم بايدن أن الصين هي تحد كبير لأنها تمارس لعبة طويلة المدى وتوسع من تأثيرها العالمي وتقوم بالترويج لنموذجها السياسي. ويجب أن تكون أمريكا متشددة مع الصين التي لن تتردد من حرمان الشركات الأمريكية من حقوقها الفكرية والتكنولوجية. وقال إنه سيقوم بوضع أمريكا على رأس الطاولةـ تماما كما كان الوضع قبل 70 عاما عندما شاركت في صياغة وتنظيم النظام الدولي بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. واعترف بايدن بأخطاء أمريكا فهي ليست معصومة، لكنه قال إنه لن يتردد عن حماية الشعب الأمريكي وإنهاء الحرب التي لا نهاية لها وتقليل عدد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، مشددا على أن استخدام القوة يجب أن يكون الخيار النهائي لحماية أمريكا ومصالحها الحيوية. وقال إنه يجب وقف الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية في اليمن. وقال إن الدبلوماسية يجب أن تكون الأداة الأولى للقوة الأمريكية، والتي حققت أثناء أوباما- بايدن عددا من الإنجازات من اتفاقية باريس للمناخ إلى القضاء على وباء إيبولا والإتفاقية النووية مع إيران. لكن الدبلوماسية تحتاج لمصداقية وهي التي حطمتها إدارة ترامب من خلال التخلي عن المعاهدات ومتابعة سياسة فاشلة بعد أخرى والتحلل من المسؤوليات الأمريكية بشكل أفلس فيه الموقف الأمريكي في العالم.
لكن بايدن الذي يعيش صدمة أحداث الأربعاء “الأسود” في مقر الكونغرس بالكابيتال هيل لم يكن لديه ما يقوله في مؤتمره الصحافي الذي عقده يوم الجمعة إلا الحديث عن الفيروس الذي يعيث فسادا في أمريكا وتوفير اللقاحات والإستجابة لمطالب الأمريكيين الإقتصادية. وبعد شجب للمهاجمين باعتبارهم “إرهابيين محليين” و “عصاة” دفعهم رئيس لم يكن أبدا على قدر منصبه ولا يصلح للحكم، فإن مهمة بايدن لتحقيق هدفه ستكون أصعب. فما حدث من احتلال أنصار ترامب الكونغرس أثر على سمعة أمريكا في العالم وسيكون إرث ترامب التخريبي شغلا له ولإدارته. فالرئيس المنتهية ولايته وعد من درجات الكابيتال “معبد الديمقراطية” عام 2017 أنه سيوقف “المذبحة الأمريكية” لينهي ولايته الوحيدة بمذبحة جديدة، مما قاد حتى الدول الديكتاتورية للتعبير عن قلقها على الديمقراطية الأمريكية والحديث عن ضعفها وأنها ليست “عاصمة النور على التلة”. وبدا واضحا من كلام رئيس الوزراء الشعبوي في الهند ناريندرا مودي الذي طالما استخدم نفس الخطاب القومي والتقسيمي ضد الأقليات للتأكيد على هندوسية الهند، وبدا حريصا على الديمقراطية الأمريكية.
وفي تقريره من باريس لصحيفة “نيويورك تايمز” (7/1/2021) قال روجر كوهين إن فرنسا وألمانيا تشعران بأن ما أصاب الديمقراطية الأمريكية يؤثر على مصير الديمقراطيات في القارة الأوروبية التي تواجه صعودا في الأنظمة الشمولية بهنغاريا وبولندا ونموا متصاعدا لحركات اليمين المتطرف في ألمانيا وإيطاليا. وترى إيما أشفورد بمقال بمجلة “فورين بوليسي” (7/1/2021) أن سياسة خارجية طموحة لبايدن ستظل منفصمة عن الواقع طالما لم تكن أمريكا قادرة على حماية نفسها من المخاطر الداخلية. وربما احتاجت مؤسسة السياسة الخارجية لإعادة النظر في سياستها الخارجية الطامحة لإعادة تشكيل العالم على صورة أمريكا. ويرى لاري دايموند في “فورين أفيرز” (7/1/2021) أن الهجوم وإن الحق أضرارا طفيفة بالمبنى لكنه دمر هيبة أمريكا في العالم. وقال إن أحداث الأربعاء أعادت طرح سؤال الشاعر الروماني جوفينال “من يحرس الحراس” في إشارة لتفسخ الديمقراطية عندما يعمل يقوم سدنتها بالإنقلاب عليها.
وفي الوقت نفسه بات العالم ينظر فيه إلى أمريكا على أنها عامل مخاطرة. فتصرفاتها في الشرق الأوسط منذ عام 2001 لم تساعد على الاستقرار بشكل أسهم في مشكلة أوروبا مع المهاجرين، كما أن سياسات العقوبات الأمريكية كانت مكلفة وغير شعبية. وفي السنوات الأخيرة زادت المخاطر التي أحدثتها إدارة ترامب في تعاملها مع كوريا الشمالية وإيران وحتى الصين.
بائس
ويظل سجل ترامب في السياسة الخارجية بائسا وكئيبا كما قال الأكاديمي ستيفن وولت بمقال نشرته “فورين بوليسي” (5/1/2021) حيث قدم ترامب رؤية مغرية وعدت بنجاح غير منقطع بجهد إضافي ضئيل أو بدون جهد. فأعداء أمريكا اليوم كثر وهي ضعيفة ومنقسمة، وحتى نكون منصفين له فهو لم يبدأ حربا أو يقم بعملية بناء فاشلة لدول، لكن هذا لا يعفيه من أن وعد الكثير وحقق القليل. وربما دافع عنه أنصاره، بالحديث عن منجزات عدة ومنها اتفاقيات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل مع أن هذه الاتفاقيات أمسكت بالفرع وتخلت عن أصل المشكلة، أي حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وحرق ترامب كل الجسور مع العالم وجعل أمريكا في حالة أسوأ بكثير مما كانت عليه عندما تولى منصبه. ويرى وولت أن الرئيس المنتخب جو بايدن وفريقه، لديهم قدر هائل من أعمال الإصلاح التي يتعين عليهم القيام بها. أما النبأ السار هو أنه لن يكون من الصعب القيام بعمل أفضل من الأشخاص الذين سبقوهم.
أين الشرق الأوسط؟
ونظرا للتحديات الكبرى التي ستواجه الإدارة الحالية، فمن الصعب التكهن بكيفية تعاملها مع الشرق الأوسط الذي أكد مستشارو الرئيس المقبل أنه لن يكون أولوية كبيرة لها، وكل ما في الأمر أن بايدن سيحاول مواصلة خط ترامب في تعامله مع المنطقة وإن بإسلوب مختلف. وربما وجد نفسه أمام نفس المعضلات التي واجهته وأوباما لوضع عوده الانتخابية محل التنفيذ كتلك المتعلقة بإيران أو السعودية ومصر وغيرها من الديكتاتوريات وإلغاء “الصك المفتوح الخطير” وذلك بسبب الفريق الذي سيعتمد عليه والذي استعاد فيه معظم الوجوه التي كانت في فريق أوباما- بايدن 2016 وإن بمناصب مختلفة ومهام متعددة، فوزير الخارجية المرشح أنطوني بلينكن كان نائبا لوزير الخارجية جون كيري، وهذا تم تعيينه في منصب مبعوث المناخ، وكذا سوزان رايس التي كانت مستشارة للأمن القومي التي عادت بمنصب جديد في الويست وينغ. ويرى جوش روغين بصحيفة “واشنطن بوست” (6/1/2021) أن الفريق وإن بدت عليه الكفاءة والمقدرة لكنها ليست كافية في عالم متغير وبعد أربعة أعوام من الخراب الذي أحدثه ترامب، وهي في النهاية ليست بديلا عن الإستراتيجية. وهناك مخاوف من ان عودة فريق أوباما- بايدن للصدارة سيمنع من تجنب أخطاء الإدارة الديمقراطية السابقة بل والدفاع عنها.
الرسالة وصلت
وسواء احتل الشرق الأوسط الأولوية أم لا، فمشاكله تجلب أمريكا إليه، كما أن القادة الذين استمتعوا برعاية دونالد ترامب من مصر والإمارات وتركيا والسعودية باتوا يحضرون لعهد بايدن، وهذا واضح في تحركات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي يحاول كما قالت صحيفة “واشنطن بوست” (7/1/2021) إرضاء إدارة بايدن المقبلة دونما جدوى، وربطت المصالحة الخليجية وفك الحصار عن دولة قطر بتغير الحرس في واشنطن. وقالت إن محمد بن سلمان يشعر أنه في خطر مع الرئيس المنتخب بايدن الذي تعهد بوقف “الصك الأبيض الخطير” و”كانت النتيجة سلسلة من الأعمال للاستجابة للمظالم الأمريكية مع الرياض”. وعلى مدى ثلاثة أعوام ونصف قامت الدول الخليجية مع مصر بالتنمر على قطر ودفعها للاستسلام وتنفيذ قائمة طويلة من المطالب السياسية منها قطع علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين وإسكات قناة “الجزيرة”. وكانت الحملة فاشلة وبشكل بائس ودفعت قطر لتقوية علاقاتها مع إيران وتركيا وتعقيد المبادرات الأمريكية بالمنطقة. و”بدا الاتفاق الذي وقعته الدول كاستسلام مثيرا للشفقة من ولي العهد محمد بن سلمان” فمقابل رفع الحصار وافقت قطر على وقف الدعوات القضائية التي قدمتها ضد الدول المحاصرة. ورأت الصحيفة أن نزع فتيل الأزمة الخليجية الذي حاولت إدارة ترامب حله سيساعد في زيادة التنسيق بين الدول السنية ضد إيران الشيعية. وهو أمر مهم لبايدن الذي سيحاول العودة للاتفاق النووي مع إيران وتوسيعه. وقالت إن ولي العهد السعودي ظل يرفض طلبات وزارة الخارجية والدفاع الأمريكيتين لإصلاح الصدع. وكان يعتقد وبلا شك أنه محمي من البيت الأبيض. والآن جاء بايدن الذي وعد بإنهاء الدعم الأمريكي للتدخل السعودي الكارثي في اليمن ويحمل محمد بن سلمان مسؤولية جرائم حقوق الإنسان مثل مقتل صحافي “واشنطن بوست” جمال خاشقجي، وهي أولويات تحظى بدعم الحزبين في الكونغرس. ومثل تنازلاته الأخيرة بشأن الناشطات المعتقلات إذ سيطلق سراح بعضهن بعد أسابيع من دخول بايدن البيت الأبيض، فتنازل محمد بن سلمان بشأن قطر هو ضروري ولكنه ليس خطوة ضرورية نحو علاقات طبيعية حتى يتم الإفراج عن الناشطات المعتقلات وبقية المعتقلين السياسيين ووقف قصف اليمن ومحاسبة كاملة لقتلة خاشقجي بمن فيهم ولي العهد. وبنفس السياق ربطت صحيفة “التايمز” (8/1/2021) بين وصول بايدن وتوجه السعودية لحل ملف النزاع مع قطر. وقالت إن الانتخابات الأمريكية تبدو بعيدة عن الخليج لكن دوله وقادة المنطقة يحاولون تغيير حساباتهم في ظل تغير الإدارة الأمريكية وطريقة تعامل بايدن معهم بطريقة قد تحرف ميزان القوة. وأشار بوبي غوش في “بلومبيرغ” (8/1/2021) إلى ان المصالحة الخليجية قد تعطي قطر دورا مهما في السياسة الإقليمية ولعب دور الوسيط الذي لعبته عمان في السابق مع إيران حالة قررت إدارة بايدن العودة للملف النووي. ورأت مجلة “إيكونوميست” (6/1/2021) أن المصالحة الخليجية ربما لم ترتبط بجهود جارد كوشنر، صهر الرئيس ترامب بقدر ما ترتبط أكثر بنتائج الانتخابات الأمريكية ومخاوف السعوديين من عودة بايدن للتفاوض مع إيران. ومن هنا فإنهاء الحصار على قطر هي محاولة لزيادة رأسمال السعودية في واشنطن. ومن السابق لأوانه الحديث عن مسار السياسة الخارجية في المنطقة في ظل التحديات التي تواجه بايدن على الصعيد المحلي والتداعيات التي تركها فيروس كورونا على اقتصاد العالم. ولكن هناك الكثير ينتظر الرئيس المقبل وربما قضى سنواته الأربع وهو يلغي سياسات ترامب الكارثية. وربما سهلت مهمته بعد سيطرة حزبه على مجلس الشيوخ والنواب ولم يعد بحاجة للاستناد على القرارات التنفيذية لتمرير سياساته الخارجية، فزعيم الغالبية الجمهورية ميتش ماكونيل في طريقه لخسارة موقعه وهو الذي قام بعرقلة ووضع العقبات خلال السنوات الماضية مع أنه عبر عن موقفه الواضح والشاجب من ترامب في جلسة المصادقة على بايدن. وعلينا انتظار ما ستكون عليه السياسة من تركيا التي لا يزال رئيسها ينتظر مكالمة مع الرئيس المنتخب، وتدهورت العلاقات الأمريكية-التركية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وكل هذا بسبب سوء فهم الطرفين لما يمكن أن يفعلاه، ولأن العلاقة لا تزال متجذرة في يقينيات الحرب الباردة التي انتهت.