“القدس العربي”: “بايدن: قناصة مش قناصة ارجعوا ورا خلي ترامب يطخني”، منشور صغير كتبه أحدهم عبر صفحته على موقع فيسبوك، خلال متابعته للأحداث التي دارت في العاصمة الأمريكية واشنطن في السادس من يناير/ كانون ثاني الجاري، عندما اقتحم أنصار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقر الكونغرس خلال جلسة التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية في واقعة غير مسبوقة.
للوهلة الأولى تبدو العبارةُ ساخرة ومليئة بالتندر والهزل، لكنها في الحقيقة كانت مستوحاة من موقف شهير عرفه وعاشه الفلسطينيون في قطاع غزة إبان أحداث الانقسام التي وقعت منتصف عام 2007، عندما احتدم الصراع بين الفرقاء الفلسطينيين- فتح وحماس- وكان القيادي في حركة فتح ويشغل منصب مستشار الأمن القومي ومفوض الإعلام والثقافة فيها آنذاك محمد دحلان يوجه خطابه الشهير الذي قال فيه” قناصة مش قناصة ارجعوا ورا خلى حماس اتطخني”.

رسم كاريكاتيري للفلسطيني بهاء ياسين
يبدو الربط بين هاتين الجملتين بحاجة لمزيد من التفسير، لكنك لن تبحث عن هذا إذا كنت فلسطينياً عاش الانقسام بويلاته المتلاحقة في 15عاماً هي عمر ذاك الانقسام، فما شهدته واحة الديمقراطية في العالم- أمريكا- خلال اليومين الماضيين، دفع الفلسطينيين لاستخدام نوع من الإزاحة والإسقاط لما عاشوه، جاعلين من الكوميديا السوداء أداة للتعبير عن معاناتهم.
أحمد بعلوشة صحافي فلسطيني وهو صاحب المنشور السابق ذكره، وواحد ممن تابعو عن كثب أحداث الكونغرس قال في حديث للقدس العربي “كل ما كتب على مواقع التواصل الاجتماعي هو إحالة لما يحاول الفلسطيني أن يعيشه، خصوصا إذا ما رأينا أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش الآن حالة من الديمقراطية رغم كافة الظروف التي واجهت هذه الحالة، إلا أنَّ النظام في النهاية والقانون هما من يحكمان سير تلك البلاد”.
وأضاف “ترامب بمناصريه وشعبيته التي اقتربت من نصف الشعب الأمريكي لم تسعفه في الانقلاب على نتيجة الانتخابات”، مشيراً إلى أن متابعة الفلسطينيين لما وقع وتناوله بشكل هزلي هو محاول لإسقاط حالة الخذلان التي حدثت في بلادنا على بلاد لا يمكن أن يحدث فيها أمر مشابه. لا يمكن أن يتم السطو على الشرعية أو الديمقراطية بالشكل الذي قُتلت فيه كل أشكال الشرعية والممارسة الديمقراطية في فلسطين”، على حد تعبيره.
لافتاً إلى أنه من المؤسف أن يتناحر الفلسطينيون على اللاشيء، “فنحن لا زلنا تحت الاحتلال، ودولتنا صغيرة الحجم رغم كبر قضيتها، وتعاني الكثير من التحديات ومع ذلك فشلنا في بناء شكل ديمقراطي نزيه وخالٍ من العربدة السياسية، وطبعاً هو أمر لا يتعلق بفشل الفلسطينيين وحدهم في تحقيق ذلك، بل بكم التحديات التي فُرضت وتُفرض عليهم للحيلولة دون قدرتهم على ممارسة الديمقراطية”.
ولا يبدو أن الفلسطينيين كانوا بحاجة لركوب آلة الزمن عند متابعتهم للأحداث الأمريكية لاستحضار معاناتهم، فآثار الانقسام الذي ألقى بظلاله على واقعهم جعلتهم جزءاً من حالة الترقب التي عاشها الأمريكيون ولو لساعات، ولكنهم وجدوا في مواقع التواصل الاجتماعي مساحة حرة للمشاركة والتعبير عن كثير من الحسرة التي تسكنهم.
يضيف بعلوشة “الكوميديا السوداء هي الطريقة التي نتواصل فيها اليوم مع حكوماتنا، نحن الذين نعيش على أرض صغيرة بحكومتين مختلفتين. حكومتان تمارسان قمع الشعب وتمنعانه من ممارسة أي فعل ديمقراطي من شأنه أن يحسن حياته للأفضل أو يغير من طبيعة الظروف التي يمر فيها الشعب الفلسطيني على مدار السنوات الطويلة الفائتة. ومواقع التواصل هي المجال الوحيد لممارسة هذا الحق الأصيل في التعبير عن الغضب والحسرة”.
العبارات التي تخُطها الفصائل على جدران المخيمات والبلدات الفلسطينية والتي أضحت خلال السنوات الماضية وسيلة في يد ممثلي تلك الفصائل لإثبات ذواتهم وقدرتهم على إحكام السيطرة على ما تم الاستحواذ عليه في أعقاب الانقسام، كانت هي الأخرى مثار سخرية، لكن على الطريقة الأمريكية وفق ما نشره الفلسطيني محمد أبو شعر في أحد منشوراته حيث قال “جاءتني إحدى الأخوات سلمتني سلسالها وقالت يا أخ أبو أيفانكا إياك أن تتنازل”، في إشارة منه لبعض العبارات الساخرة التي أطلقها الفلسطينيون تعقيباً على تطويع قادة الفصائل للخطابات السياسية لإحكام قبضتهم على سدة الحكم، ومحاولة إيهام الناس بأن هناك من يناصر استمرار بقائهم فيها.
الدعم الفج لإسرائيل
لكنه في الوقت ذاته لم يخف سعادته لما حدث، موضحاً أنه كغالبية الفلسطينيين الذين كانوا يترقبون خسارة ترامب، ويتابعون بقلق مراحل انتهاء مرحلة وصفها أنها الأشد التي مرت على الفلسطينيين في أعقاب فوزه كرئيس للولايات المتحدة، بسبب دعمه الفج لإسرائيل وانحيازه الواضح لها على حساب جميع الاعتبارات القانونية والسياسية.
وقال “أخفينا هذه المخاوف خلف الكوميديا السوداء تجاه ما كان يجري في مبنى الكونغرس. أعتقد أن هذا النوع من الكوميديا التي رافقت متابعتي وغيري كثير لمِا كان يجري هناك، كانت بسبب ما نعانيه نحن الفلسطينيون سواء من الانحياز الأمريكي الواضح لإسرائيل، ومن آثار الصراع على السلطة بين حركتي فتح وحماس والذي دفعنا وما زلنا ثمناً باهضاً له” .
لكن المفارقة بحسبه تكمن في أن الصراع على السلطة في أقوى دولة في العالم انتهى خلال ساعات وأعلن ترامب تسليمه على مضد بنتائج الانتخابات الأمريكية وتعهد بالتسليم المنظم للسلطة، لكننا كفلسطينيين ما زلنا نحاول البحث عن مخرج من الانقسام المستمر منذ 15 عاماً على “لا سلطة”.
غير أن إبراهيم مسلم يرى في اقتحام مؤيدي ترامب لمبنى الكونغرس وتعنته في ترك زمام السلطة، إظهاراً للوجه الحقيقي لأمريكا التي تتغنى بالديمقراطية، وقال “هذه الأحداث ما كانت لتحدث دون وجود هذا الرئيس، وهذا اليوم سيكون واحدا من الأيام المظلمة في تاريخ الولايات المتحدة ما يجري في أمريكا يكشف وهن الديمقراطية التي تتغنى بها أمريكا وقد يسقطها رئيس أرعن منتهي الصلاحية بفعل بلطجة وغوغاء.
وفي المقابل، يعتقد مسلم أن السياسة الأمريكية المُتبعة في منطقة الشرق الأوسط والتي كانت وراء تدمير وتشريد آلاف البشر حول العالم، قد تكون سبباً لتتذوق أمريكا من الكأس ذاته الذي سقت به شعوب الأرض تحت غطاء الثورات الناعمة على كما يقول.
ولم يخف عامر عوني الفلسطيني الذي قاد عدداً من المسيرات التي تطالب بإنهاء الانقسام وتم اعتقاله لمرات عديدة حتى استقر به المقام كمهاجر يبحث عن الحرية، امتعاضه من فقدان العالم العربي بأسره لمفاهيم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، بغض النظر عما وقع من أحداث وصفها بالاستثنائية التي تشهدها الولايات المتحدة.
ولفت إلى أن التغييرات الأمريكية أياً كانت نتائجها لن تكون بمنأى عن الواقع الفلسطيني، “لسنا مضطرين لتجميل صور الأشياء القضية الفلسطينية ومساراتها مرهونة بقرارات البيت الأبيض وسياسة أمريكا في العالم، نحن نهتم بما يجرى لأننا جزءٌ منه”، هكذا يقول عامر.
كما يعزو الفلسطينيون في غزة أسباب اهتمامهم بما يجرى حولهم إلى استمرار حالة العزلة المفروضة عليهم بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي عليهم، وانقطاعهم كلياً عن العالم، إضافة لفشل كل المحاولات العربية والدولية لرأب الصدع في الساحة الفلسطينية التي لا يبدو أن جرح الفلسطينيين فيها سيلتئم قريباً.